الحوار المتمدن - موبايل


موجز تطور المعرفة العلمية

محمد دوير

2014 / 4 / 29
العولمة وتطورات العالم المعاصر


يمكن لنا – بنظرة إجمالية – أن ننظر للمعرفة العلمية بوصفها عملية نمو وتطور وتقدم مطرد ومستمر باتجاه عقل كوني وفعالية بشرية استقر إيمانها الشديد بدور العلم وريادته للحضارة الإنسانية .
وقد مرت المعرفة العلمية بعدة مراحل رئيسية شكلت كل مرحلة منها نقطة تحول عظمي في تاريخ العلم ، حيث ساهمت الحضارات القديمة الفرعونية والفينيقية والآشورية وغيرها بدور هام في تأسيس نشاطات معرفية وفي خلق تصورات علمية متعاظمة ولاسيما في الهندسة والحساب والكيمياء والفلك ، وهي نشاطات علمية اتسمت في معظم الأحيان بالطابع العملي التطبيقي . بيد أنها لم تسعي إلي تكوين رؤية علمية مجتمعية أي تحويل المعرفة العلمية المتقدمة آنذاك إلي طابع اجتماعي من خلال مؤسسات العلم والتعليم والتربية . الأمر الذي صبغها بالطابع الفردي .
ومع انتقال مركز الثقل العلمي إلي الحضارة الإغريقية في القرن الأول قبل الميلاد تحولت المعرفة العلمية في اتجاه جديد ومختلف عن الطابع العملي للمعرفة القديمة ، فقدمت الفلسفات الطبيعية اليونانية أفكارا علمية هامة اسهمت بفاعلية في تطوير المعرفة العلمية طوال مراحل تطورها التاريخي ،فكانت النظرية الذرية عند ديمقريطس هي الأساس الفلسفي لتطورات علمية في مجال الذرة في القرن العشرين بعد ذلك ، إذ درات فلسفات ليبنتز ورسل وفتجنشتين عن الذرة تحت تأثير مذهب ديمقريطس الذري ، وجاءت إبداعات علماء القرن العشرين رذرفورد وبوهر انطلاقا من التصورات الذرية عنده سواء اتفقت معها أو خالفتها إلا إنها مثلت جذرا معرفياً في نسق الفكر العلمي المعاصر . كما ساهم الفكر اليوناني بأفكار أخري هامة في تطور المعرفة العلمية كحفظ الطاقة وفكرة التطور وسمة الصيرورة التي تميزت بها المعرفة العلمية .
ثم جاء الفكر العلمي العربي الإسلامي كجزء هام وحلقة رئيسية من حلقات التطور في المعرفة العلمية عبر عمليات التراكم والنمو ، ليخلق نسقاً علمياً متكاملاً إلي حد ما ، وجمع بين دفتيه الجانبين العملي والنظري ، وما اتسمت به الحضارتين العلميتين السابقتين – الحضارة القديمة والحضارة الإغريقية – فعرف العلم العربي التجربة والملاحظة ، واستخدم مناهج علمية ضرورية لبحث العلمي وتنوع إنتاجه المعرفي في شتي المجالات . إن ما يهمنا في تأمل تلك المرحلة من تاريخ العلم هو قدرتها علي صياغة تصورات علمية ناضجة ومكتملة أمدت العلم بما عجزت عنه الحضارة الإغريقية من الوصف التجريبي والدراسة المباشرة للظواهر الطبيعية . وقد سمحت ظروف تاريخية بعد ذلك من انتقال تلك السمات العلمية إلي العالم الأوربي ليؤسس نهضته العلمية الكبرى ، وتلك هي الإشكالية الكبرى في تاريخ العلم ، حيث لم يدرك الكثير من مؤرخي العلم وفلاسفته لفكرة التواصل المعرفي بين الحضارات البشرية .
