الحوار المتمدن - موبايل


تداعيات إعلان الخلافة الإسلامية على دول المنطقة والعالم

جاك جوزيف أوسي

2014 / 7 / 8
مواضيع وابحاث سياسية


منذ تأسيس تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، المعروفة إعلامياً باسم "داعش"، كان التصعيد السياسي والأمني والعسكري من أبرز سماتها، فمنذ 10 نيسان 2013، تاريخ ولادة الدولة الرسمي، وهي في حركة مستمرة تزرع الخراب والدمار في أي مكان حل به أفرادها ويحصد سكان المنطقة الموت والشقاء من جراء تصرفات أفراد هذا التنظيم، والذي أعاد لهم ذكريات غزوات المغول والتتار للمنطقة في القرون الوسطى وما رافقها من مآسي وكوارث يشيب لهولها الولدان.
هذه الحركة بلغت ذروتها مع حلول شهر رمضان المبارك عندما أعلن المتحدث الرسمي باسم "داعش" أبو محمد العدناني "إعلان الخلافة الإسلامية" واختيار زعيم تنظيم "داعش" عبدالله إبراهيم بن عواد الملقب بأبي بكر البغدادي "خليفة للمسلمين في كل مكان". فتحت عنوان " هذا وعد الله" نشرت المؤسسات الإعلامية التابعة للتنظيم خطاب أبو محمد العدناني الذي أعلن فيه أن "الدولة الإسلامية ممثلة بأهل الحل والعقد فيها، من الأعيان والقادة والأمراء ومجلس الشورى، قررت إعلان قيام الخلافة الإسلامية، وتنصيب خليفة للمسلمين ومبايعة الشيخ المجاهد ... عبد الله إبراهيم بن عواد ... وقد قبل البيعة، فصار بذلك إماماً وخليفة للمسلمين في كل مكان".
وبحسب بيان العدناني، يأتي إعلان "الخلافة" بعد أن قامت "الدولة الإسلامية" بفرض جميع الواجبات "الشرعية"، مثل تأسيس "المحاكم الشرعية" وإقامة الحدود وفرض الجزية وغيرها، بحيث لم يبق إلا "واجب واحد... أمل يرفرف له قلب كل مجاهد موحد، ألا وهو الخلافة واجب العصر المضيع".
وإعلان "الخلافة" يعني أنه أصبح من واجب كل مسلم أن يبادر إلى مبايعة "خليفة المسلمين" الجديد، وإلا مات ميتة جاهلية، كما أنه بإعلان "الخلافة" تبطل شرعية جميع "الإمارات" الأخرى.
التداعيات على صعيد تنظيمات "الجهاد العالمي"
تداعيات إعلان "الخلافة" ستنصب في جانبها الأهم على تنظيمات "الجهاد العالمي" وعلاقتها مع بعضها البعض، بينما ستكون تداعياتها على التطورات العسكرية الميدانية في كل من سوريا والعراق محدودة، أو مقتصرة على جانب رفع معنويات "الجهاديين" وإعطائهم دافعاً جديداً للاستبسال في القتال، وهو الدفاع عن "بيضة الخلافة" حارسة الدنيا والدين بحسب أدبيات فقه الخلافة في الإسلام.
ويعزز من ذلك العودة إلى خطاب المتحدث الرسمي باسم "داعش" أبي محمد العدناني المعنون "عذراً أمير القاعدة"، والصادر في الأسبوع الثاني من أيار 2014، حيث جعل فيه إعلان "الخلافة" الحل الوحيد لحقن دماء "المجاهدين"، وإنهاء الانقسام في صفوف "الجهاد العالمي"، وهو ما يشير إلى أن حالة الانقسام والخلاف التي تحولت إلى اقتتال عنيف كان لها دور ربما في تسريع اتخاذ خطوة الإعلان عن "الخلافة" بهدف فرض الأمر الواقع على جميع الفصائل والتنظيمات، ووضعها أمام خيارين لا ثالث لهما: "إما معنا أو ضد الخلافة".
