الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ليبيا, ما بين الغرب والعرب.

علي لّطيف

2014 / 5 / 26
مواضيع وابحاث سياسية


العرب يسيئون الفهم, يقارنون ما يحدث في ليبيا اليوم بما حدث في مصر من انقلاب عسكري (مدعوم شعبياً) في 30 يونيو العام الماضي. ويقارنون ما يحدث في ليبيا بما حدث في العراق من تدخل أمريكي (مدعوم دولياً وعربياً) دمر الجيش وأدخل العراق في دوامة الدولة الهشة وعدم الاستقرار وسيطرة حكومات (العمالة) الأمريكية وسرق ثروات الشعب العراقي وانتشار التنظيمات الإرهابية .. إلخ.

هم لا يفهمون أن الأمر في ليبيا مختلف, والأمر في مصر والعراق مختلف كذلك, وأن الشعوب هي وحدها من لها الحق في تحديد مصيرها دون وصاية من أي أحد, وأن أي تدخل خارجي غربي أو عربي يُدمر لا يبني. هم مثلاً لا يفهمون أن الولايات المتحدة الأمريكية تذعن أمام رغبات الشعوب, الولايات المتحدة الأمريكية تدخلت في ليبيا لأن العديد من الليبيين ما بين يوم 17 فبراير – 19 مارس عام 2011 خرجوا إلى الشوارع والساحات وأمام (معسكرات الكتائب الأمنية) وأعلنوا رفضهم للنظام السابق وطالبوا باسقاطه, والعديد من ليبيّ الخارج أيضاً من معارضين وإصلاحيين عملوا على إيجاد دعم لهذا الحراك من قبل المجتمع الدولي, وفي النهاية تحصلوا على هذا الدعم وحصل ما حصل وتحول الحراك في ليبيا إلى حرب أهلية كما يسميه المفكرون السياسيون والمثقفون في الغرب, وثورة كما تسميها إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما, والإدارة السابقة للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والإدارات الغربية الآخرى التي دعمت هذا الحراك.

للأسف تحولت ليبيا اليوم إلى ملجأ للإرهابيين؛ إرهابيون كان من المتوقع أن يلتجئوا إلى هذه الأرض, أعني لديك أكثر من 10 مليون قطعة كلاشنكوف على الأقل, لديك جماعة ليبية إسلامية مقاتلة يترأسها أشخاص حاربوا مع أعلام القاعدة في أكثر من مكان ومدعومين من حاضنة الحراك الليبي الاسلامي المعارض (دولة قطر) وينتمون إلى منطقة ريفية في ضواحي العاصمة كثيفة التعداد السكاني, ولديك أيضاً العديد من رجالات القاعدة ليبيون, ولديك عائلات 1200 شخص (كما قيل) أُعدم في سجن بوسليم في طرابلس بسبب (تهمة الإرهاب) اسُتعمِلوا بشكل تحريضي بشع من قبل الاعلام العربي والليبي المعارض في وقتها وذلك لإضفاء قيمة أخلاقية على أن القتال الجاري في ذاك الوقت كان بين الخير والشر.

أعني الإرهاب في ليبيا, ليس أمر جديداً, أعني كما ذُكر فيما سبق, تاريخ الليبيين في التطرف الإسلامي يعتبر تاريخ ثريّ جداً, اذا لا أظن أن الولايات المتحدة الأمريكية هنا تفاجأت عندما ظهرت لها جثة سفيرها (كريس ستيفنز) في مستشفى في بنغازي؛ الولايات المتحدة الأمريكية كانت تعلم بوجود التنظيمات الإسلامية المتطرفة ضمن صفوف مقاتلي المعارضة الليبية, وكانت تعلم أيضا مدى القوة العسكرية التي يمتلكون, بما في ذلك تقبلت دعم حليفتها الاستراتيجية الجديدة في المنطقة (دولة قطر) لهذه التنظيمات. سؤالي هنا واضح, أظن أنك فكرت في ذلك؟ لما دعمت الولايات المتحدة الأمريكية الحراك المعارض في ليبيا على رغم كل ما سبق؟ ولما لم تدعم الحراك المعارض السوري بمثل هذا الدعم على رغم أن هذا الأخير يمتلك في صفوفه المتطرفين الإسلاميين أيضاً؟ هل ليبيا أصبحت معسكراً لتصدير الحروب للأنظمة التي لا تودها الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة؟

