الحوار المتمدن - موبايل


سياسة الاقليم النفطية وحتمية تقسيم العراق

حمزة الجواهري

2014 / 5 / 31
مواضيع وابحاث سياسية


الأول من جزيران2014
إن السياسة النفطية، أو أي سياسة أخرى، ولأي موضوع، يجب أن توضع على اساس منطقي يقبله العقل أولا، قبل أن تتوافق مع دستور البلد، لكن ما نراه من سياسة اقليم كردستان النفطية، نجدها أبعد ما تكون عن العقل والمنطق وعما جاء بالدستور العراقي، ولا يمكن تسميتها بسياسة، ولا علاقة لها أصلا بمعنى كلمة "سياسة" لا من قريب ولا من بعيد، بل تعتبر إساءة لمفهوم السياسة.
الاقتصاد العراقي ريعي:
لعل الكل يعرف أن العراق بلد ريعي، أي يعتمد من حيث الأساس على ريع النفط، ومن ثم توزيع هذا الريع بشكل عادل على المحافظات والأقاليم، لكن الإقليم الواحد، المدلل، عندنا في العراق رأينا منه العجب العجاب، فهو يطالب بكل قوة بالحصول على حصته من ريع النفط المنتج من عموم البلد، وهذا حقه بلا ريب، لكن يمتنع بكل بما أوتي من قوة "أيضا" من تسليم النفط المنتج في أرضه للحكومة الاتحادية، كون الحكومة هي التي تتولى جمع النفط من كل أنحاء العراق وتبيعه لكي تستطيع توزيع العائدات، أو الريع، على الجميع بشكل عادل، وذلك وفق الدستور. لكن....
نفط كوردستان للكوردستانيين!!!!
هذا ما نصت عليه مسودة دستور اقليم كوردستان، لكن بذات الوقت نجد أن المادة111 من الدستور الاتحادية تنص على " النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي في كل الاقاليم والمحافظات "، أي أن النفط والغاز أينما وجد في الأراضي العراقية هو ملك لجميع أبناء العراق وفي أي مكان، فالمادة لا تقبل التأويل، لكن بعض الساسة الأكراد فسروها بطريقة عجيبة لا يقبلها المنطق، حيث نص دستورهم الذي مازال مسودة على أن "نفط كوردستان للكوردستانيين، كما اسلفنا، في الوقت الذي يأخذون نسبة17% من عائدات النفط المنتج من باقي أنحاء العراق، كما ويطالبون باستماتة عن حصة بالقروض وحتى البترودولار حتى لو لم يقدموا قطرة نفط واحدة للحكومة الاتحادية!
ومع ذلك نسمعهم يقولون بمناسبة وبدون مناسبة أن كل شيء وفق الدستور!! لذا عليهم تحديد الدستور الذي يستندون إليه، فقد لا يقصدون الدستور العراقي النافذ.
اختصاصات الحكومة الاتحادية وفق الدستور العراقي:
"اختصاصات الحكومة الاتحادية" التي وردت في الدستور في "الباب الرابع" كثيرا ما تجاوز عليها الكتاب والمفسرون، فالمواد109 و110 و111 تعتبر اختصاصات حصرية للحكومة الاتحادية، والمواد112 و113 و114 تعتبر اختصاصات تسمح بمشاركة حكومات الأقاليم والمحافظات، لذا فهي اختصاصات غير حصرية، ولكن بقيادة الحكومة الاتحادية، فلو لم تكون هناك قيادة لما وضعت في الباب الرابع الذي يحدد اختصاصات حكومة الاتحادية، أما المادة115 فقد اعطت الحق للمحافظات والأقاليم بالتصرف بكل ما لم تضمنته مواد هذا الفصل.
مما تقدم يجب أن نعرف أن حتى حق المشاركة بين المركز والاقليم او المحافظة يجب أن يكون بقيادة المركز وتكون المشاركة من قبل الأطراف الأخرى محصورة بالأمور التي تتعلق بمناطقهم، فليس لحكومة القادسية، على سبيل المثال، أن تشارك الحكومة المركزية بالتصرف بشأن يهم محافة النجف، حيث تبقى هذه المشاركة مقتصرة على النجف فقط.
مخالفات دستورية بلا حساب!!!!!!
وعندما نعود لسياسة الاقليم النفطية، نجد أن الاقليم، وعلى وفق سياسته النفطية، تصرف بشكل منفرد بالشؤون النفطية، منها:
1. تخطيط الاقليم منفردا للمشاريع النفطية ووضع سياسة مختلفة عن سياسة المركز.
2. وضع العقود النفطية التي لا يقبلها الدستور العراقي، وتختلف من حيث المضمون عن عقود الحكومة الاتحادية.
3. والتفاوض مع الشركات النفطية التي اختارها الاقليم على وفق ضوابطه وليس الضوابط المركزية للدولة الاتحادية.
4. وتعاقد مع الشركات حتى على الحقول في المناطق المتنازع عليها، معتبرا هذه المناطق تابعة للاقليم بلا منازع، وهذا خلافا للدستور.
5. واستكشف واستخرج النفط والحكومة الاتحادية ترفض، لكن لا توجد آذان صاغية من قبل الأكراد.
6. وباع الاقليم النفط المستخرج في الأسواق السوداء تهريبا أمام أعين العراقيين والعادون وازع أو حياء، وأغلق الآبار المنتجة للنفط وهذا هدر للمال العام وفق المادة27 من الدستور.
7. وأخيرا باع النفط عبر شركة خاصة به للأسواق العالمية بعقود بظل استمرار رفض الحكومة الاتحادية بعقود لا أحد يعرف محتواها، ولا أسعار النفط المباع، ولا قياس حقيقي لكميات النفط لعدم وجود عدادات، كما واستغل البنية التحتية للدولة العراقية للتصدير في تركيا بتواطؤ معلن مع الحكومة التركية.
أكثر من سبعة مخالفات دستورية كما سنرى في السياق، فعلها الاقليم بتحد سافر للحكومة الاتحادية.
الحكومة الاتحادية والاقليم معا:
في حين نقرأ في المادة112 أولا " تقوم الحكومة الاتحادية بادارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الاقاليم والمحافظات المنتجة، على ان توزع وارداتها بشكلٍ منصفٍ يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع انحاء البلاد، مع تحديد حصة لمدةٍ محددة للاقاليم المتضررة، والتي حرمت منها بصورةٍ مجحفة من قبل النظام السابق، والتي تضررت بعد ذلك، بما يؤمن التنمية المتوازنة للمناطق المختلفة من البلاد، وينظم ذلك بقانون.
ونقرأ في ثانياً من هذه المادة "تقوم الحكومة الاتحادية وحكومات الاقاليم والمحافظات المنتجة معاً برسم السياسات الاستراتيجية اللازمة لتطوير ثروة النفط والغاز، بما يحقق أعلى منفعةٍ للشعب العراقي، معتمدةً احدث تقنيات مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار".
أترك التفسير لهذه المادة للقارئ الكريم، فهل محتوى هذه المادة في أولا وثانيا منها ما يتطابق مع سياسة الاقليم وما ذهب إليه بعيدا عن المركز؟
الموازنة:
ونقرأ ايضا في الاختصاصات الحصرية للحكومة الاتحادية، وفي المادة110 التي تحدد الاختصاصات الحصرية للحكومة الاتحادية ما يلي:
اولاً :ـ رسم السياسة الخارجية.......إلى قوله "ورسم السياسة الاقتصادية والتجارية الخارجية السيادية".
وتحدد المادة110 في سابعاً منها إلزام الحكومة الاتحادية بوضع الميزانية الاتحادية، والتي تنص على "وضع مشروع الموازنة العامة والاستثمارية".
وهنا أشدد على عبارة "ورسم السياسة الاقتصادية والتجارية الخارجية السيادية" وأتسائل، هل للعراق تجارة خارجية ترفد ميزانيته سوى النفط؟
أي ميزانية تعني وضع توازن بين الداخل من أموال لخزينة الدولة والذي سيصرف خلال سنة، وحين تم الامتناع عن دفع حصة الاقليم من الميزانية برغبة الاقليم عندما امتنع من تسليم نفطه للحكومة الاتحادية، حيث لم يدخل شيء لهذه الخزينة من نفط كردستان، لذا قررت الحكومة أن لا تمنح حصة للاقليم من تخصيصات الموازنة، وهذا ما أقره قانون الميزانية لعام2013 وما هو مدرج أيضا في ميزانية عام2014 التي لم تقر لحد الآن بسبب التعنت الكردي وتواطؤ الكتل السياسية التي تروم إسقاط المالكي، وإذا دفعت الحكومة تخصيصات الاقليم، لا يمكن تسميتها بالميزانية، لأن الحكومة الاتحادية تمنح بقدر ما تستلم.