و كانت "إمارة القوقاز" قد استبقت إعلان "الخلافة" باتخاذ موقف مناهض لـها ومؤيد لـ"جبهة النصرة". وبناءً عليه، فإن معركة كسر العظم على المدى البعيد ستكون بين "الدولة الإسلامية" من جهة وبين "تنظيم القاعدة " ومن ورائه "إمارة أفغانستان الإسلامية" بقيادة الملا عمر من جهة ثانية، فـ"جبهة النصرة" ليست مرتبطة بتنظيم القاعدة فقط، لأن في عنق القاعدة بيعة لأمير "إمارة أفغانستان" الملا عمر، وبالتالي فإن "النصرة" تخوض حرباً بالوكالة عن الملا عمر وأحقيته بـ"خلافة" الإسلام والمسلمين بناء على أسبقية البيعة له.
إعلان الخلافة وانطلاق حرب المذاهب الإسلامية
دأبت مراكز صنع القرار الإقليمية والدولية على التخطيط لإدخال المنطقة في أتون حرب مذهبية – دينية بهدف إلهائهم عن الأخطار الحقيقية المحدقة بهم، وأهمها الخطر الصهيوني ومشروع الدول الإمبريالية الذي يهدف إلى السيطرة على المنطقة اقتصادياً وثقافياً وعسكرياً.
وإعلان الخلافة وبدءها بمهاجمة المخالفين فكرياً وعقائدياً ومذهبياً ودينياً لها وتدميرها لدور عبادتهم ومزاراتهم الدينية يصب في هذا المخطط. فقد سعت مراكز القرار هذه إلى إبراز مجموعات دينية متطرفة كي تتولى الحكم في المنطقة، لتعمل على القضاء على كل مظاهر الفكر والتقدم والانفتاح والتعايش بين جميع مكوناتها الاجتماعية والدينية والعرقية، وتُغرق المنطقة في التعصب والجهل.
والمحصلة المنطقية لهذا المخطط هو تفتت المنطقة إلى دويلات تُقسّم على أسس دينية ومذهبية وقومية. ما يجعل من وجود إسرائيل كدولة يهودية أمراً طبيعياً في محيط من الدويلات المتناحرة والمتحاربة بسبب الخلافات المذهبية والطائفية، وقد تكون إسرائيل حينها قبلة تلك الدويلات التي يمكن لها أن تسعى للتحالف معها بسبب علاقات القرابة بين أبناء سارة والمنحدرين من صلب هاجر، زوجتا النبي إبراهيم الذي تعتبره كل الأديان السماوية جدها المؤسس.
خطاب الخلافة والعودة إلى فتوى ماردين
فتوى ماردين هذه ابن تيمية حين سؤل عن ما إذا كان قتال التتار ومن حالفهم وظاهرهم من أهل ماردين وأهل الأمصار المحيطة بها جائزاَ شرعاً. لأن التتار في ذلك الوقت كانوا مسلمين واعتبرهم البعض أولياء الأمور في البلاد التي حكموها ولذلك وحسب فقه الديني السائد حينها، لا يجوز قتال المسلمين أو الخروج عن طاعة ولي الأمر، أي لا يجوز قتالهم. وأهم ما تحتويه هذه الفتوى أنها أضافت تقسيماَ جديداَ للتقسيم الفقهي السائد لمفهوم الديار (دار كفر و دار إسلام) وما يترتب عليه من أحكام فقهية وهو تقسيم (الدار المركبة) التي يحكمها ويمسك بزمام الأمور فيها مسلمون ويكون قضاتها وجندها كذلك مسلمون ولكنهم فاسقون أو ظالمون أو لصوص يسرقون مال الرعية وهنا ينطبق عليها حكم دار الحرب من جواز قتالهم والخروج عليهم ولكن ينطبق على عامة سكانها في نفس الوقت وصف أهل دار الإسلام فتجب حقن دمائهم ولا يجوز المساس بهم أو إيذائهم. وهذا ما لم يُطبق في أي وقت من الأوقات بسبب فتوى التترس الذي أطلقها أيضاً ابن تيمية، واختلاف قراءة كلمة في فتوى مارين بخصوص غير المسلمين ... ويقاتل [ويعامل] الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه.
وقد استلهمت معظم الحركات الإسلامية السياسية الحديثة فكرها في جواز التمرد على الأنظمة القائمة الفاسدة أو المتعاونة مع "أعداء الأمة" والاعتداء على المواطنين الآمنين من روح ونص فتوى ماردين هذه.