أما أخر مراحل التطور المعرفي ، وهي المرحلة الأوربية ، فيمكن القول إنها جاءت عبر سلسلة طويلة من المعاناة خاضتها البشرية بحثاً ودرساً وتنقيباً ، وساعدتها علي ذلك عوامل خارجية هامة لعبت دوراً حاسما في إحداث نقلة نوعية في نمط الحياة الغربي كحركات التنوير والنهضة والكشوف الجغرافية والإصلاح الديني وتجارة العبيد . إنها إذن المرحلة التي امتدت من 1600 حتى الآن . فعلي مدار أربعة قرون ، شهدت درجة من التكثيف والتركيز الإطار المعرفي والعلمي لها , حيث يمكن لنا من دراستها التفصيلية أن نتكشف الطبيعة الترابطية بين المذاهب والمناهج والنظريات . فقد استفاد جاليليو من قراءات ومشاهدات تيكوبراهي وقوانين كبلر , وأسس نيوتن فيزيائه مرتكزا علي نتائج جاليليو , وتوسع اينشتين في تطبيقات نيوتن لقوانين الحركة ...الخ وكان المنهج الاستقرائي دعامة بيكون الأساسية في فلسفته والمنهج الرياضي الاستنباطي هو وسيلة ديكارت لفهم وإعادة تفسير النفس والعالم الخارجي , ثم كان المنهج الفرضي الاستنباطي هو الخطوة البارعة التي ساعدت اينشتين علي إبداع نظريته الكونية .
لقد شهدت المعرفة في القرون الأربعة الأخيرة تقدما كميا ونوعيا هائلا ، واتسعت معارف البشر بصورة غير مسبوقة وتنامي إدراكهم لسنن الحياة وتزايدت باستمرار فرص سيطرتهم علي الطبيعة ومعرفة قوانين حركتها وقواعد فعلها وطرائق تطورها ومن ثم تسني للإنسان أن يطور بصورة متتالية وسائل عيشه .
فماذا عن قراءة وتحليل حركة ومسيرة العلم؟ وماذا عن التصورات الفلسفية لتلك المسيرة ؟ وما هي سمات وخصائص تلك المعرفة ؟ وهنا نحاول تحليل ما أقدمت عليه فلسفة العلم سواء في جانبها الكلاسيكي أو في بعدها الابستمولوجي .
1) فبداية ارتبطت المعرفة التقليدية بالمذهب الفلسفي فشكلت قوامة وتقدمت لبحث امكان المعرفة وحدودها وطبيعتها، وكان كل مذهب فلسفي يحاول أن يقدم رؤيته المتكاملة في هذه الموضوعات، ومن ثم جاءت نظرتها للمفاهيم العلمية نظرة ثابتة متجمدة عند حدود نظرية المعرفة التي صاغها الفيلسوف اتساقا مع فلسفته، الأمر الذي يسمح بمزيد من الانتقادات لتلك التصورات كلما تقدم العلم خطوة إلي الأمام واكتشاف تناقضات تلك الرؤى التي كانت ماثلة في كتابات الفلاسفة.والتي تأسست بالأساس علي المعارف العلمية المعاصره للفيلسوف.
2) أن المعرفة العلمية لم تسلم بحال من الأحوال من التوجهات العقائدية ، بمعني ارتباط التطورات العلمية في أحيان كثيرة بمتطلبات عملية ودوافع سياسية واقتصادية . فحركة الكشوف العلمية ما كانت لتحدث في أوائل القرن السادس عشر لولا رغبات الملوك في تعظيم ثروات الأمم من مناجم وحقول العالم الجديد ، أو دوافعهم لاكتساب أراضي جديدة تفتح لهم آفاق أرحب في إعمار الأرض واستثمارها . إن الحاجات والضروريات الاجتماعية لعبت دوراً محورياً في تقدم العلم ونمو المعرفة العلمية أكثر من الجامعات ومعامل البحث العلمي . سواء كانت هذه السمة واضحة وكاشفة لنا عن مضمونها أو لا ، إلا انه من الثابت ان العلاقة بين العوامل السياسية والاقتصادية وبين النواحي الفكرية والثقافية داخل المجتمعات قضية مؤكدة.
