الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الطبيعة الإنسانية بين الفلسفة والأدب....... صورة الذات الشريرة

علي حسين يوسف
(Ali Huseein Yousif)

2014 / 3 / 19
الادب والفن


اختلفت الآراء منذ القدم في تحديد الطبيعة البشرية ,ولذالك تباينت الإجابات على السؤال الفلسفي :هل الإنسان في طبيعته الاصلية خير أم شرير ؟
فقد ذكر سقراط ان الشر جهل ,فليس هناك إنسان يقدم على فعل الشر الا اذا كان جاهلا, بمعنى ان الشر عند سقراط يمثل نوعا من الخطأ .وقد اكد تلميذه افلاطون هذا الرأي مضيفا ان الشر نوع من الطبع الكامن في عدد من الناس يكون نتيجة لتأثير الجسد على الروح .اما الأديان الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام فقد فسرت الشر في الطبيعية البشرية بقولها بوجود نزعة شريرة في الإنسان .ففي الإنسان يوجد جانبان , الخير والشر, وهما في صراع دائم سمي عند القديس بولس بـ(قانون الصراع بين الجسد والروح ).إلا ان هذه الفكرة قد عدلت قليلا عند الفلاسفة المسلمين الذين وجدوا بان الشر يمثل نقصا في الوجود, فقد خلق الله الطبيعة خيرة لا وجود للشر فيها ,وهي فكرة فيها من الجدة الشيء الكثير.
ويبدو ان فكرة وجود الشر أقدم من هذا بكثير فقد قسمت الأديان القديمة الآلهة الى آلهة خير والهة شر ,فاله الشر عند المصرين هو (سخمت )وعند الفرس هو (اهرمان )وعند الجرمان (لوكي)
وهذه الآلهة تفعل الشر وتخلقه بمحض إرادتها وعلى البشر ان يسترضيها
بالنذور والاضاحي للتخفيف من غضبها .(2)
وبالعودة الى فلاسفة اليونان فقد اقر ابيقور بوجود الشر انطلاقا من نزعته الأخلاقية , فالكون عند ابيقور لا تحكمه آلهة بدليل ان فكرة الإله تتناقض تماما مع وجود الشر وهذا وحده كاف لان ينتبه الإنسان الحكيم الى نفسه بان لا يشغل باله بهذه الأفكار وان ينشد الراحة والطمأنينة وحلاوة المشاعر في نطاق الطبيعة.(3)
ومن بين الآراء في طبيعة الشخصية الإنسانية – وهي كثيرة – توجد فئة من المتفائلين الذين يرون بان الإنسان خير بطبعه , لأنه مخلوق وفقا للحكمة الإلهية . وان الخير في الوجود غالب على الشر وان منافع الأشياء أكثرمن مضارها فمن غير المناسب ان يترك الخير الكثير لأجل الشر القليل .(4)
وقد أكد ابن سينا على ان كل كائن ينزع الى الكمال الذي يمثل الخير (5)
إلا ان هذا التفاؤل لا يصمد أمام التأمل العميق , فهل بإمكان الإنسان ان ينكر كل هذه الشرور فنحن لا نفتأ في كل الأحوال ان نتألم ونحزن ونمرض ونشقى ونواري أحبابنا التراب : ثم ان التأمل في الوجود نفسه يمثل ضربا من الدهشة الأليمة فنحن لا نتفلسف لولا ادركنا بوجود الشر .
وقد قال باسكال ان الإنسان هو الموجود الوحيد الذي يعرف انه شقي ,ان الفوضى والاضطراب والاختلاط وسوء النظام كلها أسباب تتعاور على استمرار الشر في هذا الوجود كما يرى ليبنتز (6).
والشر عند الأدباء يمثل إحساسا مرا ومعاناة تتجسد في تلك الصور التي لايمكن لغيرهم وضعها بمثل تلك الأشكال الفنية المعبرة ,يقول لابرويير ((لاينبغي ان نحتد على الناس حين نرى غلظتهم وكفراهم واجحافهم وصلفهم وحبهم لا نفسهم ونسيانهم للآخرين , فهكذا خلقوا وهذه طبيعتهم )) 7
