الحوار المتمدن - موبايل


قصة قصيرة ( أنا وكلب نتانيا لولو روخمان)

فتحي زيدان جوابرة

2014 / 5 / 10
الادب والفن


( أنا وكلب نتانيا، لولو روخمان )
* تنويه: العبارات الواردة بين الشرطتين ليست جزءا من الإفادة التي قدمها السارد للمحقق مئير.
"ما شِم شلخا؟ من إيفو أتا؟ تفيلي تعودت زهوت، ريشون لخنساه لإسرائيل = ما اسمك؟ من أين أنت؟ أعطني بطاقة هويتك، تصريح الدخول إلى إسرائيل".
عدّة أسئلة سريعة متتابعة، وكان يريد إجابات قصيرة عليها، ونطق ألفاظا بالعربية بلكنه مبتذلة، تختلف كثيرا عن لكنة أرباب العمل الذين نشتغل عندهم في أراضينا. اكتفى بأسئلته، وأعاد البحلقة في الحاسوب وتمتم بشيء ما، فقلت له: "إيش لم أسمع "، لم يقل شيئا.
كان المحققُ جالسا على كرسيّ دوّار، يمضغ العلكة ويتابع حاسوبه ويستقبل الاتصالات الواردة إلى هواتفه المتنوعة، ويقلّب أوراقا كثيرة...جحظ بعينيه في الحاسوب كمن يبحث عن شيء ما، أو كأنه مدقق إملائي يبحث عن همزة قطع سقطت من الكتابة، نظّارته ثابتة على رأسه لا تنزلق عنه أبدا، لا أدري ما السبب، على الرغم من أنّ شعره محلوق على النمرة الأولى.
جلبت المراسلة لي كأسا من القهوة التركية، هي وقهوتها لذيذتان. ودخل شخص آخر إلى مكتب المحقق، عرفتُ أنه عربي من ملامح وجهه ونبرة صوته، رغم أنه تكلم بالعبرية مع المحقق، أعطاه المحقق ورقة وقرأها لي: " الضابط مئير ودولة إسرائيل يشكرونك لأنك أنقذتَ الطفلة شلوميت من الكلب (لولو)، ولكنك ألحقت الأذى بالكلب المريض (لولو) وتسبّبْتَ بحزن شديد أصيبتْ به عائلة روخمان على كلبهم الراقد حاليا في العيادة البيطرية". سكتَ لفترة قصيرة، وقال: " تعال معي عشان تكتب كل شي صار معك هاد اليوم من طقطق للسلام عليكم، إجراءات روتينية، ما تخاف" وأخذني مع قهوتي إلى غرفته. وبدأتُ أكتبُ على الورقة كلّ ما جرى معي في ذلك الصباح:
" خرجتُ في الصباح الباكر قبل أذان الفجر، وركبتُ في سيارات العمال وانطلقت من حاجز الطيبة إلى سوق العمال في نتانيا، كانت الشمس قد طلعت من جهة طولكرم، وجدتُ أمامي عددا كبيرا من العمال - مسحَ الندى رؤوسهم وملابسهم بلطف، وكأنهم باتوا ليلتهم بطولها في ذلك المكان -. وقفتُ في السوق ساعتين متواصلتين، على أمل أن يساومني أحد من أصحاب الأعمال، ويستأجرني للعمل عنده لذلك اليوم على الأقل، ولكن لم يحالفني الحظ، - المنافسون كثيرون، ثمّة عمالٌ مهرة في الترويج لمهاراتهم وخبراتهم في مجال العمل الذي يريده صاحب العمل، ومنهم من له باع طويل في المنافسة والمحاشرة والنفاق لأرباب العمل - طلعَتِ الشمس وتفرّق العمّال، ولم يتبق أيُّ أملٍ بقدومِ ربّ عملٍ متأخر. غادرتُ المكان واختصرتُ الطريق من أحد الأحياء الراقية متوجها إلى بيت سارة أربيلي عسى أن أجدها في البيت قبل أن تغادر إلى مكان عملها - نتانيا من أولها لآخرها راقية، وسارة وابنتها زهافا راقيتان أيضا، سارة امرأة هادئة ذكية، تعمل في مركز للفنون الجميلة، لقد عملتُ في حديقتها وبيتها عدة أعمال، وهي تحترمني جدا وتثق بي لدرجة أنها كانت تغادر البيت وتتركني مع ابنتها الجامعية (زهافا)على