إن عدم استقرا ر ليبيا للولايات المتحدة الأمريكية أكثر فائدة لها من استقرارها؛ تخيّل هنا أنك قوة عظمى في العالم, وأحياناً أحد حلفائك الضعفاء أصبح مزعجاً ويجب تغييره, ما الذي ستفعله؟ أنت لا تستطيع أن تبدو بمنظر المتوحش والمتنمر في العالم, فأنت الأخلاقي الديمقراطي المتنور, إذا ماذا تفعل؟ تذهب لجمهورية موز لها من الرصاص ما يكفي لقتل ربع العالم, جمهورية موز لا تملك أي مؤسسات دولة أمنية وقضائية, لها أموال كافية لدعم حرب إقليمية لأمد طويل, ولديها أرض شاسعة لبناء ألآلاف المعسكرات القتالية, وحدودها هائلة تستطيع فيها تهريب أكثر من مئة رأس نووي وأكثر من ألف إرهابي متطرف كل ساعة؛ إذاً تذهب لجمهورية الموز هذه, وتلعب لعبتك القذرة وتصدر الحرب على حليفك الضعيف المزعج إلى أن يذعن لك أكثر من ذي قبل, أو إلى أن يتغير وجه حليفك بوجه جديد آخر أكثر اذعاناً.


الغرب يجيد الفهم, ديبورا جونز سفيرة الولايات المتحدة الأمريكية (المورمونية العقيدة) مؤمنة بوجوب تعدد الزوجات كالمتطرفين الإسلاميين بالضبط, فهي تعرف إذاً كيف تُرضي الإسلامي المتزوج بأكثر من ثلاث زوجات, لكن هذا ليس موضوعنا هنا. الولايات المتحدة الأمريكية لم تصبح الدولة الأولى في العالم على سبيل الصدفة, الكاوبويز سعوا لأجل ذلك طويلاً واستعانوا بكل الوسائل والطرق والكفاءات لتحقيق سيطرتهم الشبه كلية على العالم, لا يمكن أن يكونوا سذجاً لهذه الدرجة لينهضوا غداً صباحاً ويروا معسكرات كل هؤلاء المتطرفين تهدد مصالحهم في المنطقة, إلا لو لم يكن المتطرفون مصدر تهديد حقيقي للولايات المتحدة الأمريكية؛ وعلى رغم ذلك فإن الغرب يجيد فهم الأوضاع الداخلية لشعوب العالم الثالث, فيستغل الدين عن طريق دعم رجال الدين, ويستغل الكذبة العاطفية التي لا يجرؤ أحد على مناقشتها عن طريق مشتهي السلطة المستعدين لاستغلال حتى عائلاتهم للوصول لكرسي السلطة. الغرب لا يريد الإنسان ذات الرؤية التقدمية المستقلة, الغرب يريد الإنسان المذعن الذي يلبي لهم كل رغباتهم ولو على حساب وطنه.