ونجد الصورة ذاتها عند المتنبي الشاعر العربي الذي لم ير في الناس الى الصلف والغدر , يقول ابو الطيب :
أذم الى هذا الزمان اهيـــــله فأعلمهم فدم وأحزمهم وغد
وأكرمهم كلب وأبصرهم عم وأسهدهم فــــهد وأشجعهم قرد
وفي مكان آخر من الديوان نجد هذه الأبيات المعبرة عن أسى الشاعر ويأسه من الناس لرسوخ الشر في طبيعتهم يقول المتنبي :
ودهر ناسه ناس صغار وان كانت لهم جثث ضخام
أرانب غير أنهم ملوك مفتحة عيونهم وهم نيام
وشبه الشيء منجذب إليه وأشبهنا بدنيانا الطغام
ان البؤس والشقاء في هذه الحياة لايمكن ان يكون في جزء كبير منه الا حصيلة للممارسات الشريرة التي يقوم بها البعض يقول لابرويير((في الأرض صنوف بؤس تذهب باللب, بعض الناس يعوزهم القوت, يخشون الشتاء ويرهبون الحياة على حين يأكل بعضهم في مكان آخر بواكر الفاكهة ويكرهون الأرض والفصول ان تخرج لهم ما استطاب)) 8 ومع كل هذا الشقاء فان أولئك المحرومين أكثر إحساسا بمعاناة الإنسان من أولئك البعيدين طبقيا عنهم , يقول لابرويير ((انه لنوع من العار ان يكون المرء سعيدا بمرآي من بعض صنوف البؤس ))9 وهذا قريب من قول أبي العلاء المعري في لزومياته :
مـــــــل للمقام فكم أعاشر امـــــة أمرت بغير صلاحها أمراؤها
ظلموا الرعية واستجازوا كيدها فعدوا مصالحها وهم إجراؤها
وقد كان دأب أبي العلاء فضح أكاذيب البشر وتسليط الأضواء على شرورهم بمختلف طبقاتهم ,فقال في ذم المتسترين بالدين :
تــــــــستروا بأمور في ديانتهم وإنما دينهم دين الزناد يق
تكذب العقل في تصديق كاذبهم والعقل أولى بإكرام وتصديق
والطريف من أمر أبي العلاء انه يرى ان هذه الحياة نفاق كلها وما من احد الا هو يمارس هذه اللعبة واعيا بذلك ام غير واع , يقول المعري عن نفسه:
أهوى الحياة وحسبي من معايبها إني أعيش بتمويه وتدليس
فاكتم حديثك لايشعر به احد من رهط جبريل او من رهط ابليس
ولهذا فان ابا العلاء يرى ان الخير قليل في هذه الدنيا والغلبة للشر فيقول في هذا المعنى :
نعم ثم جزء من ألوف كثيرة من الخير والأجزاء بعد شرور
يقول الدكتور طه حسين معلقا ((لذلك كره ابو العلاء الوجود وآثر العدم وتمنى للوليد الا يولد وللحي ان يفنى )) (10)
وتجسيدا لهذه الرؤية يقول ابو العلاء ايضا :
فليت وليدا مات ساعة وضعه ولم يرتضع من أمه النفساء
وقد أوصى ان يكتب على قبره البيت التالي :
هذا جناه أبي على وما جنيت على احد ان الإحساس بعدائية الآخر متجذز في النفس البشرية بوصفه شعورا وقائيا وعملا احترازيا لحماية الذات من شرور الآخرين لكنه مع قيمته الاحترازية تلك يضل إحساسا مؤلما لذالك يضعنا طرفة بين العبد أمام هذه الصورة الباعثة على التساؤل فيقول :
فمالي أراني وابن عمي مالكا متى ادن منه ينأ عنـــي ويــــبعد
يلوم وما ادري علام يلو مني كما لامني في الحي قرط بن معبد
وأيأسني من كل خير طلبــــته كأنا وضعناه الى رمس ملحــــــد
اما قيس بن الخطيم فيعبر عن غربته بهذه الأبيات :
