الحوار المتمدن - موبايل


أبي أفضل من أب يوهان باروك التركي

بودريس درهمان

2014 / 6 / 29
سيرة ذاتية


أنا الآخر لدي أبي وأريد أن يصبح موضوعا لكتاباتي لأنه جزء من حياتي و اعتقد صادقا أن أبي أفضل من أب يوهان باروك التركي الذي حاز على جائزة نوبل للآداب. انا لا ابحث عن جائزة نوبل للآداب، أنا أريد فقط أن اكتب عن أبي لأنه لم يكتب عنه أي شخص، خصوصا و انه بطل عظيم بطل من أولائك الأبطال الذين يسمونهم في بلادي "أبطال بلا مجد".
لا زلت أتذكر ذلك الفجر الحزين ليوم من أيام حزيران الحزين. خلال كل السنين التي عشتها شهر حزيران كان دائما حزينا لأنه خلاله ولدت و حتى ولادتي لم تكن طبيعية مثل كل الولادات. كل معارفي و رفاقي ولدوا في ظروف نسبيا جيدة أما أنا فإنني ولدت تحت خيمة في يوم قائظ وعاصف، وحتى لما أرادوا قطع حبل السرة فإنهم لم يجدوا أداة يقطعوا بها حبل السرة غير منجل الحصادين. قاموا بإحمائه بالنار و بعد ذلك قطعوا الحبل. إلى يومنا هذا لا زلت أعاني من نتائج ذلك المنجل لأن سرتي تؤلمني باستمرار.
غادرنا أبي ذات خميس عند الفجر بعد أن قطع الاتصال بنا لمدة تزيد عن ثلاثة أيام. ثلاثة أيام لم يصل منه أي خبر. حاولت مرارا التربص أمام الثكنة عله يخرج منها احد فاسأله عن والدي و حتى العسس الذين يقفون في الباب حاولت مرارا أن احصل منهم على أدنى خبر لكنهم رفضوا الإدلاء بآي معلومة لأن التعليمات هذه المرة كانت صارمة و كانت الحالة أشبه بحالة استنفار قصوى؛
خلال الثلاثة أيام كانوا يحصون عتادهم و يصلحون آلياتهم المعطوبة. كانوا يتهيؤون للالتحاق بساحة المعركة .
بعد الثلاثة أيام جاءنا وسيط يخبرنا بان يوم المغادرة هو يوم الخميس رابع حزيران. منذ الساعات الأولى لهذا اليوم رابطت عند بوابة الثكنة إلى أن ابتدأت الفلول الأولى للسيارات العسكرية تظهر. كانت بعض النسوة مرابطات و بمجرد ظهور الفلول الأولى من السيارات العسكرية بدان قي إطلاق الزغاريد...
دلك الصباح الحزين شاهدت والدي و هو جالس أمام السيارة المصفحة من الجهة اليمنى الموالية للرصيف الذي كنت واقفا على جنباته. شاهدته بعيني المغرورتين و هو جد متعب و الأرق بادي على ملامح وجهه . ناديته بأعلى صوتي "با" كأي طفل صغير يحن إلى والده لم يجرؤ على فعل أي شيء. كل ما فعله هو انه رفع يده اليمنى القريبة مني جدا بشكل متثاقل و ابتسم ابتسامة متعبة. لم استطع مقاومة دموعي و أحسست بملوحتها تنهار بداخل حلقي انتظرت إلى أن انتهت القافلة فعدت إلى المنزل حيث والدتي و إخوتي الصغار.
منذ أن غادرنا أبي إلى ساحة المعركة و نحن لم نعد أطفالا عاديين كنا دائما ننتظر ذلك الخبر الحزين الذي سيصلنا لا محالة. وسائل الاتصال كانت شبه منعدمة و كانت تقتصر فقط على الرسائل التي تصل تقريبا واحدة على رأس كل شهر. والدي لم يدخل إلى المدرسة قط لكن رغم ذلك تعلم الكتابة و القراءة بشكل عصامي. كان يكتب رسائله بنفسه و كان لديه خط مميز و يمكن أن أتعرف عليه حتى بين ألاف المخطوطات.