3) اتسمت المعرفة العلمية- في القرون الأربعة الأخيرة – بسمة عقائدية واضحة ، بمعني ان عقائدية العلم ظلت هي السمة الثابتة والملمح الواضح الذي ميزها عن مراحل العلم السابقة عليها . وما أقصده من وضوح تلك السمة هو سيطرة النزعة العلمية البحتة والتوغل المتعاظم لدور العلم بصورة طغت في الكثير من الأحيان والحالات علي منظومة القيم الإنسانية الأخرى . إنها مرحلة مرت بتطورين رئيسيين:-
الأول : متعلق بالعمليات المعرفية لإنشاء عناصر القوة ، ولخصتها مقولة بيكون " المعرفة قوة " وجاءت كتصور بياني لتكوين قواعد معرفية للظواهر الطبيعية ، تكون قادرة علي الانطلاق إلي التطور الثاني .
الثاني : مرتبط بتصريف شئون القوة ، وقد أتضح لنا ذلك فيتنامي لا يتوقف لحظة في تدعيم اللاعقلانية الاجتماعية ن والتزود المستمر بالسلاح وإنتاج قوي عسكرية ضخمة ، ومزيد من الكوراث البيئية والفقر والجوع والمرض ولا سيما في دول العالم النامي
4) تنوع الموقف من المعرفة العلمية واختلفت طرائق فهمها وتناولها باعتبارها محيطا شاملا من القنوات البديلة والأطر الفكرية والتصورات المعرفية تتجزأ وتنقسم وتتشعب إلي قضايا وموضوعات . وتقوم العملية التاريخية باختيار وتبني الأفضل والأكثر قدرة علي الصمود أمام التحديات أو الأزمات العلمية ومظاهر الشذوذ. وقد اختلف طرق الفهم فقد ذهب هيوم إلي أن المعرفة العلمية تعتمد علي عادات سيكولوجية تهدينا إلي المعرفة من خلال توقعاتنا عن الأشياء وفقا لمبدأ العلية وفكرة السببية ، ويري ديكارت أنها تتوقف علي المعارف الواضحة في الذهب وضوحا ذاتيا ، وهي عند بوبر معرف فرضية أو حدسية يتوقف نموها وتطورها علي قدرتنا علي التعلم من أخطائنا . وبينما يراها البعض نمطا امبيريقيا في أساسه تاريخيته ، ينظر البعض الأخر إليها في تجلياتها التجريدية والتعميمية .
5) صار من المؤكد أن المعرفة التجريبية المستندة علي المعطي الحسي والتجربة المباشرة والملاحظة الجيدة لا يمكن لها أن تزودنا بمعرفية حقيقية عن العالم الخارجي . وكذلك لا تستطيع المعرفة العقلية بمفردها أن تحقق ما هو مطلوب لاكتساب معرفة علمية لفهم الواقع الذي نعيشه ، ولكن لابد من تآزر كلا المذهبين ووضعهما في إطار عام من الصيغة الرياضية المحكمة لكي نتمكن من صياغة النظرية العلمية . لعبت الرياضيات دور هاما وكبيرا في تطوير العلوم وذلك نظرا لقدرتها علي التجريد والتعبير عن القضايا المركبة والمعقدة والتواصل مع الأفكار إلي ابعد مدي ، ونموذج ذلك هو قدرة نيوتن علي اختراع علم رياضي جديد وهو التفاضل والتكامل . هذا بالإضافة إلي اعتماد نهج الفرض الاستنباطي التي يعتمد علي تقديم فرض علمي ما ثم تجربته . ويتميز هذا المنهج بقدرته علي تطوير المعرفة العلمية بصورة مطردة أكثر من المناهج العلمية الاخري واستبعاد الأخطاء المنطقية باستمرار ، ونزوعه إلي إعادة إنتاج المعرفة من جديد ، وطرح تصورات تقدمية عن العلم دائما ، والتعاون مع كافة العلوم وأكثرها تطوراً . وقد تأسس هذا المنهج علي يد بوبر. والجدير بالذكر أنه قد اتجه في سنواته الأخيرة إلي دراسة تطبيقيه لمنهجه علي البيولوجيا بدلا من الفيزياء ، لأنها حققت في الربع قرن الأخير من القرن العشرين تقدما علميا هائلا. واينشتين لم يقم بتجربة معملية واحدة في حياته
