الحوار المتمدن - موبايل


الشخصية الروائية، و الانحياز للحياة في رواية (أبو جلال 2000) لفوزي وهبة

محمد سمير عبد السلام

2014 / 5 / 21
الادب والفن



(أبو جلال 2000) رواية حديثة لأديب المنيا المبدع، و الروائي فوزي وهبة، و قد صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 2009، و يرتكز نص الرواية على تقديم الراوي للشخصية عبر مسارين رئيسيين؛ هما:
الأول: ولوج الراوي للطبيعة النفسية، و الروحية لشخصية (محمد جلال)، و مدى تجاوزه لمناخ الحقد، و الكراهية، و الانتقام، و الأطماع في بلدته القديمة؛ فهو ينحاز لبهجة الحياة، و يعانق جمال العناصر الكونية، و يتسم بالصدق في علاقته بالخال عبد الجواد، ثم بمحبوبته التي صارت زوجته / رحاب، و هو يساعد أحد أفراد خصوم عائلته حين أتى باحثا عن عمل، كما يقدر عمله تقديرا مجردا يعكس ملمحا صوفيا خفيا، يكمن في نسيج الأنساق الحتمية، و الثقافية التي ترتبط بسياق المنفعة، و التي لا يمكن أن تنفصل عن الأصالة، والتطور الروحي، و الإنساني للإنسان في النص؛ و كأن البساطة في التعاملات اليومية للعمل، تؤدي إلى الوفرة، و تجاوز النطاق المحدود لشبكة العلاقات، و المصالح اليومية؛ و قد كشف الراوي عن هذه السمات الفريدة للشخصية من خلال عالمها الداخلي الذي يبحث عن التناغم، و البهجة، و تجاوز حتمية الموت، و آلية مبدأ المنفعة معا.
و رغم ارتكاز فوزي وهبة على تقديم سيرة أدبية لشخصية من الواقع، فإن الرواية – بتقنياتها الأدبية – تعيد تقديم تاريخ الشخصية وفق رؤية تأويلية متجددة، يحاول الراوي القبض عليها من خلال عالم الشخصية الداخلي، و مسارها الفريد، و المؤثر.
الثاني: صيرورة الشخصية في السياق الواقعي للقصة الموازية لحياة البطل / محمد جلال؛ فهو يصادف الحب، و يعايشه، و يرتبط روحيا بخاله، و يعشق نبات الفول، و تفاصيل العمل، و الناس، و العمال، و يعاين لحظات البدء، و الحياة البهيجة في أبنائه، و يعاين صدمات موت الخال، و مناخ الكراهية القديم، و علمه بوفاة والديه عقب فرحته بصلح القبيلتين، ثم يجدد أثر ارتباطه ببهجة الحياة في لحظاته الأخيرة، و في وصيته التي تعكس أصالة ارتباطه الإنساني بعائلته، و بالمحيطين به؛ و صيرورة الحياة دائما ما تعكس خطوطا عديدة للحكي، و لصعود الشخصية، و هبوطها، و تناقضاتها الداخلية، و كذلك تناقض مسار الأحداث، و الأبنية الاجتماعية، و الثقافية المحيطة بها؛ فلحظة نشوء محمد جلال تتوتر فيها أنساق، و نماذج الانحياز لبهجة العناصر الكونية، و عشق الحياة المتجددة للأرض، و بنية الانتقام عند البعض، و شيوع مناخ الكراهية، و الحذر، ثم يواجه ارتباط الفرح بالحزن في أحداث لاحقة؛ مثل ولادة ابنه، ووفاة خاله معا، و علمه بوفاة والديه، و إتمام الصلح بين القبيلتين، ثم معانقته لأصالة الروح في سياق نزيف الموت، و هو وطني لا يبحث عن مكاسب سياسية، و تتجدد ذكراه في حكمة وجوده الذي يتعالى عن الأطماع، و ميكانيكية الموت.
لقد كشف الراوي عن العلاقة بين الأنساق الاجتماعية القهرية المحيطة بالشخصية، و مدى استمرار أثر العالم الروحي للبطل في الآخرين؛ و كأن قوة الجمال الداخلي تمنح الشخصية حضورا آخر، و مسارا مختلفا تزدوج فيه الإرادة، و الفاعلية المنحازة لبهجة الحياة من جهة، و إشكالية زمن الحضور، أو الوجود الشخصي بما يحويه من حكايات متقاطعة، و مسارات متداخلة لأحداث، و شخصيات، و علاقات ثقافية، و إنسانية تجسد طاقة للحياة، و تجددها في صور، و شخوص فريدة مثل جلال من جهة أخرى.
و تتسم روايات الشخصية بالتفرد كلما كشفت عن التعقيد في مسارات الشخصية، و الكشف عن حضورها الداخلي، أو تجليها كأثر متجدد في الكتابة، و الفن.
و من المقاطع التي تدل على أصالة البهجة في بنية الشخصية، و بنية المكان في النص، قول الراوي:
