الحوار المتمدن - موبايل


ماذا يريد الفلسطينيون؟

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

2014 / 7 / 19
القضية الفلسطينية


ربما لا يوجد الآن شعب في العالم لا يعرف ماذا يريد بالضبط سواء من نفسه أو من الآخرين مثل الفلسطينيين. وفي اعتقادي، لو استطاع الفلسطينيون سواء في بداية الصراع أو خلال أي من مراحله المتعددة فيما بعد أن يعرفوا ولو بصورة عامة ماذا يريدون لأنفسهم، وأن يتفقوا عليه ولو عند الحد الأدنى، لكان حالهم غير هذا الذي يرثى له الآن. فالقضية الفلسطينية ليست فريدة من نوعها في التاريخ. بل هناك شعوب كثيرة عبر التاريخ قد قطعت الأشواط نفسها وأقسى منها وانتهت إلى نتائج أفضل بكثير. وكان المتغير الأهم لدى تلك الشعوب الناجحة، في اعتقادي، يتوقف بدرجة كبيرة على معرفتها ماذا تريد من الصراع قبل خوضه، أو ما هي الغاية أو الغايات النهائية المنشودة من وراء الصراع، وبالتالي الوسائل والتكتيكات والاستراتيجيات الأكثر ملائمة الهدف في ظل الظروف المتغيرة.

بحسبة بسيطة، ربما يتبين أن الفلسطينيين قد تلقوا من الدعم سواء المادي أو المعنوي أضعاف ما قد تلقته شعوب أخرى قد ناضلت وتناضل سواء في سبيل نيل حق تقرير المصير تحت حكم ذاتي أو إقامة دولها القومية المستقلة، وربما أكثر حتى من كل الدعم الذي قد تلقته وتتلقاه إسرائيل. رغم ذلك تبقى النتيجة الفلسطينية مخيبة للآمال بشدة، مقارنة ببقية الحركات النضالية سواء من أجل التحرر من الاحتلال أو تقرير المصير أو إقامة الدولة القومية. فرغم اندلاع الصراع فعلاً على الأرض منذ نحو مئة عام الآن، تحت الانتداب البريطاني، لا يزال الفلسطينيون لم يتقدموا خطوة واحدة أكثر مما كان عليه حالهم حينئذ سواء باتجاه التحرر من الاحتلال أو تقرير مصيرهم في حكم ذاتي تحت السيادة الإسرائيلية أو الاستقلال بأنفسهم في دولة قومية فلسطينية ذات سيادة.

هنا لابد أن يفرض السؤال نفسه: لماذا كل هذا الإخفاق الفلسطيني خلال هذا الزمن الطويل؟ وأضيف أن ’الإخفاق‘ في هذا المكان لا يعني العجز أو الفشل في التوصل إلى حل أو تسوية نهائية للقضية الفلسطينية، بقدر ما يعني تحديداً عجز الفلسطينيين وفشلهم الموثق في تحريك قضيتهم في اتجاههم، أو بما يخدم مصالحهم سواء القصيرة أو المتوسطة أو البعيدة الأجل، بأي شكل أو وسيلة مهما كانت، عنيفة أو حيادية أو سلمية، حتى دون الاقتراب من الحل أو التسوية النهائية للقضية الكلية. ما أقصده هنا هي الإنجازات المرحلية والجزئية، لا الانتصارات الكلية والنهائية. فكما قد أخفق الفلسطينيون في تحقيق أي نصر كلي ونهائي حتى اليوم ولا يتوقع أن يحققوا أي من مثله في المستقبل القريب، هم أيضاً- وهو الأهم والأخطر بكثير جداً- قد فشلوا أيضاً فشلاً محبطاً في تحقيق أي إنجازات مرحلية وجزئية ملموسة على الأرض.

