الحوار المتمدن - موبايل


صراع القوى الإقليمية على رقعة الشطرنج العراقية

جاك جوزيف أوسي

2014 / 7 / 1
مواضيع وابحاث سياسية


تقع منطقة الهلال الخصيب في منطقة تُعد من أهم المناطق الاستراتيجية في العالم، فهي نقطة تقاطع العوالم الفارسية والتركية والعربية، والحدود الفاصلة بين الشرق ذي الحضارة الكنفوشيسية - الإسلامية، والغرب الذي بنى مدنيته معتمداً على التراث اليوناني وأصول الفكر المسيحي. هذه المنطقة تُعتبر نقطة انطلاق الديانات الإبراهيمية الثلاث، وفي مدنها وُضعت أصولها ومبادئها.
تاريخياً كان الهلال الخصيب نقطة الانطلاق لتأسيس إمبراطوريات كبرى عندما كانت شروط القوة تتحقق لدى أبنائه، وفي أيام الضعف كان الحدود الفاصلة بين الإمبراطوريات التي تصارعت على أراضيه، بدءاً من اليونان مروراً بالرومان والفرس والعثمانيين، حتى جاءت العصور الحديثة ووقعت المنطقة تحت نير الضاريين الفرنسي والإنكليزي. وفي عصر الحرب الباردة ازدادت أهمية هذه المنطقة لأنها تُعتبر الحدود الطبيعية إلى منابع النفط في الخليج، دون إغفال الثروات الباطنية التي تحتويها أراضيه، ونقطة الوثوب إلى قلب الاتحاد السوفييتي سابقاً، والقاعدة التي قد تحدد حدود الصين. ومن يسيطر عليها سيتمكن من التحكم بقلب العالم القديم ويهدد قاراته الثلاث.
ومع عودة الصراع على الشرق الأوسط، ازدادت أهمية القسم الشرقي من الهلال الخصيب أو العراق، وخصوصاً مع تواتر الحديث عن مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يهدف إلى تقسيم المناطق على أسس مذهبية وقومية، إذ إن التركيبة السكانية وتوزعها تسمحان ببدء تنفيذ هذا المشروع انطلاقاً من أراضيه، فلكل مجموعة سكانية عمق استراتيجي لها في الدول المجاورة التي حاولت استخدام هذه المجموعات لتنفيذ استراتيجيتها للتحول إلى قوى إقليمية، خصوصاً بعد أن قررت الولايات المتحدة الأمريكية الانسحاب من منطقة الشرق الأوسط وتركيز قوتها في المحيط الهادي، كي تحتوي المارد الصيني الصاعد.
الحسابات السعودية
يبدو كبح التطورات في العراق خارج قدرة حكومة المالكي وحدها، فما يجري في العراق هو في وجه من الوجوه صراع إقليمي على الأرض العراقية بين السعودية وإيران. تتخوف السعودية من تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة في أعقاب عام 2003 بحيث أصبحت إيران تمد نفوذها السياسي من حدودها الغربية إلى شواطئ المتوسط، في الوقت الذي تعاني فيه السعودية من فتور نسبي في علاقاتها مع واشنطن، وتواجه تحديات جيو - سياسية كبيرة في أعقاب (الربيع العربي). يبدو أن تقييم الرياض لدورها في المنطقة يمتد حتماً إلى محاولة إعادة النفوذ الإيراني إلى ما وراء حدوده، وهو أمر لن يتأتى إلا بمواجهة إيران في مناطق نفوذها التي انتزعتها منذ الغزو الأمريكي العراق عام 2003. كما أن تحويل الصراع في المنطقة إلى صراع طائفي يخدم أغراض الرياض مثلما يخدم، للمفارقة، أغراض طهران، لأن الفرز على القاعدة الاجتماعية أو القومية لا يفيد أياً منهما. هكذا تستفيد الرياض من الغبن السياسي الذي يتعرض له السنّة في النظام العراقي الجديد، وتدمجه مع الحراك