كل المدة التي انفصل عنا فيها و أنا أحس دائما بالخوف و الرهبة و كنت أقول بداخل نفسي سيأتي ذلك اليوم الذي سيخبروننا بوفاته و سأكون مضطرا لترك الدراسة من اجل إعالة الأسرة. كنت تلميذا نجيبا و كان لدي كبرياء لا يقهر. كنت دائما أخاف أن يأتي ذلك اليوم الذي ساترك كبريائي جانبا و أتحول إلى عامل بناء أو عامل في النجارة التي كانت تستهويني.
مرت على هذه الحالة عشر سنين إلى أن جاء ذلك اليوم المعلوم و الذي هو يوم خميس من شهر حزيران اللعين الذي يلاحقني منذ ولادتي. غادرنا والدي إلى ساحة المعركة يوم الرابع من شهر حزيران و هو نفس الشهر و نفس اليوم الذي بلغتنا فيه و فاته.
كنت جالسا في مقهى تيفولي و كنت على أهبة لفتح جريدتي المفضلة حينما وقف أخي الصغير أمامي و عينيه مغرورتين و قال لي" لقد مات أبي". لم أتمالك نفسي فسألته من أخبركم بذلك فقال "لقد زارنا الدرك في المنزل و اخبرونا بأنه علينا الذهاب إلى مدينة مراكش للتعرف عليه و ترحيل جثته أو القيام بطقوس الدفن هناك. تركت جريدتي و تركت قهوتي التي تفوح منها الرائحة التي تنعشني كل صباح. توجهت إلى المنزل فوجدت والدتي في حالة يرثى لها وجدتها شبه مغمى عليها فسألتها عن صحتها وواسيتها بعد أن تفقدت كل إخوتي و نبهتهم إلى أن يتحملوا مسؤولياتهم لان والدتنا الآن لا تقوى على القيام بأي شيء. حملت دفتر شيكات والدي و توجهت إلى مركز الدرك الملكي حيث أمدوني بمحتوى الإرسالية التي وصلتهم البارحة بالليل. توجهت إلى مكتب البريد و قمت بصرف شيك بألف درهم كنت أقوم بالتوقيع مكان والدي هو من علمني ذلك و هو من أراد أن أتعلم ذلك لأنه سيأتي فيه اليوم للقيام بذلك التوقيع مكانه.
توجهت إلى مدينة مراكش رافقني عم والدي و احد أقربائي وصلنا إلى المدينة مساءا و في الصباح واكبت متابعة إجراءات الغسيل و الترحيل. في أول الأمر سألني احد المسئولين هل سأقوم بترحيله أم سأقوم بدفنه في نفس المدينة التي توفي فيها. أجبته بدون أي اهتمام بقيمة السؤال الذي طرحه علي "مادام قد توفي فمكان الدفن بالنسبة لي لم يعد له أي معنى"
عمي، أي عم والدي غضب من هذا الرد الصبياني فأجاب المسئول بصرامة غير معهودة "سنقوم بترحيله إلى موطنه الأصلي ليدفن وسط أهله وأحبابه لأننا لم نتعود أن نترك أبناءنا يدفنون في الغربة" لم تحرك في كلمات عمي أي إحساس لأنني اعرف جيدا أن والدي لسنين عدة وهو يعيش مغتربا خارج أحاسيسه ووجدانه لقد حولته فترة المقاومة التي قضاها في بادئ الأمر و هو يحارب المحتل الفرنسي و حولته مهنة الجندية التي احترفها لأنه لم يكن يتقن غير القتال من اجل الوطن حولته هذه المحن إلى إنسان يعيش من اجل حياة الآخرين و ليس من اجله و كان هؤلاء الآخرين هي عائلته التي وهب حياته كلها من اجلها. أليس أبي أفضل من أب يوهان باروك التركي الذي لم يترك لابنه غير محفظة، اما ابي فقد ترك لي قضية و هي سبب وفاته المجهولة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. السودان يستبعد -الخيار العسكري- في الخلاف مع إثيوبيا بشأن سد


.. ميساء بن ميم.. طفلة تونسية تحدت فقدان بصرها حتى أصبحت ا?يقون


.. مصر .. السيسي: روابط تاريخية تجمع بين مصر وتونس




.. طهران تبدأ باستخدام أجهزة طرد مركزي حديثة | #رادار


.. استمرار الاستعدادات ببريطانيا لتشييع جنازة الأمير فيليب | #ر