الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الصرخة

بدر الدين شنن

2014 / 4 / 23
الادب والفن


إنها المرة العاشرة ، التي يتمدد فيها أنور على طاولة العمليات ، ليفتح مبضع الجراح جرحاً آخر في جسده . لكنها المرة الأولى ، التي لم يتشبث فيها بأمل الشفاء .. وتجديد الحياة . فقد أصبح الأمر عنده سواء ، إن تماثل للشفاء ، أو كانت هذه هي الأخيرة . إذ ما قيمة الحياة ، بعد أن فتكت العلل المضنية بجسده ، وفقد الأمل بالعودة إلى الأحبة ..
وهذا الشعور أثار لديه أمراً لم يخطر له بهذه الجدية من قبل .. إنه سؤال القبر ، الذي سود بؤسه أكثر وهو يلامس النهاية .. أين سيكون هذا القبر .. في غربة الشقاء .. أم هناك في تربة الدماء .

وحين كانت الممرضات ينزعن عنه الرداء الأزرق ، ويقمن بإعداده للعملية .. وقبل أن يحقن بالمخدر .. كانت صور من حياته تبرق في ذاكرته ، وفي حجرات الرؤى في عينيه .. متلاحقة .. متسارعة .. تتضمن رغبات .. وأمنيات .. تغالب اكتئابه .. تكرر ما كان عزيزاً عنده في فصول حياته الماضية .. وتدعوه .. ألاّ يسلم نفسه .. وحقه في الحياة .. مع تسليم جسده .
لكن كل ذلك ، لم يغير في حاله شيئاً ، إلاّ عندما وجد عيونهم الحبيبة تنظر إليه .. مضطربة .. متوسلة .. معاتبة .. وكأنها تقول له .. لاترحل .. مازال هناك في العمر بقية .. هي الأجمل والأفضل .. وعندما تذكر ماقالوا له في لحظات كان صوت الرصاص يشوش على كلماتهم .. نحن ننتظرك ..
نحن وإن كنا نعيش تحت القنابل المتفجرة في محيطنا .. ووسط رشات الرصاص المجنونة من حولنا .. كل هذا لايهم .. نحن نعيش ونحلم .. وننتظر أن تأتي إلينا ..

ومع توسل العيون ترتسم على الشفاه ابتسامات الرجاء .. كأنها تقول ..
نحن وإن صرنا .. بعد أن دمرت بيوتنا في مأوى .. فإننا حين تأتي .. سنؤويك في صدورنا وقلوبنا .. ونتقاسم الأغطية .. ونتلاصق بك لندفئك . ونصب الشاي في وعاء كبير .. ونفت الخبز فيه .. ونشكل حلقة حوله .. ونأكل معاً .. ونضحك .. ونحلم بحياة جديدة .

* * *

قالت ممرضة لزميلتها :
- أنظري .. إنه دون مخدر جامد لايبدي حركة .. حتى عينينه جامدة .
قالت ممرضة أخرى :
- إنه يستسلم لما سيحصل معه .. أنظري آثار العمليات في جسده .. إن وراء كل أثر معاناة في حياته .

قال الطبيب للطاقم المشارك معه :
- دقائق ونبدأ .

ابتسم أنور ، وقال في نفسه .. لقد مددوا عمري دقائق أخرى .

وحدثت في في مخيلته حركة ، أعادته ثلاثين عاماً إلى وراء ..
أدخلوه معصوب العينين .. مقيد اليدين .. إلى مكان ما ، ثم طرحوه أرضاً . ومددوه على جهاز ، شبه الطاولة ، وأجروا له أولى وآلم وأخطر العمليات في حياته . وكانت مباضعهم .. عصي الخيزران وكابلات حديدية . كرروا العملية أكثر من مرة . وكل مرة كان يصحو خلف باب حديدي في مكان كالقبر . ومن ذاك الوقت ، دب التشوه والوهن والعلل في كيانه كله ، وبدأت نذر الموت تلاحقه وتدق نوافذ عمره أينما كان .

اقترب الطبيب منه .. شرح له ببضع كلمات .. ما لم يفهمه حول العملية .
أعطته ممرضة شيئاً في سلك السائل المعلق بجانبه . ثم جاءت أخرى ، وطرحت عليه أسئلة صغيرة ، لتطمئن على سريان المخدر بنجاح .

