الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


نص في المكان : مقهى الميثاق : علامة .. / مقطع من رواية مخطوطة

سعدي عباس العبد

2014 / 3 / 22
الادب والفن


نص في المكان : مقهى الميثاق: علامة

___ مقطع من رواية مخطوطة :

..هتفت فجأة بسائق سيارة __ : نازل عندك راس الشارع . لما ترجلت طالعتني اوّل ماطالعتني اللافته السوداء ذاتها التي مرّت عليها عيوني قبل شهور ..مرت على ذات الاسم المصلوب على الحائط الذي يسبق عطفة الزقاق . كان الاسم احد لدّاتي في زمن الطفولة البعيد , كان يشبهني في الضمور والعوز , العوز المتغلغل في ابداننا , الحافر في ارواحنا عميقا .. ابداننا التي عصرتها اصابع الأنيميا .. الأنيميا التي بقيت لوقت عصيب ماسكة بجلودنا المجفّفة , ترتشف دمّنا الشحيح . لاادري كيف تخيّلت صديقي المصلوب على الجدار يخرج من اعماق اليافطة ..من وسط النسيج الاسود .. استغرق خروجه وقتا صادما مذهلا .. كما لو انه يتدفق من وسط ظلام ورماد بوجهه المثقوب بالرصاص , كان وجها معتما , بدا غائما وهو يشمر عن ذراعيه المدميّتين , المتوحدتين في فراغ قاتم .. يومىء عبرهما ناحية المارة وصوب محال تجارية , كانت قبل الآن بسنوات عديدة خلت مقهى _ مقهى الميثاق _ ... مقهى عبد النبي .. خيّل ليّ يومأ ناحيتها .. يومأ بكلتا يديه .. يلوّح عبر فضاء دام غير منظور . كما لو انه يرى اطيافا تلوح من غور ناء . تلوح من فضاء المقهى . الفضاء المطمور بركام من غبار النسيان .. خلته يلوّح ليّ , عبر تلك السنوات المتناثرة في ذاكرة المقهى , فأنشر من حوله رائحتي القديمة المتدفقة من مجرى تلك السنوات , ناكثا عن روحي انهاك الساعات الاخيرة في إجازتي الدورية .. فاخال صاحبي المصلوب على الجدار يدخل المقهى . قبل انّ يدخل لمحت ساقه الرمادية تخرج من سواد النسيج الاسود , عابقة برائحة اعشاب مدماة نفّاذة صادمة , جعلت تنتشر عنيفة وسط المارة , مفعمة بنكهة الدم والسخام والبراري .. غادر صاحبي النسيج الاسود الذي يكفّن اسمه الثلاثي ودخل المقهى كأي شبح او طيف , دخل كما الريح , للمقهى المؤثثة في ذاكرتي ,..لمحت رهطا من الاصدقاء القدامى , _ او هكذا كان يخيّل ليّ _ .. ترى اين همّ الآن ! ؟ شمّمت رائحة صاحبي الشبح تضوع من اسمه الثلاثي .. كانت رائحته المجفّفة الموغلة في البعيد , تأتي عبر السخام والبراري صادمة .. وكما لو انّ الزمن ارتدّ بغتة للوراء دون انّ يترك ادنى نأمة او اثرا ما !! لمحت عبد النبي صاحب مقهى الميثاق بوجهه المجدور المرصّع برقائق من التجاعيد المبكّرة المطبوعة على مساحة من وجهه الاليف . رأيته بكامل كرشه المتهدّل والمنفلته اسفله على الدوام من اعلى حواف الحزام الجلدي العريض الملفوف على وسطه , يقتفي اثره [ حجي قلو . شريكه في المقهى , ] ,بسحنته المقفرة ! وبرائحة التبغ التي تضوع دوما من بدنه .. فجعلت اطوف عبر مخيّلتي , عابر حواجز تلك السنوات . فتراءى ليّ عبر ضباب كثيف غشي ذاكرتي .. طيف محمد الخطاط او نوري الخطاط ..بزغ نجمه من سماء تلك السنوات .. تدفق من اغوار تلك المساءات الغاربة , يتطلع ناحيتي في ذلك المساء البعيد . كانت المقهى في ذلك المساء جاثمة على سفح من الرعب , غارقة في مجرى من اللغط المريب . تسيّج ركنها المطل او المشرف على الشارع العام سيارات فارهة تحيط بها الشبهات والظنون .. سيارات محشوة بوجوه تلتمع عبر الزجاج . زجاج نوافذ السيارات , وجوه تتطلع كما الكلاب المدجّنه على الافتراس والترصد والتعقيب . تراقب من هب ودب .. تترصد الداخلين والخارجين من المقهى ,تراقب حراك البشر في وفودهم المستمر . لعلهم يلمحون حميد الحلاق .. حميد الذي مزق يافطة حزب البعث ..امام الملأ . اليافطة التي كانت تتصدر واجهة المقهى .. والتي احالها إلى خرق واوصال على مرأى من رواد المقهى . احالها إلى قطع مفتّتت بكامل شعارات الحزب والثورة ..واختفى . فاحدث ذلك الفعل زلزالا ارتج له كامل اركان المقهى بكامل روادها وتخوتها . اختفى حميد بلمح البصر ..كما النيزك اضاء ظلام النفوس وتوارى في لحظة شديدة الغموض والالتباس ..
