الحوار المتمدن - موبايل


موناليزا

خيري حمدان

2014 / 3 / 30
الادب والفن


موناليزا

قالت لي بأنّها لا تملك القرار وعليّ مساعدتها. حمّلتني مسؤولية عشقي وارتباطها غير المشروط بحياتي وتبعات رجولتي. أخبرتني بأنّها على استعداد لتنفيذ كافّة رغباتي على أن أتحمّل مسؤولية حبّها وجنونها إذا تخطّت الخطوط الحمراء، وأنا أعرف جيّدًا مدى حساسيتها واندفاعها وجموحها. عانقتني وتركت شفتاها رهن فمي، ثمّ رسمت على وجهها ابتسامة غامضة كأنّها الموناليزا. لم أخابرها في اليوم التالي وبعد يومين وحتّى نهاية الأسبوع. هاتفتني وطلبت لقائي على الفور، وكانت تعرف بأنّني مشغول في العمل ولا يمكنني التحرّر من القيود اليومية قبل الخامسة مساءً. تنهّدت ووافقت على تأجيل اللقاء حتّى الخامسة والنصف.

جلسنا في المقهى المألوف بالقرب من المتنّزه الشعبي، طلبنا القهوة سوداء راغية. وكالعادة، رشفت من فنجاني الجرعة الأولى، كي تبقي أثر روحها في جوفي. تحدّثنا طويلا ثمّ مضينا إلى المتنّزه. يدُها بيدي، رأسُها على صدري، كأنّه موطنُها الأخير، وعيناها تحدّق بي، وما تزال كلماتها تتردّد في مسامعي "أنت المسؤول".

كان بإمكاني نيل رحيقها، وهي ترغب بالانقضاض عليّ بأنوثتها المتفجّرة، على أن أتحمل تبعات تعلّقها وهيامها وحبّها. ماذا يعني هذا يا موناليزا! تمكّنتْ هي من خطف وعدًا بذلك، أقسمت لها بأن أتحمّل كافّة التبعات المترتبة على قصّة الحبّ الغريبة هذه، وكنّا ما نزال عند حدود القبلة، أنا الذي لا أرحم النساء. أصابني تردّد غير مسبوق، منعتُها من المضيّ أبعد من حدود القبلة، بالرغم من الحماية التي يوفّرها المساء وإمكانية المضيّ حتّى النهاية.

قابلتها قبل أن أسافر في رحلة تستغرق قرابة الشهر خارج البلاد، صمتت وكانت حزينة على غير عادتها. بعد لحظات، أمسكتْ يدي وقبّلت أطرافَ أصابعي وهمست "خذني معك!". قرأت تلك الابتسامة الغامضة مجدّدًا، وأجبتُ دون النظر في عينيها، "ليكن في المرّة القادمة". كانت هي آخرَ من تحدّثتُ معه في صالة الانتظار قبل أن أصعد إلى الطائرة. قالت لي عبر الخلايا الإلكترونية الناقلة للصوت، "أحضرْ فورًا إذا دعوتني لمرافقتك". لكنّي رفضت ذلك ووعدتها بأن ترافقني خلال سفراتي التالية.

قال لي أحدُ الأصدقاء بأنّ على جبيني مكتوبٌ "زيرُ نساء". غضبت من توصيفه وصراحته، ثمّ تسلّل الحزن لخلايا روحي، لو كنتُ كذلك لطلبت منها مرافقتي. نظرت إلى داخلي لمعرفة ردود فعل زير النساء الكامن في أعماقي، قال لي بأنّه غاضب من الوعد الذي قدّمته، أضاف بأنّه لا يوجد رجل في هذه الدنيا قادر على حماية أنثى من رجولته. "لماذا فعلتها؟". أنهت ذاتي الداخلية الذكورية هذا السؤال قبل أن تغلق المنافذ المؤدّية إليّ، ليصبح الحوار الداخلي مستحيلا.

عدتُ بعد ثلاثة أشهر، كان عليّ إنهاء الكثير من المعاملات والأشغال خارج البلاد، لاحظتُ بالطبع تغيّبها عن كافّة وسائل التواصل الإلكتروني. غير متواجدة معظم الوقت في شبكة الفيسبوك والتويتر وبرامج المحادثة للجيميل والهوتميل وغيرها. اختفت هذه المرأة بالكامل، أدركت بأنّ أمرًا ما قد حدث وليس في صالحي بالطبع. بعثت لها برسالة قصيرة وردّت باقتضاب شديد، "دائمًا تردّ على رسائلي إلا ما ندر." طلبتُ لقاءَها، لم ترفض لكنّها أجّلت اللقاء لأسبوع متحجّجة بالمرض. اتصلتُ بها مع مطلع الأسبوع التالي، لم ترد على مكالمتي، بعثت لي برسالة قصيرة خاصّة في موقعي في الفيسبوك. حدّدت موعد اللقاء في الساعة الرابعة بعد الظهر بالقرب من مكان عملها.