مقاعد الحديقة، وأناقشها في بعض مسائل اللغة العربية، وفي إحدى المرات زرتهم من أجل مراجعة مادة اللغة العربية مع زهافا، حيث كان يتوجب عليها تقديم امتحان نهائي مستوى2، وأمضيت ستّ ساعات كاملة مع زهافا في الحديقة، ويومها سألتني إذا ما كان لديّ صفحة في الفيسبوك، أو ياهو مسنجر، كي تراسلني باللغة العربية، وأعلمها المحادثة بالفصحى والعامية عن بُعْد، فنقمت على نفسي بين سري وخالقي لقصوري الكبير في عالم التكنولوجيا. وفي نهاية الزيارة عرضتْ سارة عَليّ مئة وخمسين دولارا لقاء ذلك، ثم تأسّفتْ فورا وشعرتْ بالخجل عندما رأتني مستاء منزعجا من تصرفها هذا الأحمق، وأخبرتني أن جارهم المحامي رفض أن يقدم لهم استشارة في مسألة قضائية إلا بألف شيقل، وألحّتْ عليّ أن أحضر إلى بيتهم بين فترة وأخرى، لأتفقد الحديقة وأقلم الأشجار، وأرتب وأسوّي ما يحتاج إلى تسوية.
مرّتِ المراسِلة من باب الغرفة، رنّت ضحكتها ولغطتْ بعبارة لم أفهمها، فقط كل ما عرفته أن اسم الموظف هو مصطفى، شغّل مصطفى المذياع على إذاعة إسرائيل العربية...
- إليكم بعد قليل نشرة أخبار التاسعة والنصف، معكم سماح حسنين بكرية، وصباح الخير.
لوهلة اعتقدتُ أن المسألة تخصّني، وأن سماح والأخبار وإسرائيل كلها سيتحدثون عنّي، حمرق وجهي، وتسارعتْ دقات قلبي، وأعجبتُ بنفسي وباسمي؛ لأنه عما قليل سيُتلى على شفاه المذيعات والصحفيّات اليهوديات، وكلّ الفتيات الإسرائيليات، وحتى المجنّدات، وهو صِنف نسويّ يثير إعجابي واهتمامي كثيرا، سيذكرنني بشيء ما، ولكنّ شيئا من هذا لم يحصل -.
فجأة وأنا في الطريق نحو بيت سارة أربيلي رأيت كلبا كبيرا من نوع دبرمان يشخر ويهمّر على فتاة صغيرة لا تتجاوز الثانية عشرة على أكثر تقدير، فأسرعتُ نحوها، وانتهرته من بعيد فلم يكترث بي، صرختُ عليه ولكنه اقتربَ من الفتاة أكثر، وهجمَ عليها، فوقعتْ على الأرض، نظرتُ حولي فوجدتُ قطعا من الطوب مُلقاة بالقرب من أحد الجدران المبنية حديثا، وبسرعة البرق التقطتُ قطعة منها وضربته على رأسه مرتين متتابعتين، فأصيبت عينَه اليسرى، تراجع إلى الخلف، فقذفتُ عليه قطعة أخرى من الطوب، فملأ الشارع نَعْوَصَةً، وولّى هاربا وصوته يدوّي بين المباني في نتانيا، انكمشت الفتاة على الرصيف، كانت ترتجف وتبكي بكاء يهوديا، تدافعَ بعض السابلة نحونا، شكرني بعضهم: "تودا تودا " وسكت آخرون. كلهم يتحدثون مع بعض، ولم يكلمني أحد منهم بشيء، فقط قال لي أحدهم:
"يوفي أتا بوعيل فلسطيني توف = حسنا، أنت عامل فلسطيني جيد".
ارتمت عليها امرأة، رأيتها قادمة من بعيد كالقطة المرعوبة، كانت تصرخ وتبكي، عرفت فيما بعد أنها أمّها, مسحت دموع ابنتها:
" شلوميت آل تِبخي إيما، آل تفَخْدي = لا تبكي يا ماما، لا تخافي"