السوري الذي استحال حرباً أهلية بين الطوائف. أما من حيث التكلفة السياسية لهذا الانخراط، فتبدو ضئيلة، خصوصاً مع تعرض المحور الذي تقوده إيران لضغوط على كل المحاور، ابتداء من الملف النووي، مروراً بالحراك العراقي الناهض نتيجة تهميش حكومة المالكي لفئات عراقية كبيرة، والصراع الدائر في سورية بين قوى تكفيرية والحكومة السورية، ومسألة سلاح (حزب الله) في لبنان. لذلك ستستمر السعودية في دعم هذه الأطراف في العراق وسورية ولبنان، وهدفها الأساسي تقليم النفوذ الإيراني في المنطقة، وهي تعلم أن معركة بهذا التعقيد وتعدد المستويات لا يمكن ربحها بالفوائض المالية وحدها، وهنا مأزق السعودية الأساس.
الحسابات الإيرانية
تتعرض إيران لأكبر تحدّ إقليمي منذ سنوات، فنفوذها الذي نسجته في العراق من وراء الستار منذ عشر سنوات يهتز.. صحيح أن موازين القوى لا تميل حتى الآن لمصلحة الأطراف المحلية التي تخاصمها في العراق، إلا أن الجوار الجغرافي الذي يصل بين وسط العراق والرقة السورية (على شفير الانفصال) يسبب لها أرقاً دائماً. لا تستطيع إيران إلا الاصطفاف وراء نوري المالكي، إذ إن إعادة توزيع السلطة في بغداد، لو حدثت، ستحسم من رصيد إيران السياسي. تبدو خيارات إيران صعبة كلها في العراق مثلما في سورية، وتتفاقم الأزمة بفعل الضغوط الاقتصادية الطاحنة بسبب العقوبات المفروضة عليها. لم تستطع الرياض أن تجاري طهران في شعاري (الممانعة) و(المقاومة) اللذين رفعتهما طهران وأسست بوحيهما منطقة نفوذ إقليمي غير مسبوقة في تاريخها الحديث، ولكن طهران لا تملك الفوائض المالية التي يمكنها بها أن تجاري انخراط الرياض في الصراع الجاري في المشرق العربي، كما أن ازدياد مساحات الهوامش التركية في المنطقة على خلفية صراع النفوذ مع إيران يحسم أيضاً من رصيد إيران الإقليمي، وهنا تبدو الأزمة الإيرانية في أكثر تجلياتها وضوحاً. تحول الصراع من إيديولوجيا مغلقة، ممانعة، في مواجهة اعتدال، إلى صراع مذهبي مفتوح لا يبدو مواتياً.
المشروع التركي
شكّلت تداعيات الأزمة السورية والأحداث التي طرأت أخيراً على الساحة العراقية الفرصة التي انتظرها العثمانيون الجدد في أنقرة كي يُحيوا من جديد مشروع إعادة بناء إمبراطوريتهم التي انهارت بعد خسارتهم الحرب العالمية الأولى، واللحظة المناسبة كي ينتقموا من العرب الذين يعتبرونهم السبب المباشر لتلك الهزيمة، ويستعيدوا ما يعتبرونها أراضيهم التي سُلِبَت منهم بعد توقيعهم لاتفاقية الاستسلام عام 1918.
هذا المشروع وُضِعَ موضع التنفيذ مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم في أنقرة عام 2002 واتُبِّع في سبيل تحقيق ذلك مبدأ (القوس المشدود والسهم المندفع) الذي يسعى إلى تحقيق هدفين، الأول يمثل الدور الريادي الذي بدأت تركيا تلعبه على امتداد العالم الإسلامي والنموذج الذي يقدم الوجه الحضاري للإسلام المعتدل، في مقابل نماذج أخرى للإسلام في المنطقة مثل التشدد الوهابي والطالباني. أما الثاني فهو السهم الذي سيندفع بقوة نحو الغرب ومن موقع القوة. فالغرب الذي لم يقبل بانضمام دولة علمانية بهوية إسلامية كما تعّرف تركيا نفسها، سيقبلها مرغماً بعد أن تكون قد رسّخت أقدامها في الشرق قوة إقليمية. ومن هنا نلحظ أن الاندفاع التركي نحو منطقتنا هو تحرّك تكتيكي بهدف تحقيق الهدف الاستراتيجي المتمثل بالانضمام إلى الاتحاد الأوربي.
