الحوار المتمدن - موبايل


تعدد مستويات الذات في القصيدة .. قراءة لبعض أعمال شعراء العامية

محمد سمير عبد السلام

2014 / 5 / 24
الادب والفن



يقع النص الأدبي ضمن مجموعة من العلاقات المتشابكة بأبنية المجتمع، و تراثه، و تحولاته في اللحظة الحضارية الراهنة، و الشكول الشاعرية، و الاستعارية للذات في لحظة الكتابة، و كذلك تاريخ الفن، و تاريخ الجنس الأدبي نفسه، و تاريخ الفكر، و الفلسفة؛ إذ يجد المبدع نفسه في سياق فني يتطلب موقفا إبداعيا قد يؤول من خلاله وجوده في العالم، و قد يحدد النص موقفا من الوجود الكوني، أو الشعري، أو الثقافي، و لكن من خلال المجاز، و تداعيات الكتابة، و أخيلتها، و إيماءاتها الموحية، و إيقاعها الموسيقي بشكوله المنتظمة، أو القائمة على الحالة، أو الإيماءة غير المركزية.
و أرى أن مثل هذه الأفكار النقدية التي تؤكدها مراجعات النصوص الأدبية بمختلف توجهاتها، و تياراتها الكلاسيكية، و الحداثية قد تفيد في قراءة نماذج من أعمال شباب الشعراء في مجال كتابة قصيدة (العامية المصرية)؛ فضلا عن تميز هذا النوع من الكتابة بتحويل علامات الحياة اليومية إلى علامات مجازية عن طريق بكارة اكتشاف العمق في البساطة الظاهرة، و الاشتباك المباشر بأحاديث النفس داخل الأنا المتكلم، و استخدام لغته الآلية البسيطة نفسها، بما تحمله من تكثيف، و بحث عن هوية شعرية داخل الصوت الذي يعيد إنتاج نفسه أحيانا بصيغة ضمير المخاطب؛ ليثري مدلول الذات، و يمنحها حضورا إنسانيا واسعا، و محتملا في آن.
نلاحظ بحث المتكلم عن الأصالة، و التحرر الروحي من قيود التهميش، و القهر في تجربة الشاعر (محمد ثروت)، و ذلك من خلال الآليات الجمالية للخطاب الداخلي، و أخيلته الاستعارية، و ديناميكية الصورة الممزوجة بالسرد داخل القصيدة؛ فالذات تبحث عن التحقق الروحي من داخل العلامات التي تشير إلى القيود، أو الانهزامية في الواقع.
يقول في قصيدة (شجن):
"يا شراعي يا مايع / نفسك تدوق الريح / حق الخشب ضايع / و حبالنا من المجاريح / يا دفة غدارة امشي معايا يومين / يا كفة بخسارة / متبهدلة الموازين".
تشير علامات الرحلة إلى أصالة ذاتية خفية في حالة انتظار للتحقق، و الصيرورة الروحية بينما تهيمن حالات التوقف على الشراع، و الحبال، و الموازين التي تؤكد استمرار بحث الذات عن حالة من التناغم الجمالي المفقود في السياق الواقعي، و تتهيأ هذه العلامات للفعل، و الأداء المحتمل خارج خطاب الشجن؛ فالمتكلم يبحث عن جريانه مع الريح، أو تحرره المعلق في النص.
و يكثف الشاعر أسئلة الهوية الشعرية، و العلاقة بين الحياة، و الموت، و تحرر الصوت، و استعادته لأخيلة القهر من اللاوعي في قصيدة (استفهام)؛ فثمة حالة من التساؤل الشعري عن النماذج الحتمية التي تهيمن على المتكلم، و تقهره، بينما تقع في حالة تناقض أصلية مع ضمير المخاطب الذي يشير ضمنيا إلى قيمة الحضور الشعري النسبي للمتكلم.
يقول:
"و تلقى التوهة تغريبة / ساعة ما تشيل وجع دواوين / و تسأل أسئلة مريبة / تشيل الهم تشيل الطين / كما المحجوز في تخشيبة / مشتت جوا أنفاسك / و مين ضربك على راسك؟ / و مين حبسك في كراسك؟".