ويُعد أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة السابق أول من استعاد هذه المفردات في بداية القرن الواحد والعشرين في خطابه بُعيد هجمات 11 أيلول 2001 حين قال"إنّ هذه الأحداث قد قسمت العالم بأسره إلى فسطاطين: فسطاط إيمانٍ لا نفاق فيه، وفسطاط كُفْر". وتوعّد بالثأر من واشنطن بسبب ما تعيشه البلاد الإسلامية من بؤس بسببها. ولم يشّذ البغدادي عن هذا الخطاب حين قسّم العالم إلى "فسطاطين اثنين، وخندقين اثنين. فسطاط إسلام وإيمان، وفسطاط كفر ونفاق"، واضعاً في "الفسطاط الثاني" كلّ "أمم الكفر، وملله. تقودهم أميركا وروسيا، ويحركهم اليهود".
ففي خطابه الأول الموجّه لرعيته، دعا البغدادي جميع المسلمين إلى "الهجرة إلى دولة الإسلام"، إذ "ليست سورية للسوريين، وليس العراق للعراقيين". وشدّد "الخليفة إبراهيم" على أنّ "الهجرة إلى دار الإسلام واجبة على من استطاع". وبطريقة توحي بحرص "دولة الخلافة" على "الرعيّة"، خصّ "أمير المؤمنين" بندائه "طلبة العلم والفقهاء والدعاة، وعلى رأسهم القُضاة وأصحاب الكفاءات العسكرية والإدارية والخدمية ... فالنفير واجبٌ عليهم وجوباً عينيّاً". وضمّن دعوته إشارة إلى أن "أصحاب الكفاءات" سيحظون بمكانة خاصة، حيث "الناس متعطشون لمن يعلمهم، ويفقههم". ولأن "دولة الخلافة" هي "دولة جهاد"، فقد حرص "الخليفة" على إنهاء رسالته كما بدأها بمخاطبة "جنود الدولة"، فقال مؤكداً: "لا أخشى عليكم كثرة أعدائكم ... وإنما أخشى عليكم من ذنوبكم، وأنفسكم". واختتم بالتأكيد على أن "هذه وصيتي لكم، فإن التزمتموها لتفتحُن روما، ولتملكُنّ الأرض إن شاء الله".
هذا الخطاب، في عصر أصبحت فيه الأمم تسعى إلى الانفتاح على الأخر والتحاور مع المخالف فكرياً واجتماعياً، وبدأت فيه الدول بالعمل على تفّعيل مفهوم المواطنة بغض النظر عن أي انتماءات أُخرى، وأصبح لدى بعض القوى العالمية من السلاح التقليدي وغير التقليدي ما يمكّنها من تدمير الأرض وما عليها فما بالك بهذه الدولة، غير مستساغ بل هو يخالف حتى القراءة التاريخية لحركة الإسلام حيث يُجمع المؤرخون أن الفترة التي تُعتبر فترة الخلافة الحقيقية هي عصر الخلفاء الراشدين الأربعة أما ما تلاها في فترة الملك العضوض منذ عصر الأمويين إلى العثمانيين الذين كانوا أشد الناس ظلماً للمسلمين عموماً والعرب خصوصاً بعد أن منعوا عنهم وسائل العلم والمعرفة وساهموا في تخلفهم بشكل كبير. ولا تزال المنطقة حتى الآن تعاني من آثار هذا الاستعمار العثماني الذي لبس لبوس الدين حتى هذه اللحظة.
إن مواجهة هذا الفكر تملي الاعتراف بأنه نبتة سامة ظهرت بيئة احتضنتها وساعدت على نموها، ولا يمكن اجتثاثها سوى بتجفيف منابعها في هذه البيئة، والتي قد تنتج ظواهر ربما أكثر تطرفاً من (داعش)، وفي مقدمة تلك المنابع استمرار الصراعات الدموية على السلطة، والتنكر لقيم الحرية والديمقراطية والتعددية والمواطنة كحقوق أصيلة للفرد، والمراهنة على الحلول الأمنية والعسكرية في معالجة الأزمات التي تعصف بالمجتمع، واستشراء الفساد السياسي والاقتصادي والمالي وتراجع مكانة الدولة وسلطتها، وظهور النعرات الطائفية والمذهبية بتشجيع من قوى سياسية للحفاظ على مكاسبها الفئوية، وانتشار خطاب ديني شعبوي مستمد من فترة حروب الفرنج وغزوات المغول والتتار يحاكي الغريزة على حساب الخطاب ديني يخاطب العقل ويماشي العصر ويحترم المفاهيم الإنسانية التي بشّر بها الأنبياء والمفكرين والمصلحين.