كانت على علاقة مع رجل آخر، قرأت آثاره في عينيها، وكانت باردة، منغلقة على نفسها، شاردة ومتردّدة. تحدثنا في بعض القضايا العابرة، لكنّي قطعت اللقاء متعذّرًا بأشغالي الكثيرة. لم تردْ بكلمة واحدة، طبعت على خدّي قبلة ومضى كلّ في سبيله. هذه المرأة، لم تطلب منّي يومًا ما الزواج أو مالا أو مساعدة مادّية، طلبت منّي فقط تحمّل عبء حبّها ورفضتُ هذا العرضْ!

بعد سنوات وكانت قد تزوجت، قابلتها صدفة في المتنزّه العام تجرّ عربة أطفال وإلى جانبها ابنتها الصغيرة. ابتسمت وأشارت قائلة "ابنتي مونا". قبّلت مونا، حملتُها بين ذراعي، بعد قليل ظهر رجل وسيم، قدّمتني قائلة لزوجها "صديق قديم"، صافحته بحرارة. هي الحياة تسير قدمًا بالرغم من تقلّبات القلب، شربنا القهوة ومضى كلّ في سبيله.

في عطلة الأسبوع التالي، ذهبت لحديقة أخرى، بعيدة عن مركز المدينة، لأتجنّب لقاءها، لكنّ العائلة نفسها كانت هناك. ضحكت مونا حين رأتني، حملتها واشتريت لها شوكولا وبوظة، اعترضت هي بدورها قائلة بأنّني أدلّلها كثيرًا وهذا مضرّ بالصغيرة مونا. كان زوجها قد ابتعد لإحضار القهوة وبعض الساندويتشات، "لو شاءت الأقدار لكانت مونا ابنتي"، قلت لها بعد تردّد، وسرعان ما أجابت بأنّ الأقدار لم تشأ ذلك، قالت لي موجّهة إصبع الاتهام "لقد رفضت تحمّل المسؤولية".

انقطعت عن المضيّ للحدائق العامة بعد ذلك، وقررت أن أتزوج من إحدى النساء اللواتي يدرن في فلكي في الآونة الأخيرة. حملت زوجتي بعد بضعة أشهر، كنّا نعرف بأنّ الجنين أنثى، لا بأس، البنات حنونات وطيّعات وقادرات على خلق جوّ من الألفة والمحبّة في المنزل. تفاجأت حين علمت بأنّ زوجتي أصيبت بمضاعفات خطرة، حاول الطاقم الطبّي إنقاذ حياتها ووقف نزيف الدم، لكنّها وفي نهاية المطاف توفّيت، بعد أن أنقذوا الجنين. ولدت الصغيرة يتيمة. لم أتردّد كثيرًا حين رأيت تلك الابتسامة الغامضة مرتسمة على وجه طفلتي وأسميتها ليزا. بالرغم من المأساة التي ألمّت بي، كان لا بدّ من الحياة أن تستمرّ بحلوها ومرّها. لم أحرم صغيرتي الشمس والهواء الطلق، وحين التقيتها ثانية في المتنزّه العام، فرحت لرؤية صغيرتي، أخبرتها بأنّها فقدت أمّها خلال ولادتها. اقتربن مونا من ابنتي وسألتني ببراءة ما اسمها، اسمها "ليزا". اقتربت مونا من ليزا وقبّلت وجنتها بحنان. ما أجمل هاتين الصغيرتين، كانتا أجمل لوحة موناليزا في الأنحاء.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ماذا يعني التنازل عن الملكية الفكرية للقاحات كورونا؟


.. شاهد: مظاهرات بالشموع والموسيقى احتجاجا على الأوضاع الاقتصاد


.. سر العلقة الساخنة من تحية كاريوكا للفنانة رجاء الجداوى مع ال




.. الرجل الأول في فيلم الرجل الثاني.. لواء الشرطة الذي أغرته ال


.. هاجر ومحمود اتحدوا النار والحروق بالحب.. حكايتهم أقوى من أفل