العرب لا يجيدون الفهم, لا يملكون براغماتية الولايات المتحدة الأمريكية في رؤية الأمور, ولا الرؤية التحليلية للإتحاد الاوروبي؛ جُل ما يملكون هو المال والمزيد من المال والمزيد من المال وأطنان من عقد النقص وجنون العظمة ورغبة في تدمير أي عربي آخر. إن أغلب التحاليل العربية التي قرأتها حول ليبيا تثير الكآبة والاشمئزاز, فنجد بعض الكُتاب يدعم في التيار السياسي الإسلامي في ليبيا وذلك لأن هؤلاء الكُتاب يعملون في صحف مدعومة من دول عربية تدعم هذا التيار (دولة قطر) كمثال, ونجد بعض الكُتاب الآخرين يدعم في التيار (المعتدل) في ليبيا وذلك لأن هؤلاء الكُتاب يعملون في صحف مدعومة من دول عربية تدعم هذا التيار (المملكة السعودية وجمهورية مصر) كمثال. وذات الأمر يعود على القنوات الإخبارية.
إلى اليوم يدعم حُكام العرب, التيارات المسلحة المختلفة في ليبيا بمختلف أنواع الأسلحة المتطورة وبالمال أيضاً, كل طرف فيهم يريد أن ينتصر التيار الذي يدعمه ويصل إلى السلطة, لا أحد من حُكام العرب يحترم الديمقراطية لأنهم يترأسون أنظمة ديكتاتورية, لا يريدون أن تنجح تجربة ليبيا على الاطلاق, ليثبتوا لشعوبهم المسكينة أن الديمقراطية والعرب لا يليقان ببعضهم البعض, وأنهم أفضل من حَكم, وأن على شعوبهم أن تشكرهم على توفيرهم (حياة كريمة) لكل المواطنين؛ أشعر بالقرف لمجرد كتابة هذا الكم من الكذب!

إن كل مصيبات العرب حدثت بسبب عرب آخرين, إن الأنظمة الرجعية المتحالفة مع الغرب سبب كل مآسي أغلب البلدان العربية. هم لا يفهمون معنى (التعددية) و(الاستقلال), يرون وضع ليبيا ما بين (حكم عسكري) و(حكم إسىلامي), ويتقاتلون فيما بينهم على هذا الأساس, أما الليبيون الذين يموتون كل يوم بسبب هذا الصراع هم ضحايا, ضحايا صراع عربي-عربي داخل أراضيهم. ألا يجدر بالساسة الليبيين من كلا الطرفين أن يقفوا وقفة رجل واحد ضد التدخل العربي القذر في وطنهم ويحرروا وطنهم من التنظيمات الغير الليبية؟ أم أن السلطة افقدت بصيرتهم ودماء المُغتالين كل يوم لم تفعل ذلك؟


إنني هنا أبصق على كل قواد ليبي لدولة عربية, ألا يكفيك أيها الوغد الوضيع أن بلدك تُغتصب كل يوم من عربي آخر يستغلك للحصول على النفوذ في بلدك ويستغلك أيضاً ليتحصل على رضا الغربي؟


أثناء كتابتي لهذا المقال, أغتيل رئيس تحرير صحيفة برنيق (الصحفي مفتاح بوزيد) رمياً بالرصاص بالقرب من فندق تيبستي في بنغازي في وضح النهار. كان الرجل من أشد المعارضين للتيارات الإسلامية المتطرفة والتيارات السياسية الليبية التي تدعم هذه التيارات.

كان يدعو إلى تحرير البلاد من كل التيارات الإرهابية المتطرفة, والتيارات السياسية الآخرى المدعومة من الخارج, ولكن الرجل قُتل اليوم, وهذه التيارات السابق ذكرها مازالت على هذه الأرض تفعل ما تريد فعله وتعبث بثروات البلد وبكل شيء آخر.
إن أي حل ممكن في الوضع الليبي, هو ليبي – ليبي ربما تحت وصاية غربية مباشرة, لكن بشرط عدم تدخل أي دولة عربية في شؤون البلد. ربما عندما يتخلص الليبيون من عقدة التبعية للعرب الذين ساعدوهم يوماً ما, يستطيع الليبيون تخطي هذه الفترة السوداء في تاريخهم, والاستقلال بأنفسهم بعيداً عن الخضوع والاذعان لدول آخرى, وربما (يحدث ويصير منها هالبلاد).

القطيعة مع الرجعي فضيلة, ليتهم فقط يعلمون.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تشاد: المرشحون للانتخابات الرئاسية ينشطون آخر تجمعاتهم قبيل


.. رويترز: قطر تدرس مستقبل مكتب حماس في الدوحة




.. هيئة البث الإسرائيلية: تل أبيب لن ترسل وفدها للقاهرة قبل أن


.. حرب غزة.. صفقة حركة حماس وإسرائيل تقترب




.. حرب غزة.. مزيد من الضغوط على حماس عبر قطر | #ملف_اليوم