طابخ السّم أكله
منذ أن ألغى مصطفى كمال أتاتورك الخلافة العثمانية بعد أن صرّحَ أننا "لسنا عبيداً لبني عثمان"، لا يزال حلم الخلافة يُداعب خيال زعماء المنطقة. هذا الحلم تقاطع مع مخططات واشنطن لتطويع وإركاع الإتحاد السوفييتي إبان الحرب الباردة من خلال استخدام الإسلام كعقيدة لمحاصرة موسكو وبكين والقضاء عليهما من الداخل. ومن أجل ذلك دعمت القوى المتطرفة والرجعية في المنطقة لضرب حركة المد التقدمي واليساري في المرحلة الأولى، لنتقل إلى حرب استنزاف لموسكو في أفغانستان في المرحلة الثانية. ومع بدء تنفيذها لمشروع الشرق الأوسط الجديد لم تجد واشنطن حليفاً أفضل من هذه التنظيمات كي تكون رأس الحربة في فرض هذا المخطط على دول المنطقة مستغلةٍ علاقاتها مع حلفائها التقليدين في دول الخليج وتركيا.
ومع بدء كوارث "الربيع العربي" التي اجتاحت المنطقة وما رافقها من ظهور تنظيم "داعش" الذي استفاد منه الجميع كلٌ حسب مصلحته الخاصة. نرى أن المستفيد الأكبر من كل ما حصل هي "واشنطن" حيث شقّت صفوف الجهاد العالمي وأدخلت أفراده في حرب إلغاء ضد بعضهم البعض، وأشّعلت نيران الحرب المذهبية التي بشّر بها وخطط لها كيسنجر خدمةً لمصلحة إسرائيل وحمايةً لوجودها في المنطقة، وبدأت بمشروع تقسيم المنطقة على أُسس قومية ومذهبية، وأطلقت مارد التعصّب الديني والقومي من قمقمه، والذي قد يُدمر دول ومجتمعات عديدة ويزرع الأسى والحزن في عيون كثيرة إن لم يُحصر في المكان الذي خرج منه باكراً.
هذه الفوضى التي خلقتها واشنطن كي تخلق نظامها في المنطقة معتمدةً على المبدأ الماسوني ORDO AP CHAO أو النظام الناتج عن الفوضى، قد تضربها في عُقر دارها مسببةً لها آلام وأحزان قد تفوق أوجاع الحادي عشر من أيلول.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - تفجير برجي النجف وكربلاء
سيلوس العراقي ( 2014 / 7 / 8 - 14:16 )
مرحبا
شكرا لمقالك الواضح
ولكن ألا يوجد احتمال بأن ستكون الآلام المقبلة أكبر ؟
ماذا لو تخيلنا تفجيرا رهيبا مثلما حصل لبرجي نيويورك
لكن هذه المرة في بلاد النهرين

بأن يكون برجي كربلاء والنجف المراقد الشيعية
هدفا للخليفة الجديد وأتباعه
يشعل المنطقة بأتون نار شيعية سنية
عربية فارسية ؟؟
لانه لحد الآن لم تستعر الحرب الطاحنة المدمرة بين المذهبين
ومن دون هكذا حرب
سيفشل
عنوان القرن الـ 21
على أنه قرن الحروب المذهبية والدينية
تقبل تقديري

اخر الافلام

.. مصر: قتلى وعشرات الجرحى جراء انقلاب عربات قطار في محافظة الق


.. الدراما العربية.. طموحات نحو العالمية في زمن المنصات الرقمية


.. العراق يشترط أخذ اللقاح على الراغبين بالسفر إلى الخارج




.. 11 قتيلا وعشرات الجرحى بحادث قطار المنصورة في مصر


.. نجم القصاب: إجراء الانتخابات البرلمانية في أكتوبر القادم يعط