لمحت محمد الخطاط .. كان معنا في تلك المحنة ..محنة صديقنا حميد ..كان هناك يرتكن زاوية قصية منكمشا , كأن سنينا من الرعب مرّت في لحظة على انكماشه ذاك ..ملموما على اطراف رعبه وحزنه العتيد ... تساءلت أكان حميد يتنبأ بموته عند حافات البراري فآثر انّ يمزق يافطة الحزب .. تلك اليافطة التي سوف تتداخل في فوضى عارمة , تختلط في مجرى مهول من اليافطات .. يافطات شهداء الحرب المتميّزة بعلاماتها السود والتي ستغدو لاحقا إحدى العلامات الفارقة المشوّه التي تنفرد بها المدينة , فتداخلتا معا في التحام مدهش . التحام غريب يدعو للذهول والصدمة .. اتخذت وجهتي محترسا ناحية الركن الذي يقتعد عنده محمد . كان فضاء المقهى مشحونا .. ملغوما بالوجوه المريبة .. فشعرت كما لو اني اتلمّس ارضا ملغومة , كان الخطاط ساهما مطرقا , يتهيب النظر للوراء , مستغرقا في التفكير بالهولاء كلاب السلطة اللذين هبّوا كريح سموم تنشر غبارا لافحا , جفّفوا رطوبة ذلك المساء واحالوا المقهى إلى مجرى لاذع من القلق والخوف ,.. كان عبد النبي يتطلع إلى الوجوه البوليسية , الوجوه التي تحمل اعلى شفاهها شارات سود نافرة او ضبّات من شوارب مبرومة الاطراف, كان يتميز بها البعثيون . حتى غدت إحدى العلامات الشائعة التي تشير إلى هويتهم ..كانوا يبحلقون الى التخوت والفراغات والبشر بعيون تنضح كراهية . يتبادلون النظر فيما بينهم وهمّ يتنابزون باصوات خفيضة تشيع الوجل والاضطراب , ..
لا زالت ملامح ذلك المساء , تحضر ساطعة واضحة في ذاكرتي , تحضر بكامل تفاصيل ذلك المشهد المروع الذي كنت فيه اهم بالنهوض او مغادرة المقهى . وقبل انّ اخطو خطوتي الاوّلى خارج المدار الملغوم . خارج فضاء التوجسات والقلق , اومأ ليّ احدهم انّ ابقي حيث انا .. فوجدتني كأنني مشدود إلى رغبة قاهرة , في البقاء القسري .. كما لو اني معلّق على هاوية , فاسمع صوت بكاء حار , يتدفق من بدني , بكاء مليء بالصمت والسكون يتدفق من داخلي .. فيفتّت بقاياي .. فنكست رأسي .. كان عليَّ في تلك اللحظة النابضة بالخوف انّ اخفي اضطرابي في غياهب جبّ عميق من روحي وبدني , بدني الذي دخل طورا مذهلا من الرعب والقلق . القلق الذي انتقلت عدواه إلى الخطاط الذي بدا هو الآخر كأنه مشدود إلى قوّة خفيّة من الرعب تكرهه على المكوث حيث هو . كان هو الآخر قد تلقى إشارة في البقاء عند موضعه ..إشارة جائت سريعة ساخطة من تلك اليد الكلبية , يد رجل الامن .. وفي لحظة شديدة الغموض للغاية ودون اتفاق مسبق اطلقنا سيقاننا للريح والرعب والخيبات والشارع الطويل . اطلقنا سيقاننا للخوف الذي بقي ينتظرنا عند تخوت المقهى , انطلقنا نجري بكل ما اوتينا من خوف ولهفة في النجاة . بقينا نجري ونجري كما لو اننا نحلّق باقدامنا , نحلّق تحت سماء من الخوف , صوب ملاذات آمنة , عودنا في اتجاهين مختلفين ..انا في اتجاه الريح كأني اطير بجناحين من ذكريات .. كنت امخر عبابا من الرعب .. اشق ليّ جادة سالكة عبر جريان متصل , قميصي مفتوح الأزرار للريح والمدى . احرث الهواء بساقين من الفزع ..اجري بكامل ذكرياتي وصباي محمول على ساقين ضامرين , لا يشغلني شيء سوى الافلات من قبضة رجال الامن . اصعد خلال جريي المتوصل متاهة من الازقة ..شبكة مذهلة من الازقة الملتوية , شبكة من التعقيد والدوران .. مسالك وعرة من المراوغات والزوغان تقودني صوب نهايات مشرعة ...............
أعجبني · · مشاركة








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مونيا بن فغول: لماذا تراجعت الممثلة الجزائرية عن دفاعها عن ت


.. عاجل.. وفاة والدة الفنان كريم عبد العزيز وتشييع الجنازة غداً




.. سكرين شوت | إنتاج العربية| الذكاء الاصطناعي يهدد التراث المو


.. في عيد ميلاد عادل إمام الـ 84 فيلم -زهايمر- يعود إلى دور الس




.. مفاجآت في محاكمة ترمب بقضية شراء صمت الممثلة السابقة ستورمي