يبحث المتكلم عن وجوده الشعري الآخر من خلال المخاطب المتعالى على نماذج القهر غير المبررة، و التي ترتبط باستمرار السؤال عن المعنى، و عن الوجود الممتد في استعارات النص، و الصعود الذاتي غير المباشر في تحولات ضمير المخاطب، و مدى تعبيريته عن الهوية الشعرية.
و يعيد الشاعر (مروان أشرف) اكتشاف الذات، و حضورها الشعري انطلاقا من الخبرات اليومية، و الذكريات الممزوجة بحس شعري، و تصويري، يؤكد ثراء الحضور المجازي للمتكلم، و تداخله الإبداعي مع الآخر؛ إذ يتولد موقف الذات من العالم من تلك الصور الفريدة التي تعكس الذات، و الآخر، و المدلول المتجدد للحياة معا.
و يرتكز الشاعر – في تجربته – على السرد الشعري، و تداعيات الصورة، و كثافتها التعبيرية التي تقع بين المتكلم، و الآخر.
يقول في قصيدة (أراجوز):
"مزنوق ف عقارب ساعته / و الوقت مهوش بيساعده / فبيخلق لك تلاكيك / يتأثر / يضحك ليك / تضحك / فتعلق وشك / على صورة ف وسط الحيط .... / أراجوز متداري ف ضحكة / و مبروزها ع الحيط".
يكشف المتكلم عن تناقضات صورة (الأراجوز)، و ثرائها الدلالي، و يبحث عن قيمة الوجود الحقيقي، أو الشعري المتواري خلفها؛ هذا الوجود يمثل – من وجهة أخرى – قراءة للمتكلم نفسه، و للآخر المحتمل في المشهد.
إن الطاقة الجمالية للذات / الأراجوز تتسم بالثراء، و التناقض بين التناغم، و الشعور بالنهايات، و بين البهجة، و الشجن، و الأصالة العميقة خلف الابتسامة المعلقة في المشهد.
و يعيد الشاعر قراءة العلاقة بين الحضور، و الغياب، و الاندماج الكوني في بنية الذات، و الآخر معا في قصيدة (تخاريف الواد تيفا)؛ إذ تجدد القصيدة حكاية الآخر، و تمثيلات الغياب الملتبس بالوجود الشعري في بنيته؛ إذ يقول:
"الواد تيفا دلوقتي خلاص / بقاله زمان مبيسألش / بقاله كتير / في جوف البحر / مبيطلعش / صوت الموج ف وداني / و تيفا الواقف قدامي / بيدوب كالملح".
مثلما تمتزج الرحابة الكونية في أخيلة الماء، و تتناقض مع الفقدان، نجد امتزاجا استعاريا آخر بين الموت، و الحياة في بنية (الآخر / تيفا) الذي يتسع صوته بقدر غيابه عن المشهد؛ و من ثم تنمو صورته السردية، أو حكاية موته في الخطاب الداخلي للمتكلم، و تؤول الموت كمفتتح لرحابة روحية، و كونية جديدة مستعادة من اللاوعي.
و تتجسد نزعات الأصالة، و البحث عن خروج آخر، أو صفاء روحي بديل عن هيمنة حالة الموت، و مستوياته الدلالية الثقافية، أو المتعلقة بإشكالية الوجود في تجربة الشاعر (عبد الرحمن بخيت)، و يجسد تلك الدلالات عن طريق المفارقة التصويرية، و ارتباطها بولادة حالة شعرية تتجاوز أزمة الحتميات، أو الموت.
يقول في قصيدة (قلق):
"أنا نفسي مش عارف / أزرع غيطان روحي / بحاجات زارعها الموت / لكن أنا مؤمن / إن الخرس ممكن / يقدر يطلع صوت".
يبحث الشاعر عن موقف تتجدد فيه الذات خارج الأزمات الروحية، و الثقافية، و يكشف عن التباين الشديد بين صور ولادة الروح، و صور الانهزام، أو التهميش المتعلقة بوضع الذات، و بنيتها في السياق الواقعي.
