الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


هجوم روما الفلسفي

محمد سيد رصاص

2005 / 6 / 30
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم


أثبت البابا يوحنا بولس الثاني (1978 ـ 2005) خطل قول ستالين الهازئ من قوة الفاتيكان، لمّا بالغ الرئيس روزفلت أمامه بمديح بابا روما: "كم فرقة مدرعة يملك البابا؟"، وقد كان من سخرية التاريخ ومكره، إذا أخذنا بالمصطلح الهيجلي، أن أول مسمار دُقّ في نعش الامبراطورية السوفياتية، قد كان في وارسو على يد نقابة التضامن، في عامي 1980 و1981، التي كان مرشدها الروحي والأيديولوجي هو ذلك البولوني الجالس على كرسي البابوية، كما أن الحجارة الأولى التي سقطت من تلك العمارة قد كانت في العاصمة البولونية في صيف 1989 ليكرّ بعدها عقد دول الكتلة الشرقية في الخريف اللاحق الى أن وصلت الأمور لمنتهاها مع تفكك الدولة السوفياتية بعد سنتين من ذلك.
ظهرت قوة البابا في المجال السياسي، لما أعطى كرسي روما قوة في العلاقات الدولية لم تكن مسبوقة في العصور الحديثة، الشيء الذي ترافق مع نزعة محافظة على الصعيدين الكنسي والرعوي، وهو ما تزامن مع صعود نزعات محافظة في السياسة مثّلها ريغان وتاتشر وكول، ما عبّر عن بداية نزعة هجومية من المعسكر الغربي (بعد انكفائية السبعينات مع نيكسون وفورد وكارتر أمام موسكو) انتهت بانتصار واشنطن وتحوّلها الى القطب الواحد للعالم.
لم تحمل النزعات السياسية المحافظة، في الثمانينات، تسويغاً فلسفياً، وإنما كانت مجرد اتجاه سياسي متشدد ضد موسكو في العلاقات الدولية مع ليبرالية اقتصادية متطرفة على الضدّ من تدخلية الدولة في العملية الاقتصادية ـ الاجتماعية، في ما صاحب ملاقاة البابا لهذا الاتجاه الغربي السياسي ضد السوفييت نزعات محافظة ضبطت وقمعت كل فكر تحرري في الكنيسة الكاثوليكية، سواء (لاهوت التحرير) أو غيره.
أتى التسويغ الفلسفي للنزعة المحافظة الأميركية، في عهد بوش الإبن، مع (المحافظين الجدد)، الذين مزجوا نزعة (إدموند بيرك) المحافظة، التي واجهت الاتجاهات الفلسفية لعصر الأنوار والثورة الفرنسية، مع ليبرالية جون ستيورات ميل، مُدَشنين اتجاهاً فكرياً جديداً يحاول أن يكون الرديف الإيديولوجي للقوة الأميركية المسيطرة على العالم، كما كانت الشيوعية السوفياتية بالنسبة الى الجيش الأحمر.
في المجمع المغلق، الذي عقده كرادلة الكنيسة الكاثوليكية بعد أيام من وفاة البابا في نيسان الماضي، قام الكاردينال جوزيف راتسينغر، أمام ذلك المجمع الذي انتخبه لاحقاً خلفاً للبابا الراحل، بشنّه هجوماً فلسفياً على "دكتاتورية المذهب النسبوي الذي يترسخ ولا يعتمد معياراً أخيراً سوى ذاتيته ورغباته"، ثم ليقوم بقبول وصف إيمان الكنيسة بـ"الأصولية" في وجه النسبوية التي اعتبرها لا تعدو "الاستسلام لرياح عقائد متضاربة يظهر (أي هذا الاستسلام) بمثابة الموقف الوحيد بمستوى العصر اليوم، ومعتبراً أن "الإيمان الناضج ليس إيماناً يتبع التيارات الرائجة" أو ينحني أمام عاصفتها ومدّها.
ليس هذا كلاماً يردّ على تطورات أعوام أو عقود من الزمن، وإنما على نزعات فلسفية ـ فكرية (كان لها ترجمات في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة) أفرزتها القرون الأربعة السابقة منذ (كوجيتو) ديكارت الذي جعل الفرد العارف (البادئ من لحظة الشك) هو مقياس المعرفة وليس (المطلق) المتعالي كما كان في العصور الوسطى والقديمة، وصولاً الى ريبية ديفيد هيوم، وانتهاء بتحطيم عمانوئيل كانط الفلسفي لمفهوم المطلق عبر جعله الذات العارفة هي المقياس للموضوع الذي هو "مجرد" خارج بالنسبة للذات العارفة ولا وجود له من دونها أو من دون نسبيته إليها.
لم يستطع هيجل، عبر (مُطلقه)، تجاوز (نسبوية) كانط، التي سادت عملياً كل الاتجاهات الفكرية الحديثة بالقرنين الماضيين، سواء على اليمين (الوضعية ـ الكانطية الجديدة التي تفرّعت عنها فلسفة الحياة (والتي نبعت منها النزعة الفلسفية لمُلهم النازية الفكري أوستن تشمبرلين) ظواهرية هورسل وتلميذه الوجودي هايدغر) أو عند اليسار (الماركسية بفرعيها الشيوعي والاشتراكي الديموقراطي)، سواء استبدلت تلك الاتجاهات (المطلق)، الذي كان في الأديان متعالياً، بـ(الفرد) أو (الأمة) أو (العرق) أو (الطبقة) أو (الحزب) أو (القائد) أو (السلعة)، والتي هي كلها، بالنسبة الى (المطلق) في موقع (النسبي)، وربما كان الاستبداد، إذا أردنا البحث عن تعريف فلسفي له، هو استبدال لـ(المطلق) بـ(النسبي)، وتحويلٌ للأخير الى مطلق جديد بدلاً من (المطلق)، حيث كان استبداد وحلول تلك النِسَب محلّ (المطلق) القديم، الذي أتت به الأديان، ملخّصاً لتاريخ العصور الحديثة، في المعرفة والسياسة والاقتصاد والاجتماع، ويشمل اليمين واليسار معاً.
قامت العصور الحديثة في الغرب الأوروبي، فكرياً وسياسياً واجتماعياً وثقافياً، على حساب كنيسة روما، وبالتضاد معها: هل يعني انتعاش القوة السياسية للكنيسة (وهذا يشمل البروتستانت أيضاً، وكذلك الأرثوذكسية في روسيا والبلقان) وما أطلقه البابا الجديد من كلمات تنذر بهجوم فلسفي مضاد على جوهر ما أفرزته الفلسفات الحديثة (يمينية كانت أم يسارية) ـ أن هناك بداية لانقلاب فلسفي ـ فكري على ذلك المسار الغربي، بعد أن تمّت هزيمة الإرث الفلسفي ـ الفكري المُتحصّل عند الفكر اليميني من منبعي (عصر الأنوار) و(الثورة الفرنسية)، وبعد أن حصل ذلك التداعي والضعف الفلسفي ـ الفكري عند اليسار العالمي في العقود الثلاثة الماضية؟....








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كلمة ايريك سيوتي عضو اليمين الفائز بمقعد البرلمان عن نيس|#عا


.. قراءة عسكرية.. محور نتساريم بين دعم عمليات الاحتلال و تحوله




.. تفعيل المادة 25 قد يعزل بايدن.. وترمب لا يفضل استخدامها ضد خ


.. حملة بايدن تتعرض لضغوطات بعد استقالة مذيعة لاعتمادها أسئلة م




.. البيت الأبيض: المستوطنات الإسرائيلية تقوض عملية السلام والاس