قبل أن يتلاشى وعيه بلحظات ، وجد نفسه في الثالثة من عمره ، يمسك رجل بيده ، ويقول له تعال ودع والدك . أدخله الرجل إلى الدار . كان والده شبه عار ممدداً .. مبللاً .. على طاولة كبيرة ، وإحدى يديه متدلية . قال الرجل قبلها . قبل أنور يد والده . وعاد إلى الزقاق ليلعب مع أقرانه . وتألم كثيراً لأن لا أحد من أبنائه هو الآن إلى جانبه يقبل يده مودعاً ، قبل أن تسدل عليه ستارة النهاية .

حين فتح عينيه ، وجد نفسه في مكان آخر ، في غرفة يسودها سكون مطبق . وعلى صدره أسلاك رفيعة ملونة . وإلى وريد إحدى ذراعيه ينساب سائل من كيس معلق بقربه . لكنه لم يستطع متابعة التمعن في الأشياء حوله . وأغمض عينيه . وانتابه وهن شديد ، سيطر عليه كلية . وكاد أن يغمى عليه .
وهو مغمض العينين ، سمعهم يتحدثون عنه . قال أحدهم :
- أعطوه ... راقبوه بدقة .. لاتتركوه لوحده .
حركوا شيئاً بين فخذيه .. عرف بعد ذلك أنه كالعادة قسطرة للتبول .

* * *

كان يغيب كثيراً عن الوعي .. ويصحو قليلاً .
ولما بدأ تفكيره يتحرك ، تساءل .. كيف لم يرحل . من الذي احتفظ به .. وبحياته .. الطبيب .. أم تلك العيون .. أم بقايا رجاء أهملها ، حزناً ، على خراب مدينته الشهباء العظيمة ، طمعاً وظلماً .. واندثار الحي العتيق العريق ، الذي ولد فيه وأمضى طفولته بين جدرانه وساحاته .. وعلى فقدان كثير من الأعزاء .
وأحس بغصة أليمة في صدره .. وبللت دموع سخية وجهه .. وغاب عن الوعي .

بعد وقت ما ، تسلل الضوء عبر جفونه الرقيقة المغمضة ، وتحركت الرغبة بداخله ليصحو .

كان حول سريره عدد من الأشخاص يرتدون اللباس الأبيض .. يحدقون فيه .. كأنهم يتفحصون شيئاً يتعلق بأعراض منتشرة عليه .. ويتبادلون النظرات والهمسات .

أراد أن يقول شيئاً .. أن يستفسر .. لم يستطع . انفعل .. تسارع تنفسه ..
وبينما كانت إحداهن تحقنه بجرعة دواء ، عاد هو إلى إغماض عينيه ..
واستسلم لتداعيات تدفقت عليه . وفكر لماذا حصل في حياته كل السوء الذي حصل .

لقد تصالح مع نفسه حول خيارات مريرة ..
وتصالح من جهته ، مع من خذلوه .. ليتجاوزا رؤاه الصائبة .
وتصالح مع واقعه .. إنه لم يعد له طموح خاص بشيء .

وحين فاجأته وجوه من دمروا وباعوا المقدس .. واستباحوا دم الأبرياء .. تسأله التصالح معه .. توتر .. ارتجف .. وقال لهم بصوت مسموع عالي النبرة :

- لا .. لا .. إلاّ أنتم .. إلاّ أنتم .. إلاّ أنتم ..

وأحس بألم كل الجراح ، التي تعرض لها ثمناً لتمسكه بقيم ومباديء ، مضاعفاً .. وصرخ بصوت عال .. غاضب .. وصمت . وصفر جهاز إلى جانبه .

جاؤوا إليه راكضين . وتوزعوا العمل ، لمعرفة أسباب هذه الصرخة الرهيبة وغيبوبته .

قال أحدهم :
- إنه مات .
قال ثان :
- لا لم يمت .
سألت ممرضة وهي تمسح دمعات على خديها :
- يعني سيعيش ؟ .
عاد الأول وقال :
- " الأستاذ " الدكتور وصل .. وسنعرف ..








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بطريقة سينمائية.. 20 لصاً يقتحمون متجر مجوهرات وينهبونه في د


.. حبيها حتى لو كانت عدوتك .. أغلى نصيحة من الفنان محمود مرسى ل




.. جوائز -المصري اليوم- في دورتها الأولى.. جائزة أكمل قرطام لأف


.. بايدن طلب الغناء.. قادة مجموعة السبع يحتفلون بعيد ميلاد المس




.. أحمد فهمي عن عصابة الماكس : بحب نوعية الأفلام دي وزمايلي جام