6) لعبت المعرفة العلمية دورا رائدا في التطور الاجتماعي والثقافي ، وذلك في قدرتها علي تغيير نمط الحياة الإنسانية إلي الأفضل دائما فالإنجاز العلمي يصبغ المجتمع الثقافي والفكري في أي مجتمع ويؤثر بصورة كبيرة في أفكار البشر . فقد حولت إنجازات جاليليو ونيوتن العلمية من وجه الحياة الأوربية في القرن السابع عشر ، هذا بالإضافة إلي البعد التكنولوجي الذي يعكس القدرات التطورية للعلم لدي المجتمع والمؤسسات الثقافية . فالعلم القائم في أي مرحلة تاريخية هو بالأساس بحث في القضايا التي تثيرها التكنولوجيا المعاصرة من تحديات . لان التكنولوجيا تطرح مشكلات متعددة وخبرات دائمة تساعد علي تحفيز البحث العلمي دائما وتساهم في تطوير الأدوات العلمية والأجهزة مما قد يعين العلماء علي المزيد من الكشف العلمي .
7) التحولات العلمية والتطور المستمر في العلم يرجع بالأساس إلي الجماعات العلمية ،التي تعتبر بمثابة عقل جمعي لفئة العلماء منذ تأسيس الجمعية الملكية البريطانية وحتى الآن التزم الفكر العلمي الأوربي بفريق العمل Team Work وقد ساهمت تلك الجماعات العلمية في إنجاز الثورات العلمية المتلاحقة وعبر العصور المتتالية . وما يترتب علي الروح الجماعية من صفات تميز البحث العلمي كالقدرة علي الإنجاز والعمل وفق خطة محكمة سبق تخطيطها وحددت مشكلاتها وتبني نفس الأفكار وتبادل المعلومات وإصدار النشرات والكتيبات وتطوير برامج العمل باستمرار ووضع معايير لبرنامج البحث العلمي . ومن ثم القدرة علي إعادة البناء العقلاني للعلم والمعرفة العلمية .
8- صار الاهتمام بتاريخ العلم في سياق البحث في الظاهرة العلمية أمراً لابد منه ، فأهم ما حولت الابستمولوجيا المعاصرة هو تأكيدها القوي علي إبراز الدور التاريخي في البحث العلمي ووضع تصوراتها العلمية بناء علي جدوى وأهمية الدور التاريخي في تتبع عمليات الكشف العلمي ورصد البرامج العلمية واستنتاج تصورات معرفية جديدة من تاريخ العلم ،وإدراك طبيعة التقدم العلمي وسبله ومداركه .
9- شهدت تلك الفترة التي نعرض لها التمييز بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية وخاصة بعدما حققت العلوم الطبيعية تقدما ملحوظا في القرن السابع عشر والثمن عشر ، وقد شغلت هذه القضية معظم الفلاسفة والمفكرين والأدباء ن وعرض لها في أكثر من مجال وسياق ، وأول من عرض لها الفيلسوف الألماني فيلهلم دلتاي W. Dilthey ثم تأثر به بعد ذلك العديد من الفلاسفة وعلماء الاجتماع وعلي رأسهم ماكس فيبر .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الولايات المتحدة: السيسي يؤكد لمبعوث واشنطن أن مياه مصر لن ت


.. جيلبير الحلو : لقاح سينوفارم أثبت فعاليته والصين كانت من أول


.. الشلواطي: لهذا وجدت ذاتي في -بنات العساس- وبكاني الطيب




.. الحصاد - الحراك الدبلوماسي في قضية سد النهضة وتطورات الأزمة


.. - أم سيد - أيقونة -المال الحلال-