على صعيد الانتصارات الكبرى، لم يحقق الفلسطينيون حتى اليوم أي نصر يذكر على عدوهم المعلن- إسرائيل؛ وعلى صعيد الإنجازات المرحلية والجزئية- سواء فيما بينهم أو في تفاصيل وتكتيكات الصراع مع العدو المعلن- لم يحقق الفلسطينيون حتى اليوم أيضاً أي إنجاز يذكر. فلا يزال الفلسطينيون دون أي مؤسسات وطنية حقيقية قادرة على إدارة التنافس والصراع سواء فيما بينهم أنفسهم أو بينهم وبين عدوهم المعلن؛ لا يزال الفلسطينيون دون حكومة وطنية حقيقية، رغم عشرات الإدارات الفصائلية المستقلة إلى حد إقامة العلاقات وتلقي المعونات الخارجية الخاصة بها؛ لا يزال الفلسطينيون دون جيش وطني حقيقي، رغم عشرات العصابات والمجموعات والميليشيات المسلحة المتقاتلة فيما بينها أكثر من قتالها تحت علم وطني واحدة ضد العدو المعلن. وكما لا يزال الفلسطينيون، بعد نحو مئة عام الآن، دون دولة وطنية وأي من المؤسسات الضرورية لقيام هذه الدولة، هم كذلك لا يملكون قدرة اقتصادية كافية لإعالة أنفسهم. الأخطر لا يزال أنهم، نتيجة لهذه الأسباب، قد أصبحوا يعانون أيضاً من فقر ثقافي مدقع بات يهدد بزوال الشخصية الوطنية الفلسطينية ذاتها وتبعثرها بين ثقافات شتى، شاملة بالطبع الثقافة الإسرائيلية. فتماماً كما أصبح الفلسطينيون يعيشون الآن على جود المعونات المادية الأجنبية، هم بالتزامن أيضاً يعيشون على ما تجود به عليهم ثقافات خارجية بالقدر الذي قد أصبح يشكل خطراً حقيقياً على الشخصية الوطنية الفلسطينية.

ربما لو سألت فلسطينياً اليوم ماذا تريد من نفسك ومن الآخرين لمساعدة الشعب الفلسطيني، قد يجيبه بأنه يريد من كل الفلسطينيين مثله توحيد الكلمة والهدف على إزالة دولة إسرائيل المغتصبة لأرضهم وأرض آبائهم وأجدادهم من الوجود لكي يقيموا على أنقاضها دولتهم الفلسطينية المأمولة. والوسيلة الأمثل وربما الوحيدة، في اعتقاده، لتحقيق هذا الهدف هي القوة، القوة المسلحة تحديداً- ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة. وهو أيضاً يريد من أشقائه العرب والمسلمين وأصدقائه الأجانب في الدول الأخرى بالمنطقة وحول العالم أن يساعدوا الفلسطينيين ويقفوا معهم ويدعموهم بكافة السبل حتى تحقيق الغاية الفلسطينية الأعظم- القضاء نهائياً على الدولة الصهيونية.

في المقابل، قد تسأل فلسطينياً آخر نفس السؤال وتخرج بإجابة مختلفة إلى حد التناقض مع الأول، الفلسطيني مثله. معارضة بأتباع محور المقاومة الأوائل، هؤلاء هم الفلسطينيون المعتدلون الذين يبتغون أيضاً إقامة دولة فلسطينية كتتويج نهائي لنضال طويل، لكن هم يختلفون مع المقاومين البواسل في الاعتقاد بأن الحلم، بالنظر إلى توازن القوى، لن يتحقق بقوة السلاح ولا على أنقاض الدولة الإسرائيلية، إنما بتعايش الدولتان الفلسطينية والإسرائيلية معاً جنباً إلى جنب وفي سلام وأمان ورخاء. وفي سبيل ذلك، أقر هذا الفريق المعتدل بعدم جدوى استعمال العنف ومضى في طريق مفاوضات السلام والتسوية سواء المرحلية أو النهائية.

