الحوار المتمدن - موبايل


ذكريات خارجة عن القانون

خيري حمدان

2014 / 5 / 25
الادب والفن



هناك في ركن منعزل في محل تجاري غريب، لا يبيع سوى السلع المتميزة التي يستحيل تواجدها في المحلات التقليدية، ليس هذا فحسب، بل يطالب مدير محل الغرائب الجريء من الراغبين بعرض سلعهم بالتوقيع على تعهّد صريح بعدم التراجع أو محاولة مقاضاة المحل لتبعات مصيرية محتملة في المستقبل المنظور والبعيد.

شاهدت طرفًا بشريًا مبتورًا لسبب أو لآخر مجمّدًا في قارورة زجاجيّة، معروض للبيع بسعر معقول، ورأيت عصا مدرّس مكسورة كتب عليها مذكّرة تفيد بأنّها قد حطّمت فوق رأس مدرّس رياضيات انتقامًا من تلميذ عانى طويلا من سطوة المدرّس، أشار عليه طبيب نفساني بالانتقام من مدرّسه، وقد يكون الطبيب قد عنى في حديثه طريقة أخرى للانتقام كالتفوّق في هذه المادة على سبيل المثال، لكن الفتى فهمها بطريقته الخاصّة، ولم يجد طريقة أسرع وأسهل سوى تكسير العصا التي نالت منه فوق رأس المدرّس.
أجمل ما رأيت ولم أتمكن من شراءه "تلك الشعرة المتينة المستأصلة من جسد حصان عربيّ أصيل، مضمّخة بدم فتاة شابّة، أصيبت في حادث سير، عرضها الوالد بسعر باهظ. أنا من عشّاق الموسيقى وأعرف بأنّ هذه الشعرة تصلح لصنع عود فريد من نوعه، صوته قادر على شقّ الأصيل، محمّلٌ بذكرى وجدانية لابنة لم تحفر في ذاكرتها بصمات الحبّ ولوعة العشق. لماذا طالب بهذا السعر المرتفع؟ قد يكون الرجل محقًا، وتبقى الفرصة ضئيلة ليوافق مجنون غيري على دفع هذا الثمن.

كم تبلغ من العمر؟ ربّما تجاوزت منتصف العشرينيات، شعرها كستنائيّ، بشرتها تميل للسمرة، جميلة وحالمة. تركت صورتها الصغيرة على طرف حقيبتها المعروضة للبيع، لكنّ ما لفت نظري دفرتان، تصفحتهما، توقّعت براءتهما وبياضهما، لكنّني مخطئ في توقّعاتي. قرأت نوتة لأغنية لم يلحّنها موسيقار بعد، أغنية لم تعانق حنجرة مطرب. في الدفتر الثاني خربشات أنثوية عابثة وصريحة حدّ الخجل. وفي الزاوية العليا من الحقيبة قرأت جملة "هل تمتلك الجرأة على حبّي". دون إضافة علامة استفهام أو تعجّب، كأنّ تساؤلها بديهيّ، وتشكّ تلك المرأة بوجود رجل يجرؤ على مبادلتها الحبّ وفق مفاهيمها الخاصّة.

أدرك صاحب المحلّ ذو الشعر الأجعد حيرتي البالغة، تقدّم منّي مرحّبًا.
- لدينا خيارات كثيرة يا عزيزي.
- نعم، أنا في حيرة من أمري.
- وهناك إمكانية للمقايضة أيضًا، هل أعجبك شيء من مقتنياتي؟
- كلّ شيء يعجبني في هذا المتجر.
- أنت مخطئ، هذا ليس متجرًا. على أيّة حال، يمكنك التعبير عن ذاتك بأريحية، تحدّث، انفجر ضاحكًا أو غاضبًا، ابكِ، غنّ إذا شئت. لا تتقوقع على ذاتك يا صديقي، جميعنا هنا أصدقاء وغرباء كما ترى.
- أعجبتني شعرة الحصان.
- لكنّها باهظة الثمن.
- أقايض!
- ماذا تملك مقابل هذه الثروة يا رجل؟
- اطلب ما تشاء مقابل شعرة الحصان.
- لدينا غرفة عمليات للحالات الطارئة يا غريب، نستأصل كلّ شيء.
- أتنازل عن جزء من أحلامي. ضحك صاحب المتجر، نظر إليّ مطوّلا وقال.
- أنتَ كاتب، أليس كذلك؟
- كيف عرفت؟
- وقد تكون موسيقيًّا أيضًا، أريد بصمات قلبك، يمكنني الحصول عليها بطريقتنا الخاصّة، لن تشعر بأيّ ألم، لكنّك قد تفقد القدرة على العشق دون هذه البصمات، عليك أن تعرف تبعات هذه المقايضة. لم أفكّر طويلا ووافقت على الفور، كنت على ثقة مطلقة من أنّ الموروث الجينيّ المودع في تلك الشعرة الأصيلة الظمئة لحبّ جامح ستعيد لي بصمات قافلة من الأفئدة الخاوية المتصحّرة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تفاعلكم: مروة كرم تتألق في رمضان وأفلام العيد في مأزق!


.. تفاعلكم | الكوميديا تسيطر على أفلام العيد في مصر


.. الفنانة أروى في حلقة رائعة جداً مع أمل طالب في التحدي مع أمل




.. يوميات رمضان من غزة مع الشاعر الفلسطيني سليم النفار


.. فنان يكشف لـ «دراما كوين» مساندة كريم عبد العزيز له في الاخت