"و كانت الدنيا لا تسعه من الفرح عندما يرى لوزة القطن، و قد تفتحت، و اكتسى الحقل باللون الأبيض الزاهي. و غرامه بمحصول الفول حكاية تفوق الوصف، و كان يقضي الساعات الطويلة وسط هذا المحصول ...، وفي كثير من الأحايين كان يشعر أنه مثل عصفور، أو هدهد .. يجب أن ينطلق هنا، و هناك". ص 8.
و يجسد المقطع السابق انحياز الشخصية للتناغم الكوني الذي يشبه لحنا موسيقيا أصيلا، و متجددا، إذ تتكامل فيه العناصر فيما يشبه الهارموني، و التفاعل الجمالي المشبع بالسلام بين الأنا، و العلامات الكونية، و أرى أن النموذج الخيالي المهيمن على وعي الشخصية هنا هو الصفاء، و الشفافية الجمالية الكامنة في قلب الأشياء، و يدل عليها اللون الأبيض، و نموذج الهواء الذي يسبح فيه البطل مثل الطائر المتحرر، و يتفق نموذج الهواء الصافي مع تحرير البطل لذاته من حتمية الموت القديمة، و تحقيق نموذج التفاعل الجمالي المستقر في علاقاته بخاله، و عائلته، و في عالمه الجديد في المدينة.
و يكشف الراوي عن عمق شخصية البطل / محمد جلال عن طريق التأويل الاستعاري الذي يكشف عن الأصالة التكوينية الروحية التي تقع بين عالم البطل الداخلي، و أثر المكان و كينونته الفريدة.
يقول:
"يحس أنه في واقع أقرب إلى الحلم الجميل .. يتذكر الفول الأخضر، و انطلاقه في حقل أبيه وسط هذا النبات ... إنه يحب اللحظة الموجود فيها بين جدران هذا البيت، و يحب ابنة هذا التاجر من كل قلبه، و بكل ذرة في كيانه .. إن بقلبه عود حب أخضر، يثمر بداخله شعورا بالفرح". ص 56.
يربط الراوي - مرة أخرى - بين التفاعل الحدسي للبطل مع نبات الفول، و فكرة التحرر، و الحب، و الانحياز البهيج للحياة، و يبدو النبات في خضرته، و تجدده كأنه صورة تأويلية، و ثقافية للربيع، و أخيلة الخصوبة التي ترتبط بالحب في اللاوعي.
إن الراوي يستدعي الرحابة النفسية، و الكونية النابعة من اللاوعي، و المتجاوزة لآلية الموت؛ ليكشف من خلالها عن أصالة الشخصية، و تجددها في سياق التسامح، و المرح الجمالي الذي يعيد تشكيل نفسه أدبيا من حالة التفاعل المباشر مع روح الأرض إلى حالة تكرار فكرة التجدد نفسها في سياق الواقع، و المجتمع الجديد للبطل.
و قد يجسد الراوي وعي الشخصية عن طريق تقنية التبئير الداخلي الذي يقدم فيه الراوي العالم الداخلي للبطل، و يكشف عن أثر تناقضات الموت، و الحياة في الوعي؛ فبعد وفاة الخال / عبد الجواد، دخل محمد جلال شقته، و عاين روائح الأثر المتعلق بالمتوفى، و ذكرياته، فتملكته حالة ضياع، و حزن.
إن الأثر يقاوم فكرة الموت في وعي، و لا وعي البطل، و يوحي بالانحياز الخيالي للحياة المتمثلة في الطفل الجديد / عبد الجواد؛ فيبدو و كأنه تأجيل لاكتمال الموت.
و قد تتوالى الوظائف السردية الدالة على الموت، و الحياة في بعض مقاطع الرواية؛ فولادة عبد الجواد الصغير تداعت في الكتابة مع الوظائف القصصية المتعلقة بمرض عبد الجواد الكبير، و تداعى خبر وفاة الوالدين مع بهجة إمكانية عودة جلال إلى القرية القديمة؛ و هو ما يعكس تعقيد الحياة، و تعدد خطوطها المتوازية، و تجدد أثر الشخصية في الآخر، و الآخرين؛ لأنها حملت دلالة مختلفة، و جمالا ينبع من اللقاء الخفي بين الروح، و جماليات المكان، و ثقافته، و من العنصرين معا؛ خطوط الحياة المعقدة، و تفرد كينونة البطل يتشكل تاريخ البطل كما يقدمه النص الروائي لفوزي وهبة.
د. محمد سمير عبد السلام - مصر









التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عزاء والدة الفنان أحمد خالد صالح بالشيخ زايد


.. حواديت المصري اليوم | فنان من طراز فريد.. نحات الموسيقى أحمد


.. أخطر أسرار الأسطورة الراحل عمر الشريف لأول مرة مع المخرج عمر




.. go live - مع الممثل ميلاد يوسف


.. رغم عشقه المسرح كان للتلفزيون نصيب من إبداعه.. رحيل الممثل ا