في النهاية ليست المشكلة، ولم تكن أبداً، في انقسام مكونات أي شعب أو دولة صغرت أو كبرت بين صقور وحمائم. مثل هذا الوضع هو الطبيعي والصحي والسائد في كل المجموعات البشرية والشعوب والدول الطبيعية والصحية حول العالم، بما في ذلك داخل إسرائيل وأمريكا ومصر والسويد وإيران...الخ. الاختلاف في وجهات النظر هو أمر طبيعي وصحي لتطور المجموعات والشعوب والدول. لكن ما هو غير طبيعي أو صحي على الإطلاق هو اختلاف بل وتناقض السياسات التنفيذية، الواقع بين الفلسطينيين، الذي مرده بعثرة آليات صنع القرار وحمل السلاح وإنفاذ القانون الوطني الفلسطيني بين أيدي جماعات وفصائل فلسطينية مختلفة. هذا الواقع المؤسف والمتردي قد ترك الفلسطينيين، رغم الادعاء بكونهم يشكلون شعباً واحداً، بأكثر من سياسة داخلية وخارجية مستقلة ومتضاربة، بأكثر من هوية ثقافية وأحلام قومية متباعدة ومتنافرة، بأكثر من قوة مسلحة قادرة على القضاء على بعضها البعض وعلى الحلم الفلسطيني من قبل حتى أن تدوس على طرف واحد للعدو المعلن.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - ماذا
ناس حدهوم أحمد ( 2014 / 7 / 19 - 22:11 )
لم يدمر القضية الفلسطينية إلا هذه الحركات التي تتلفع بالدين . إن أية مقاومة في هذا العالم لا تنال القبول والتأييد إلا إذا كانت وطنية محضة . فالناس اليوم في كل بقاع العالم ودعت نمطية الحروب الدينية والصليبية . لأن الدين عقيدة للإنسان شخصية وإذا اخلطت السياسة بالدين تشوه كل شيء . وهذا ما جعل عالمنا العربي على هذا الشكل البشع وهو أي الواقع داهب نحو حتفه وتفريخ كل هذه الحركات التي تدعي الإسلام والجهاد وترهيب الناس . هي حركات إستبدادية تقتل بدون محاكمة وتعدم الناس بدم بارد كأنها وصية على البلاد والعباد ويظنون أنفسهم يملكون مفاتيح الجنة في حين هم داهبون نحو قمامة التاريخ . فالإرهاب أسكت حتى المثقفين واختفى دورهم في بناء المستقبل ولم يبق على الساحة السياسية إلا الإنتهازيون والمغامرون وأحيانا المجرمون .


2 - فلسطين بؤرة الصراع بين الكفر والايمان
عبد الله اغونان ( 2014 / 7 / 20 - 20:16 )


وقضينا الى بني اسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا

فاذا داء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباجا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان

وعدا مفعولا

ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا

ان أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وان أسأتم فلها فاذاجاء وعد الاخرة ليسؤوا وجوهكم وليدخلوا
ا
المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ماعلوا تتبيرا


3 - تصحيح واعتذار
عبد الله اغونان ( 2014 / 7 / 21 - 01:09 )

في الاية الكريمة وقعت أخطاء غير مقصودة

السطر الثاني - فاذا جاء وعد اولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا

فمعذرة


4 - مش باين
ayseer othman ( 2014 / 8 / 26 - 13:12 )
لا هي كل الايه غلط شكلا وموضوعا وفكرا

اخر الافلام

.. كورونا في مخيمات اللجوء.. التحرك الدولي مصيري | #غرفة_الأخب


.. نووي إيران.. اجتماعات مستمرة للخروج برؤية لآليات الاتفاق


.. هجمات الفدية.. كيف نحمي أعمالنا | #غرفة_الأخبار




.. الأمن في أفغانستان.. وضع هشّ ودموي | #غرفة_الأخبار


.. أحداث القدس.. مطالب بوقف التصعيد | #غرفة_الأخبار