و يتخطى الشاعر عبد الرحمن بخيت حدود المدلول الفكري المباشر، و المتعلق بالبحث عن معنى الوجود الذاتي في العالم في قصيدة (عتاب مسموح)؛ إذ تتجسد كينونة الذات في حالة أدبية نسبية، تجسدها تداعيات النص، و استعاراته.
يقول:
"أنا بايت من عمر ورايا / على سطح البيت اللي آويني / و أديني بجمع ف درايا / .... أنا أكتر ميت كان عايش / أنا أموت من روحي مفيش / أنا بسرق م الدنيا حياتي".
يقع كل من مدلولي الموت، و الحياة ضمن تحولات الروح، و صيرورتها المتجاوزة لثبات المفاهيم القديمة، و لحتميات السياق الواقعي معا؛ فالذات تؤول من خلال حالة استعارية ملتبسة بين الحضور المتعالي، و التهميش، أو بين الحضور البهيج، و الغياب المحتمل في تداعيات النص.
أما الشاعر (معتصم الصاوي) فيجسد نصه شاعرية المتكلم، و ثراء مدلول الهوية الشعرية في القصيدة؛ فيبحث عن التناقضات الداخلية التي تذكرني بتعدد مستويات الشخصية المصرية في (الناس في بلادي) لصلاح عبد الصبور، و شعر العامية يجسد تلك التناقضات بخطاب مختلف، و أقرب إلى البساطة الجمالية العميقة، و البحث عن حضور يتجاوز الإشكاليات الواقعية، و حتميات الموت من خلال الكتابة.
يقول:
"أنا فوسط الربيع بكون إعصار ... / أنا تايه في مملكتي / و غريب ما بين ناسي / منيش فاكر و لا ناسي / ماشي على سطر و سايب التاني ف كراسي".
يكشف الشاعر هنا عن ثراء الذات المتكلمة، و تطورها الذي يشبه تداعيات النص، و صيرورته التي تتسم بالتناقض، و العمق، و تجاوز الأبنية الثابتة، و من ثم تجاوز المعنى الواحد للموت، و الحياة بمستوياتهما المتعددة.
أما الشاعر (عمرو الصفتي) فيبحث عن صفاء روحي دائري يتجاوز تحولات القيمة من خلال نص يجسد السخرية، و المفارقة، و مزج منطق الكتابة النصية بالأخيلة الكونية، و المجازية.
يقول في قصيدة (القلب شاب):
"القلب شاب / و الشعر عدى 100 سنة / واخد ملامحه م القمر / حب السهر في عز صغره / رغم الحقيقة تختلف / الحب عمره ما كان بشر / الحب شيخوخة و هرم".
يجسد خطاب المتكلم بلاغة السخرية من اختلاط الحب، ما يحويه من أصالة، و عمق بالشيخوخة، و تحولاتها الزمنية التي تفارق تجدد الذات، أو القيمة، أو الحب الذي يشبه تجدد صورة القمر الكونية، و أخيلتها في النص.
ثمة حركتان – إذا – في بنية القصيدة؛ حركة يجسدها منطق النص، و تراتبية عباراته، و حركة مضادة تسعى للقبض على القيمة الشاعرية للأشياء خارج نطاق الحتمية، و هيمنة الخطاب الذي يتسم بغياب الوجود الداخلي الذي يستعصي على التحول، و النهايات.
د. محمد سمير عبد السلام – مصر








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. نمشي ونحكي | حلقة جديدة مع الفنان السعودي خالد عبدالرحمن


.. الممثلة اللبنانية #إلسا_زغيب تفوز على #أمل_طالب في حلقة قوية


.. يوميات رمضان من القاهرة مع الفنان التشكيلي محمد عبلة..




.. إيرادات السينما العالمية تنخفض بـ80 بالمئة جراء إجراءات كورو


.. #لورنس_العرب.. السينما العالمية تطارد المغامر الإنكليزي في ا