وما بعض الإقامة في ديار يكـــون بها الفتـــى الا عــناء
وبعـــض خلائق الأقوام داء كداء الكشح ليس له شفاء
يحب المرء ان يلقي مناه ويأبي الله الا ما يشــــــاء
ان الأبيات المتقدمة تصور ضربا من ضروب الشر وهو ما اطلق عليه ليبنتز بالشر الخلقي , يقول الدكتور زكريا ابراهيم ((اننا لانستطيع ان نوطن أنفسنا على قبول الشر او الرضا عنه او السكوت عليه , لأننا نشعر في قرارة نفوسنا بان السعادة حق مشروع لنا وان الشقاء ظلم لايصح لنا الرضوخ له ومن هنا فان الشر موجود طفيلي يقحم نفسه في صميم حياتنا لكي يفسد علينا تلقائيتنا الفطرية وانطلاقنا الطبيعي اللا شعوري ........))(11)
ومن النافع – أخيرا – ان نذكر رأي متصوفة المسلمين في الطبيعة الإنسانية وسنقتصر على رأي ابن عربي في كتابه الفتوحات المكية لما يتضمنه من انسجام مع الفكر الإسلامي عامة ومع ما ورد في القرآن الحديث . يرى ابن عربي ان الله قد خلق الإنسان كاملا لا فاسدا ولا شر فيه , فالكمال هو جوهره والفساد او الشر أمر طارئ عليه والإنسان مخلوق على صورة الله كما ورد في الحديث النبوي : ان الله خلق ادم على صورته.. اما سبب فساد الإنسان وزرع الشر في طبيعته يعود الى الملائكة الذين علموا انه خلق من طبائع متنافرة وانه قابل للافساد . ومن هنا نرى ان ابن عربي يمجد الإنسان بوصفه اشرف المخلوقات ولو لم يكن كذلك لما أعطاه الله الخلافة في الأرض في قوله تعالى ((إني جاعل في الأرض خليفة ))البقرة/30(12)
الهوامش:
1-ينظر , طريق الفيلسوف:404
2-ينظر, موسوعة الفلسفة:3/186
3-ينظر , م.ن:3/186.
4-ينظر,المعجم الفلسفي:1/549
5-ينظر,م.ن:1/550
6-ينظر, مشكلة الإنسان:88-91
7-ينظر,تراث الإنسانية:775.
8-ينظر:م.ن:776.
9-ينظر:م.ن:777.
10-تجديد ذكرى أبي العلاء:279
11-مشكلة الإنسان:99
12-ينظر,الفتوحات المكية:2/67
المصادر:
1-تجديد ذكرى أبي العلاء ,د.طه حسين , دار المعارف , مصر ,ط7 1968
2-تراث الإنسانية , وزارة الثقافة والإرشاد القومي المصرية , الشركة العربية للطباعة والنشر والتوزيع, مصر ,د.ت.
3-طريق الفيلسوف , تأليف جان فال , ترجمة د.احمد حمدي محمود مراجعة د.ابو العلا عفيفي, مؤسسة سجل العرب , القاهرة ,1967
4-الفتوحات المكية , ابن عربي ,دار صادر,بيروت ,د.ت
5ـمشكلة الإنسان ,زكريا إبراهيم ,مكتبة مصر ,د.ت
6ـ المعجم الفلسفي ,د جميل صليبا .دار الكتاب اللبناني ,بيروت لبنان ,ط,1973
7ـموسوعة الفلسفة ,عبد الرحمن البدوي ,المؤسسة العربية للدراسات والنشر ,بيروت ,ط,1984.
8_ دواوين الشعراء الواردة أشعارهم في الدراسة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الموزع الموسيقى أسامة الهندى: فخور بتعاونى مع الهضبة في 60 أ


.. الفنان محمد التاجى يتعرض لأزمة صحية ما القصة؟




.. موريتانيا.. جدل حول أنماط جديدة من الغناء والموسيقى في البلا


.. جدل في موريتانيا حول أنماط جديدة من الغناء والموسيقى في البل




.. أون سيت - لقاء مع أبطال فيلم -عالماشي- في العرض الخاص بالفيل