فكم مخالفة دستورية يمكنكم رصدها مما تقدم؟
حتى الغبي في العراق يستطيع أن يسأل، كيف يمكن للحكومة أن تمنح الإقليم حصه من عائدات النفط المنتج من المناطق الجنوبية ويبقى نفط الإقليم له فقط؟
الشعب الكردي ضحية سياسة الاقليم النفطية:
وإبن الإقليم هو الآخر يسأل أيضا، ممثلا ببرلمانه، أين هي عائدات نفط الإقليم التي تبيعها وزارة الثروات الطبيعية في الإقليم على مدى خمسة سنوات تهريبا بالصهاريج والتي يراها بأم عينه تعبر الحدود بدون توقف؟
وحين توقفت الحكومة الاتحادية عن دفع حصة الاقليم من ريع النفط المنتج من البصرة وميسان وواسط وذي قار، لم تستطع حكومة الإقليم دفع رواتب موظفيها! وبدلا من اعادة أموال تهريب النفط، رفع مسؤولوا الاقليم عقيرتهم بالصراخ وإلقاء اللوم على الحكومة الاتحادية متباكين على موظفي كوردستان المساكين، متهمين الحكومة الاتحادية بالامتناع من دفع رواتبهم!!!!!
فأين ذهبت أموال نفط كوردستان على مدى السنوات الخمس الماضية والتي تقدر ب27 مليار دولار؟
وأين تذهب عائدات النفط المصدر الآن عبر تركيا؟
فهل سيتم خصمها من حصة الاقليم؟
أم تذهب إلى حسابات لا يعلم بها إلا الله سبحانه وتعالى؟
هذه الأموال تكفي لدفع رواتب موظفي الاقليم لمدة أربع سنوات، لكن الأموال، كما هو معروف للقاصي والداني، ذهبت إلى خزائن للبعض، والكردي المسكين يعرف ذلك لكن لا يستطيع أن يرفع صوته، لأن رفع الصوت في مسألة تتعلق بهذا الموضوع تعني الموت المحقق.
طاولة المفاوضات:
منذ أن نشأت الأزمة ومحاولات التفاوض مستمرة، ووفود الاقليم تتوافد نحو المركز الواحد تلو الآخر، ويخرج المتفاوضون وهم متفائلين بنتائج المباحثات التي توصلوا إليها، لكن، وفي كل مرة، يكون الوفد الكردي لا يمتلك ناصية القرار، فعليه العودة للاقليم وطرح نتائج المفوضات مع المركز، لكن وفي كل مرة لا يجدون سوى اجابة واحدة من رئيس الاقليم صاحب القرار النهائي والقطعي، وهي ""لا""، لأن رئيس الاقليم لا يعرف من جميع اللغات سوى كلمة "لا".
وتبدأ جولة جديدة من المفاوضات بعد قطيعة قد تدوم أشهرا، وتنتهي إلى ما انتهت إليه المفوضات التي سبقتها، فلم تترك الحكومة الاتحادية وسيلة أو فكرة إلا وطرحتها على طاولة المفاوضات، وفي كل مرة تلاقي القبول والترحيب من قبل الوفد الكردي المفاوض، ولكن سرعان ما تسقط الطاولة بعد أن يتركها المجتمعون لأنها برجلين اثنين فقط، وبعد أيام نسمع كلمة "لا" كبيرة جدا من رئيس الاقليم.
فعلى الداعين إلى حل للمشكلة من خلال الحوار والتفاوض الرجوع إلى تواريخ المفاوضات مع الوفود الكردية التي طالما وصفت بالكبيرة وعلى مستوى رئيس الحكومة، لكن لا رئيس الحكومة ولا برلمان كوردستان الموقر يملكون القرار، فهناك دائما شخص واحد يجلس في كوردستان مسترخيا في منتجعه ويبادر من قبل أن يستمع لما تمخضت عنه المفاوضات بالقول "لا"، وينهي الاجتماع، وهذا ما ذكره لي أحد المفاوضين دائمي الحضور ضمن الوفود الكردية التي تأتي للتفاوض في بغداد.
الأداء التركي واهدافه:
سألني أحد الدارسين في الشأن العراقي عن دوافع تركيا وراء تصدير نفط كوردستان، في الوقت الذي ترتبط به مع الحكومة الاتحادية في بغداد باتفاقيات وعهود ومواثيق دولية، فضلا عن المصالح الاقتصادية التي لولاها لما نهض الاقتصاد التركي في العقد الأخير، فحجم تلك المصالح أكبر بكثير مما ستجنيه من الاقليم وبكل الحسابات الاقتصادية المباشرة.
السبب كما أره وباختصار شديد هو الطموح الجامح لساسة الكرد نحو الاستقلال الاقتصادي قبل الانفصال عن الدولة العراقية، وهذا السبب، أو الجموح، بدوره سيحقق لتركيا الذي ما كانت لتحلم به قبل اليوم ومنذ أوائل القرن المنصرم.
لقدعاد من تحت الرماد الحلم التركي القديم بظم المناطق الكردية ونينوى وكركوك إلى تركيا، عاد قويا ينبض بالحيوية، لأن السياسة الكردية تعمل على أساس "اطراف قوية في العراق وقلب ضعيف""، هذه السياسة ستحقق ذلك الحلم التركي الذي مات منذ أوائل القرن الماضي، لأن القيادات الكردية المتطرفة قوميا تعتقد واهمة بأن هذه السياسة ستحقق الحلم الأزلي بدولة كوردية مستقلة، وهذا ما تلقفته تركيا وعملت عليه بمهارة وصلف.
ماذا يمكن أن يتحقق من هذه السياسة؟
بين الإقليم الكوردي والمحافظات المجاورة له مناطق متنازع عليها، منها نينوى التي ما فتئت تركيا تراودها احلام ضمها إلى تركيا بعد أن فقدتها بمعاهدة سايكس بيكو المعروفة، وهذه السياسة الكردية ستساهم بشدة بتحقيق هذا الحلم، لأن بين الاقليم وباقي المحافظات المجاورة أراضي متنازع عليها، وأراضي بين المحافظات نفسها متنازع عليها ايضا، فكل أرض منها عبارة عن فتيل يمكن أن يتفجر في أي لحظة كنتيجة لضعف الحكومة المركزية.
الانفصال عملية غاية بالصعوبة وتحتاج إلى جراحين كبار وتكنولوجيا حديثة، وفي النتيجة سوف يكون لها مضاعفات كبيرة وكثيرة على العراق المريض خصوصا، لذا فإن احتمال نشوب نزاع مسلح بين هذه المحافظات فيما بينها أو مع الاقليم، فإن النتائج ستؤدي إلى امتداد الحريق إلى باقي أنحاء العراق لذات الأسباب، وهذا ما يسعد تركيا ويحقق احلامها خصوصا وان الحكومات المحلية والمجالس في أربيل ونينوى وكركوك تعمل بشكل أو بآخر بأوامر من تركيا هذه الأيام.
فالاقليم الذي يعتقد أنه قويا، بما يملكه من سلاح كان قد استحوذ عليه بعد سقوط النظام السابق، سوف لن يصمد ولو ليوم واحد أمام مناطق ستغذيها تركيا بكل أنواع السلاح لتحارب نيابة عنها.
حتمية تقسيم العراق:
وهكذا نرى بوضوح تام حتمية تقسيم العراق إلى مناطق تتقاتل فيما بينها، فمن المستفيد في مهاية المطاف؟
بلا شك تركيا ستكون أكبر المستفيدين، لأن الاقليم الذي تحيط به ثلاث دول معادية وأربعة أقاليم جديدة معادية أيضا، سيموت من قبل أن يرى النور، أي قبل أن يصوت الكرد على الانفصال عن العراق لتأسيس الدولة المنشودة. وسيذهب الحلم الكوردي في غياهب تركيا بعد أن يبعث أتاتورك من جديد إلى الحياة، ويعود الكوردي لا يستطيع التحدث باللغة الكوردية حتى بداخل بيته.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ليه لا؟ - الحلقة الرابعة | وصفة البراونيز مع الشيف ليلى فتح


.. ليه لا؟ - الحلقة الخامسة | وصفة السينامون رولز مع الشيف ليلى


.. ليه لا؟ - الحلقة السادسة | وصفة الفتة مع الشيف ليلى فتح الله




.. ليه لا؟ - الحلقة السابعة | وصفة الكنافة مع الشيف ليلى فتح ال


.. إيران تجدد الترحيب بالحوار مع السعودية بدون التعليق على تقار