الحوار المتمدن - موبايل


وصدقت نبوءة العقاد

عماد فواز

2014 / 4 / 26
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان


بعض الناس قد أساءوا فهم الديمقراطية، وظنوا أنها حرية الصغير في تجريح الكبير، وان المساواة القانونية تلغي الفوارق الطبيعية، وان الثورة على الحكام المستبدين معناها الثورة على كل ذي مكانة من العظماء، فكثر التطاول على كل عظمة إنسانية، وانهار كل مبدأ وكل صاحب مبدأ، وشاع بين الجميع عادة إلصاق اتهامات العمالة والخيانة إلى كل صاحب فكرة ورأي ومبدأ يدافع عنه، فبدت الساحة السياسية والأدبية والفنية في مصر وكأنها مأوي للصغار، واختفى العظماء وأصحاب العقول الرشيدة من المشهد تماما، كما تنبأ الأستاذ العقاد بأكثر من نصف قرن!.

وفي هذا الصدد يقول الكتاب جمال بدوي، أن الأديب العظيم الراحل عباس العقاد كان من المؤمنين بالعظمة والمبشرين بالعبقرية التي ترقى بأصحابها وترتفع بهم في صفوف العامة إلى مراتب العلية النادرين، ثم اقتربت من العقاد في كتبه، وعايشت إبطاله المرموقين فوجدته "محاميا" بليغا يصول في محكمة التاريخ بصوته الجهوري، وحججه القوية، وعباراته اللاذعة، مدافعا عن أبطال الإنسانية وقادتها وعظمائها، كاشفا عن جوانب العظمة والسمو في شخصياتهم، ماسحا ما علق بهم من افتراءات الجهلة وتجنيات الحاقدين، رغم ثقته بأن أبطاله ليسوا في حاجه إلى دفاع، فيكفيهم مجدا أنهم أدوا رسالتهم، وقالوا كلمتهم واحتلوا مكانا عليا في مراتب الخلود.. إنما كان العقاد يهمه أن تعرف الإنسانية أن قيمتها لن تتحقق ما لم تعرف لعظمائها السالفين واللاحقين حقهم من الاحترام والتقدير.

وكان اشد ما يؤلم العقاد أن تتفشى تلك الجراثيم الخلقية عند الناشئة، فتجنح بهم إلى الغض عن قيمة البطولة والاستخفاف بالعبقرية الفردية، التي هي قيمة مغروسة فى النفس قبل أن تبرزها الأعمال والتجارب، وكان من اخطر هذه النزعة المريضة أن اصبح التطاول على العظماء موضة تقدمية يتباهي بها الجهلاء والحاقدون.

وإذا سألت العقاد عن سر تمجيده للبطولة والأبطال فسوف تجد عنده الجواب الأوفى: إن إيتاء العظمة حقها، لازم في كل آونة وبين كل أمة، ولكنه في زماننا هذا ألزم منه في أزمنة سالفة، وعالمنا المعاصر أحوج ما يكون إلى المصلحين النافعين لشعوبهم وللإنسانية كافة، ولكن كيف يتاح لمصلح أن يهدي قومه وهو مغموط الحق، معرض للجحود والنكران؟!.. وهل تستطيع الإنسانية أن فرز أبطالا جددا ما لم توف أبطالها السالفين حقهم من التوقير؟!.

لقد هال العقاد كما هال كل غيور، أن يرى الناس قد اجترءوا على العظمة رغم حاجتهم إلى هدايتها، وأفزعه أن يرى الجهلاء والدهماء والغوغاء يغضون من قيمة الأبطال، وينالون من مكانتهم، ويتجنون على أقدارهم، وتلحق بهم المثالب والنقائص.. وهذا التجني له عند العقاد مسببات كثيرة، أهمها ذيوع الحقوق العامة وشيوع نزعة المساواة، مما أغرى صغار النفوس بإنكار الحقوق الخاصة للعظماء الذين يصنفهم التمييز وتظلمهم المساواة.

وقد تنبأ العقاد بتلاشي دور العظماء من المجتمع مع مرور الوقت واستمرار ظاهرة الحط من الموهبة واتهام الفكرة ومحاكمة وجهات النظر، فتنعزل العقول المستنيرة ويسيطر على المشهد العام في مصر صغائر الناس ومعدومي الموهبة والرؤية، ويصبح صاحب الصوت العالي والفكر المسمم في صدارة المشهد، بل وسيصبح هؤلاء أمام صمت المتجمع وعدم إدراك الكارثة قضاة وجلادين يلاحقون كل من يبتكر بالاتهامات والبذاءات.. وقد صدقت نبوءة العقاد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. معادلة جديدة في النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني.. ما هي؟


.. الجيش الإسرائيلي يكثف غاراته على غزة


.. مقتل 11 فلسطينيا في غارات جديدة على غزة




.. ميشال أبو نجم: لا أعتقد أن هناك فروقا بين تصرحيات المندوب و


.. الشهوات | #بذور_الخير الحلقة الثلاثون