الهدف الإسرائيلي
تهدف تل أبيب إلى نشر الفوضى وتسعير النزعة المذهبية والقومية في المنطقة عموماً، والعراق خصوصاً، وتعمل على تشجيع النزعات الانفصالية القومية والدينية حتى تتمكن من إعلان يهودية الدولة وحل القضية الفلسطينية على حساب الدول التي ستنشأ، والتي ستكون مشغولة في الصراعات البينية التي ستنشأ بينها، مما يسمح لإسرائيل بالتحول إلى ضابط إيقاع صراعات المنطقة بما يحقق مصلحة تل أبيب في السيطرة على مقدرات المنطقة وثرواتها، وتتمم مشروع (تيودور هرتزل) الذي هدف إلى تحقيق السيطرة على المناطق الزراعية الخصبة في جنوب سورية والجزيرة العراقية والسورية.
حلم الأكراد
يُشكل الأكراد الشريحة العددية الرابعة في منطقة الشرق الأوسط بعد العرب والأتراك والإيرانيين. وقد خرجوا بعد الحرب العالمية الأولى بلا أي مكاسب سياسية، بعد أن رسمت اتفاقية سايكس - بيكو خرائط المنطقة التي كانت واقعة تحت الاحتلال العثماني في آسيا العربية. هذه الاتفاقية منحت صفة الدولة القومية لإيران وتركيا، بينما قسّمت العرب إلى كيانات متناثرة، ووزعت الأكراد بين ثلاث قوميات، العربية في العراق وسورية والتركية والفارسية. وفي المسار التاريخي برزت الحركة الكردية بصورة قوية وعنيفة في تركيا والعراق، بينما كانت خافتة في سورية والعراق وإيران. ففي العراق تمكنت الحركة الكردية من تحقيق أهدافها بصورة شبه كاملة، وخصوصاً بعد الغزو الأمريكي للعراق ونشوء العراق الجديد، فقد تم اعتماد النظام الفيدرالي في دستور ما بعد صدام حسين، وتحولت مناطق الأكراد في شمال العراق إلى فدرالية كردية أقرب إلى الدولة المستقلة.
وبعد تحرك قوات (داعش) وجيش الطريقة النقشبندية وسيطرتهما على مساحات واسعة من العراق، دخلت القوات الكردية (البشمركة) إلى مدينة كركوك معلنةً، على لسان مسعود البرزاني، ضمها إلى إقليم كردستان العراق. الأمر الذي يُبشر ببدء العمل على إعلان الدولة الكردية المستقلة التي تنتظر نهاية المفاوضات الجارية بين تركيا من جهة ومسعود البرزاني وعبدالله أوجلان من جهة أخرى. هذه المفاوضات التي تأمل أنقرة منها تحقيق تحالف تاريخي بينها وبين الأكراد يسمح لها بالسيطرة على المنطقة، معيدة بذلك الحلف التاريخي بين السلطان سليم والشيخ القبلي الكردي أدريس البدليسي الذي كان من نتائجه حصر الصفويين في حدود إيران الحالية وسمح للسلطان سليم بالتوجه إلى احتلال بلاد الشام والحجاز ومصر وإعلان بدء خلافة بني عثمان.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الكاتب بسام الهلسه يتحدث في ذكرى معركة الكرامة Rania Haddad


.. هل ستؤسس قضية مقتل جورج فلويد لمرحلة جديدة في الولايات المتح


.. الحوثيون يكثفون هجماتهم للاستيلاء على مدينة مأرب الاستراتيجي




.. مجلس النواب الباكستاني يصوت الجمعة على طرد السفير الفرنسي


.. أبل تكشف الستار عن مجموعة جديدة من منتجاتها الذكية