الحوار المتمدن - موبايل


الترتيبات الدولية الجديدة لإدارة مناطق النزاع

بودريس درهمان

2014 / 7 / 1
مواضيع وابحاث سياسية


اختيار رئيس وزراء دوقية اللوكسمبورغ ذي التوجه الفدرالي لرئاسة اللجنة الاوروبية هو بالتأكيد اختيار ضمن ترتيبات دولية جديدة متوافق حولها لمعالجة أحداث سياسية دولية جد مستعصية و هذه الترتيبات الجديدة يمكن تلخيص أهم توجهاتها الكبرى في نقطتين أساسيتين: النقطة الاولى هي السعي الحثيث الى توطيد مقومات نظام فدرالي على المستوى الدولي و ذلك حتى لا تبقى هنالك قوة أو قوتين سياسيتين دوليتين متنفذتين و متنازعتين حول قضايا العالم و هذا النظام الفدرالي الدولي من الضروري ان يكون مسندا بترتيبات فدرالية على المستوى الجهوي و المحلي.
النقطة الثانية من الترتيبات الجديدة و الواضحة المعالم و هي ان المناطق الدولية التي تعرف نزاعات قوية يجب معالجتها باحترام مكونات النظام الطائفي المميز سواء على المستوى الثقافي-اللغوي او العقائدي-ألاثني و هذا النظام الطائفي المميز يجب دعمه بواسطة تمثيلية سياسية منبثقة عن حكم ذاتي محلي يحترم اسس الديمقراطية المحلية و ثوابت الحكامة الجيدة.
هاتان النقطتان المتوافق حولهما تؤكدان بأنه لا مجال لإعادة النظر في حدود الدول الموروثة عن الاستعمار الاوروبي أو حتى قبله، فدولة العراق مثلا التي ستشملها هذه الترتيبات ستبقى هي دولة العراق و نفس الشيء بالنسبة لدولة سوريا ستبقى هي دولة سوريا و كل المناطق التي تعرف نزاعات قوية كليبيا و الجزائر و حتى المملكة المغربية ستضطر هذه الدول لاحترام هذه الترتيبات الدولية المتوافق حولها و إلا ستتعرض مجالاتها السيادية لاضطرابات قوية.
في ما يخص العراق و سوريا فخروج ما يسمى بالدولة الاسلامية في العراق و الشام، داعش، من الاراضي السورية و مساعدة مقاتليها بكل الوسائل المتاحة بما فيها انسحاب الجيش العراقي النظامي من ساحة القتال حتى يستطيع مقاتلو داعش الاستيلاء على المناطق العراقية ذات المكون السني المميز هذه العملية تدخل كلها ضمن الترتيبات الواضحة المعالم المتوافق حولها و المجسدة للنقطتين السالفتي الذكر و المحددتين في التوجه الفدرالي و الحكم الذاتي المحلي بالإضافة الى الديمقراطية المحلية و الحكامة الجيدة.
الطائفة السنية بدولة العراق التي تضررت كثيرا و التي لم تعد لها تمثيلية سياسية على مستوى المؤسسات السياسية العراقية اضطرت الى الاستنجاد بمقاتلي داعش الذين ليسوا في واقع الامر إلا ادواة اجرائية وظيفية لتحقيق اهداف سياسية يمكن تحديدها حاليا في الاختيار الفدرالي و الحكم الذاتي المحلي.
معظم التنظيمات الاسلامية التي تعتمد على الارهاب في تحقيق اهدافها هي ادواة اجرائية وظيفية فقط لإعادة بناء الانظمة السياسية المتآكلة و فق مقومات النظام العالمي الجديد لأنها هي من يتوفر على الحماس و القوة الايديولوجية لتحريك المناطق الاسنة المتوفرة على الثروات و التي بها يتم تحقيق اهداف اعادة البناء.
دولة العراق الفدرالية بسبب التوجهات الغير فدرالية لرئيس وزرائها الشيعي نوري المالكي دفعت الطائفة السنية بداخل العراق الى التحالف مع داعش و مع تنظيم القاعدة و خروج داعش من الاراضي السورية و استيلائه على المناطق ذات الاغلبية السنية مع انكفاء الزعامات الروحية للمناطق ذات الاغلبية الشيعية هو مؤشر لإعادة بناء النظام الفدرالي العراقي على اساس طائفي مميز و هذا النظام الطائفي المميز سيضطر الى اللجوء الى تعديلات دستورية تخول للمناطق السنية و المناطق الشيعية الحق في حكومة محلية منبثقة عن حكم ذاتي محلي.
