الحوار المتمدن - موبايل


يوميات مدينة منسية - الجزء الأول

جاك جوزيف أوسي

2014 / 7 / 11
الادب والفن


يقول حكماء الصوفية: إن الإنسان خُلِق من روح وجسد وغريزة "شهوة". فإن تغّلبت الروح على الغريزة أصبح الإنسان بمرتبة الملائكة والصدّيقين، أما أن طغت الغريزة وسيطرت الشهوة أصبح الإنسان أسوء من الحيوان. ولذلك كان هدف النواميس الكونية والحكمة الإلهية تحقيق التوازن بين الروح والغريزة حتى ينعم الإنسان بحياة سعيدة على الأرض.
لكن معظم البشر استسهلوا السير في طريق الغريزة والشهوة كونها الطريق الأيسر، من وجهة نظرهم، كي يحققوا الثروة والجاه والمجد فكانوا الأغنى والأقوى والأكثر فجوراً وإجراماً. بينما القلة التي حاولت السلوك في الطريق التي نصّت عليه النواميس الكونية والسُنن الإلهية، ومن أجل ذلك كافحت بشرف من أجل لقمة العيش كي ينعم أبناءهم وأحفادهم بحياة كريمة ولائقة. كانوا فقراء قانعين ولكنهم كانوا سعداء فرحين، إلا قلة حاولت التشبّه بالفئة الأولى ومن أجل ذلك تحلّلت من كل وازع أخلاقي وكل ضمير إنساني. وبينما تصدت وسائل الأعلام وتناقلت المنتديات الاجتماعية والجلسات العائلية أخبار الصنف الأول، مرّ الفقراء والمساكين بصمت في الحياة الدنيا وكلهم أمل بأن يُشاركوا، في الحياة الأخرى، ملكوت الله ومجده.
هذه النماذج تراها في كل زمان وقت، في المجتمعات المتقّدمة والمتخلّفة، في المدينة أو في الريف، وحتى في القرى النائية على قمم الجبال أو على حدود الصحراء أو في مجاهل الأدغال. ذلك أن حكمة الخالق اقتضت أن يضع في كل مجتمع هذه النماذج بما تمثله من تناقض حتى يترك للإنسان حرية الاختيار في أي طريق يُريد أن يسير في الحياة. طريق الثروة والمجد التي قد تؤدي إلى خسارة نفسه أو طريق القناعة والجهد والمثابرة والتي قد يكسب فيها الثروة ولكن الجائزة الكُبرى ستكون روحه الحرة التي لن يُساوم عليها أحد ولن يتنازل عنها في صفقة فاوست مع الشيطان.

(2)

نموذج سدوم وعمورة، كمدينة أو حي للرذية والفجور، يُمارس في الإنسان كل المحرمات التي نهت عنها الشرائع السماوية ونبّهت منها الفلسفات الأخلاقية كونها تدمّر روح الإنسان وجسده، موجود في كل مكان في العالم بطريقة ظاهرة أو مخفية، يعرفها رواد البحث عن المتعة الحرام، يجدون فيها ضالتهم من شذوذ وعهر، الناقص يُريد أن يكون في هذا المكان الكامل والعبد يُريد أن يُصبح فيه السيد.
هذا المكان هو امتحان لجوهر الإنسان، فإن استطعت الدخول إليه والخروج منه دون أن تخسر روحك فأنت الأغنى والأقوى والأقدر. وغير ذلك، فإن مدينة الرذيلة، ستكشف قناعك الزائف الذي غلّفت به الرذيلة بالفضيلة، والقناعة بالشراهة، والأمانة بالخيانة.
قالت العرب: ثلاثة تكشف معدن الرجال، المال والنساء والسلطة، ومدن الرذيلة تُقدم لكن هذه الثلاثية. فإن قنعت بالقليل من المال وغضضت بصرك وصنت لسانك وعرضك في الخوض في بحور النساء وعدلت في حياتك الخاصة والعامة فأنت تحاول أن تُصبح إنسان. أما أن طمعت بالمال، واشتهيت النساء وخُضّت في القيل والقال وانتهكت عرض الناس بالعين أو باللسان، وظلمت الفقير والمسكين، القريب والغريب فأنت بدأت تبتعد عن المجتمعات البشرية وتقّترب رويداً رويداً من الممالك الحيوانية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. #أمل_طالب تجبر الفنان الفلسطيني إياد طنوس على الغناء في تحدي


.. مسرحية جورج_خباز: ايه بس عم بصيبونا إلنا، صار فيي 7 بواخيش غ


.. كيف يؤثر ترشيح المسلمين للأوسكار على تحسين تمثيلهم في الأفلا




.. من موريتانيا.. مقابلة مع الفنانة وردة منت همد فال


.. سوريا: مجلس الشعب يحدد 26 مايو موعدا للانتخابات الرئاسية وال