في لحظات كانت سيارة الإسعاف بالمكان، ونقلوها إلى المشفى، كانت في حالة أشبه بفقدان الوعي. حضرت الشرطة: شرطة الناس وشرطة الكلاب الضالة، وحضرت الصحافة أيضا، لم يستجوبني رجال الشرطة البشرية، فقط طلب مني أحدهم أن أنتظر في الموقع. اكتفى الصحفيون بالتقاط صور عديدة لي، ولم ينجز أحد منهم استجوابا صحفيا معي، مرّ عامل تنظيفات أثيوبي (بوعيل نكيون) يجر عربته، ينظف الأرصفة من روث الكلاب وأعقاب السجائر، وقف قليلا ولغط بشيء ما لم أفهمه. غادرَ الجميع المكان، وبقيت الشرطة الثانية، استوقفني هؤلاء رجال شرطة الكلاب قليلا ريثما حضرت سيارة أخرى، وطلبوا مني أن أرافقهم إلى مركز التحقيق كي أقدّم إفادة بالحادث، أركبوني في السيارة التي حضرت للتو، وإذا بهم قد عثروا على الكلب المصاب، وأجلسوه مكبلا على نفس المقعد الذي سأجلس عليه. كانت عينه ملفوفة بقماش طبي، وفمه المتدلّي الكبير مغطّى بشبكة حماية بلاستيكية، - شعرت بخوف ما من الكلب، ليس خوفا من هجوم محتمل عَليّ، وإنما من تهمة قد تُوَجّه إليّ بسبب هذا اللولو المصاب المسكين يا حرام -.
سلمتُ الورقة للموظف العربي مصطفى، أخذها وأخذني إلى غرفة المحقق، استدعى المحقق رجلين اثنين من الموظفين هناك، وبدأ مصطفى يترجم لهم ما كتبته، أنصتوا وكانوا يبتسمون بعض الأحيان، ثم دار نقاش طويل بينهم، ويبدو أنهم اتفقوا على شيء ما، وفي النهاية أشار المحقق إلى مصطفى أن يصطحبني معه.
في غرفته طلب مصطفى مني أن أوقّع على مجموعة من الأوراق لإخلاء سبيلي، وفيها تبرئة لي من أيّة تهمة أو جرم يمكن أن يلحقه آل روخمان بي. رنّ الهاتف في مكتب مصطفى، وتحدث شخص ما مدة دقيقة، وكانت إجابات مصطفى: "كين... كين ... بسيدر" ابتسم مصطفى وقال: " بحكيلي الضابط مئير إنو أهل البنت آل صموئيل اتصلوا عليه، وبتشكروك كتير... بحكولك تودا ".
ارتحتُ كثيرا لمصيري، وغضبتُ في سِرّي على الصموئيليين هؤلاء بسبب ردّهم المبتذل على معروفي معهم، ( ول عليهم... تودا وبس). وسألتُ مصطفى عن مصير الكلب: " شو بدهم يعملوا بالكلب؟" فأخبرني أن طاقما طبّيّا اكتشفوا أن الكلب لولو يعاني من أزمة نفسية بسبب فقدانه لصديقته نتاشا، وأنه سيخضع لبرنامج علاج نفسي حتى يتعافى ويعود إلى أهله آل روخمان. آل روخمان يدّعون أن كلبهم لطيف جدا، ولم يكن ينوي إيذاء الفتاة، وإنما أراد أن يلاطفها، فقد كان معتادا على ملاطفة نتاشا كل صباح، وكثيرا ما كانت ابنتهم غولدا تصطحب لولو ونتاشا ويتجولون معا في ذات المنطقة التي جرى فيها الحادث، أما (هبوعيل هشتاخيم = عامل الضفة) فقد قدّر الموقف خطأ سامحه الله.
عندما هممْتُ بالخروج قال لي الموظف العربي مصطفى: "لو إنك يهودي كان بكرة بيكتبوا بالجريدة: إسرائيلي شجاع ينقذ حياة فتاة صغيرة من كلب ضالّ، بس بتعرف لو مات الكلب شو كان ممكن يكتبوا؟ فلسطيني يقتل كلبا بريئا في نتانيا ". ضحك وقال: "الله سترك، كيف لو كان الكلب موظف وطالع ع الشغل؟ " انتا ما بتعرف إنو كلب التفتيش على حاجز برطعة راتبه سبعة آلاف شيقل؟ ".








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مسرحية جورج خباز: أغنية -حَد تنين، شد منيح الإجرتين-


.. لحظة إصابة فنانة فلسطينية برصاص الجيش الإسرائيلي تثير غضب ال


.. مصر.. إجراءات مواجهة كورونا تعصف بأفلام العيد |#اقتصادكم




.. وفاة الفنانة نادية العراقية بعد إصابتها بفيروس كورونا


.. On Demand | الأفلام التي ستعرض في صالات السينما بمناسبة عيد