التوجه الفدرالي المقبل لمؤسسة اللجنة الاوروبية التي هي بمثابة الجهاز التنفيذي للاتحاد الاوروبي و التي يوجد على رأسها حاليا رئيس الوزراء لدولة اللوكسومبورغ ذي التوجه الفدرالي المسند من طرف الولايات المتحدة الامريكية سيجعل هذا التوجه يعرف استقطابا دوليا و سيساهم هذا الاستقطاب في توطيد رؤيا مستقبلية تعيد ترتيب المناطق الدولية التي تعرف نزاعات قوية على اساس نظام طائفي مميز تمثله في اقصى الحالات حكومة منبثقة عن حكم ذاتي محلي . ممثلو هذا الحكم الذاتي المحلي ليس لهم الحق في اعادة النظر في حدود الدولة التي ينتمون إليها، لهذا السبب فدولة العراق ستبقى هي دولة العراق و دولة سوريا ستبقى هي دولة سوريا و نفس الشيء بالنسبة لكل المناطق الدولية التي تعرف نزاعات قوية. لمن لديه شك في هذه المسألة ما عليه إلا الاطلاع على مشروع دستور اقليم كردستان العراق الذي يؤكد في مادته الاولى من الباب الاول على ان "اقليم كردستان العراق هو اقليم ضمن دولة العراق ألاتحادية" و في المادة الثانية من نفس الباب يضيف هذا الدستور "سيتم تحديد حدود هذا الاقليم السياسية بالاعتماد على المادة 140 من الدستور الاتحادي".
التوجه الفدرالي المقبل على اساس طائفي مميز و المجسد بواسطة الحكم الذاتي المحلي الذي تنبثق عنه حكومة محلية ليس لها الحق في اعادة النظر في حدود الدول سوف يكون هو الترتيب المرتقب لمجموعة من المناطق التي تعرف نزاعات بما فيها دولة العراق الواضحة المعالم و دولة سوريا الغامضة المستقبل بالإضافة الى دولة ليبيا التي هي الاخرى ذات النظام الفدرالي الطائفي المميز. الدولة التونسية لا تدخل في هذا الاطار بحكم انه ليس فيها نظام طائفي مميز.
بداخل دول الاتحاد الاوروبي هنالك اشكال متعددة كثيرة لممارسة مهام السيادة على المناطق التاريخية المميزة و كان من الممكن للمناطق التاريخية المغاربية المميزة ان تستفيد هي الاخرى من هذه الاشكال المتعددة لممارسة السيادة إلا ان تخلف القادة المغاربيين و عدم رغبتهم في الاستفادة من هذا المعطى الحضاري جعل مناطقهم التاريخية عرضة للاضطرابات و للأطماع الخارجية.
فمنطقة تلمسان المغاربية مثلا التي انتقلت سيادتها تاريخيا بين المملكة المغربية و دولة الجزائر كان من الممكن لو انتصرت فيها الروح المغاربية على روح العروبة و الاسلام ان تكون هذه المنطقة هي بمثابة منطقة ألانطلاق، لأن وضع منطقة ماستريشت الهولاندية التي تم الانطلاق منها لبناء الاتحاد الاوروبي عبر المعاهدة المعروفة التي تحمل نفس الاسم هو نفس الوضع الذي تتميز به منطقة تلمسان بين المملكة المغربية و الجمهورية الجزائرية بل و هو نفس الوضع الذي تتميز به منطقة غدامس بين الجمهورية الجزائرية و دولة ليبيا.
الاتحاد المغاربي، المنصوص عليه في الدستور المغربي، و الذي كان من الممكن، لو استفاد القادة المغاربيون من هذا المعطى أن يكون اليوم اتحادا مغاربيا قائما على المناطق التاريخية المميزة. لكن للأسف الشديد الجمهورية الجزائرية التي لازالت لم تتخلص بعد من ارثها اليعقوبي البعثي جعلتها تتعامل مع المناطق المغاربية المميزة بنفس التعامل الذي كان حزب البعث العراقي يتعامل به مع المناطق العراقية المميزة. الساسة الجزائريون النافذون يتعاملون مع منطقة القبائل و منطقة غرداية و مناطق جنوبية اخرى من الجمهورية الجزائرية بنفس الطريقة التي كان حزب البعث العراقي البائد يتعامل بها مع المناطق الكردية و المناطق الشيعية بل اكثر من ذلك يتعاملون حتى مع منطقة الصحراء المغربية التي ليست ضمن ترابهم على اساس انها دولة الكويت التي يجب ان تحصل على الاستقلال لكي يقوم الجيش الجزائري بغزوها و ضمها الى دولة الجزائر الكبرى تماما كما فعل ذلك المرحوم صدام حسين مع دولة الكويت لما عمل على الحاقها بدولة العراق الكبرى.
المناطق المغاربية المميزة هي ثروة مغاربية هائلة و الاعتراف بهويتها التاريخية سيجعل منها واحات لديمقراطية الاتحاد المغاربي الذي من الضروري ان تنضم اليه الجمهورية المصرية ذات الكثافة السكانية الواضحة و المناطق التاريخية المميزة كذلك.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. السودان يستبعد -الخيار العسكري- في الخلاف مع إثيوبيا بشأن سد


.. ميساء بن ميم.. طفلة تونسية تحدت فقدان بصرها حتى أصبحت ا?يقون


.. مصر .. السيسي: روابط تاريخية تجمع بين مصر وتونس




.. طهران تبدأ باستخدام أجهزة طرد مركزي حديثة | #رادار


.. استمرار الاستعدادات ببريطانيا لتشييع جنازة الأمير فيليب | #ر