الحوار المتمدن - موبايل


اللادولاتيون العرب

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

2014 / 7 / 22
مواضيع وابحاث سياسية


قد لا يملك المراقب لما يدور من أحداث سياسية وعسكرية خطيرة وفارقة الآن فوق الأراضي العربية سوى الاندهاش من كثرة المجموعات والحركات والتنظيمات المسلحة غير الخاضعة لسلطة الدولة، والمنافسة لها وحتى المتفوقة عليها أحياناً في حجم الذيوع والتأثير بين الناس ومساحة النفوذ على الأرض. من تنظيم القاعدة الذي قد حارب أمريكا فوق أرضها ذات يوم، إلى القاعدة في بلاد الرافدين ثم داعش الآن في حرب علنية ضد الحكومة في بغداد، إلى الحوثيين على أبواب صنعاء، إلى حماس الحاكمة والمتحكمة في قرار الحرب والتهدئة في غزة، إلى حزب الله صاحب الثلث المعطل والأقوى حتى من الجيش في لبنان ومؤخراً حامي العتبات والأضرحة المقدسة في سوريا، إلى تنظيم نصرة الشريعة في قتال متمرس ضد شتات الدولة والجيش في ليبيا...الخ.

هل انشقت الأرض هكذا فجأة، في غفلة من الزمن ومن الجيوش العربية، عن مثل هذه المجموعات والحركات والتنظيمات اللادولاتية العربية؟ أين كانت الحكومات العربية في أثناء تشكل هذه الجماعات ثم نموها وتكاثرها حتى باتت في النهاية تشكل خطراً حقيقياً على وجودها نفسها وتكاد تبتلع الضعيفة منها، بعدما قضت بالفعل على دول فاشلة مثل الصومال؟ وكيف كان موقف الدول العربية تجاه هؤلاء اللادولاتيين المسلحين أثناء نشأتهم وتطورهم، هل كانت تناصبهم العداء مثلما تفعل الآن أم اتخذت موقف الفرجة والحياد، أم شجعتهم ودعمتهم طمعاً في منافع متبادلة؟

عودة قليلاً إلى الوارء، إلى فترة مخاض الدول العربية خلال الفترة بين الحربين العالميتين وما بعدهما بقليل. في تلك الفترة كان القائمون بالأدوار الدولاتية الرسمية ليسوا حكومات عربية إنما دول غربية استعمارية مثل انجلترا وفرنسا. وما كانت حكومات الاحتلال أو الانتداب التابعة لتلك الدول الاستعمارية تسمح بظهور مثل هذه الجماعات اللادولاتية بأي شكل من الأشكال، أو لتأدية أي وظيفة من الوظائف. كانت الحكومات الاستعمارية تعتمد على جيوشها النظامية نفسها لفرض النظام وإنفاذ القانون، وكذلك من أجل التصدي للتهديدات الخارجية أو للتوسع الاستعماري في دول الجوار. في قول آخر، كانت الحكومات الاستعمارية مكتفية بذاتها ومستغنية عن خدمات أي من مثل هذه الجماعات غير الرسمية من خارج الدولة. ورغم بعض المحاولات المتفرقة من الشعوب الخاضعة للاستعمار لتشكيل جماعات شعبية مسلحة للتحرير الوطني ومقاومة الاستعمار باسم الفدائيين وغيرها، إلا أن هذه المساعي اللادولاتية لم تحقق نجاحاً يذكر وبقيت أوراق اللعبة الرئيسية بأيدي اللاعبين الدولاتيين، لاسيما القوى الاستعمارية والقوى المحلية المتعاونة معها.

لكن في وقت لاحق، تحديداً لما أدركت قوى الاستعمار الأجنبي بعد الحرب العالمية الثانية أن الاستعمار التقليدي آت إلى نهاية قريبة لا محالة، وأن الأوان قد حان لإحلال قواعد جديدة محل قواعد اللعبة القديمة تكون أكثر انسجاماً مع عصر قد أصبحت تسوده شعارات وحركات التحرر الوطني حول العالم، وجدت نفس هذه القوى نفسها مضطرة للمرة الأولى إلى الاستعانة بلاعبين محليين لا دولاتيين. كانت هذه هي المرة الأولى على الاطلاق التي تشهد قيام علاقة عمل وتنسيق وتبادل مصالح مباشرة بين لاعبين دولاتيين يمثلون القوى الاستعمارية من جهة، ولاعبين لادولاتيين يمثلون القوى الوطنية الخاضعة للاستعمار في المقابل.

في هذا السياق، قد أقامت دول كبرى علاقات ثنائية مع لاعبين محليين لادولاتيين من أمثال آل سعود والشريف حسين في شبه الجزيرة العربية، والدروز في لبنان واليهود في فلسطين. لكن هذه العلاقة الجديدة من نوعها فيما بين قوى دولية من جهة وقوى محلية لا تمثل بعد أي حكومة رسمية في المقابل كانت ذات طبيعة اضطرارية ومرحلية، بما يجعلها مختلفة جوهرياً عن مثل هذه العلاقات التي شهدتها نفس المنطقة العربية فيما بعد. الهدف الرئيسي من هذه العلاقة، علاوة على خدمة مصالح مشتركة بين الطرفين، كان يتمثل في إعداد هؤلاء اللاعبين اللادولاتيين المحليين لكي يرثوا القوى الاستعمارية ذاتها في مستعمراتها القديمة ويخلفوهم في الحكم هناك في الوقت المناسب. وهكذا تشكلت الدول العربية الحالية في معظمها، من نفس هؤلاء اللاعبين اللادولاتيين المحليين بعدما استخلفوا القوى الاستعمارية السابقة في الحكم.

لكن التطور الأهم في نشأة ونمو الجماعات اللادولاتية، الممتدة بدرجة كبيرة حتى اليوم الحاضر، أتى بعد استقرار أنظمة الحكم المحلية العربية كل على حدة داخل ما ورثته عن القوى الاستعمارية السابقة من حدود ترابية ومؤسسات دولة وطنية. لكن عكس القوى الاستعمارية السابقة التي قد ورثت عنها حدودها ومؤسساتها الوطنية، كانت الأنظمة المحلية العربية ضعيفة كثيراً بما يجعلها عاجزة عن تلبية كثير من واجبات الحكم كما كانت تؤديها القوى الاستعمارية المؤسسة. وقد اتضحت هذه الهشاشة في بنية الدولة الوطنية العربية بشكل خاص عقب هزيمة 1967، حين سلمت جميع الدول العربية بعجزها عن هزيمة حتى دولة لا تزيد عن بضعة آلاف الكيلومترات ولا يتعدى عمرها بضعة عقود. في ظل هذه القناعة بالعجز والموثقة بعدة هزائم ساحقة متتالية، بدأت الدولة الوطنية العربية تفكر جدياً، للمرة الأولى في تاريخها القصير، في الاستعانة بوكلاء من خارج الدولة لمساعدتها في تأدية بعض الواجبات المنوطة في الأصل بمؤسسات الدولة الوطنية لكنها في الواقع عاجزة عن تلبيتها لسبب أو لآخر. هكذا وضعت اللبنة الأولى في معمار الجماعات اللادولاتية العربية المسلحة التي تذيق الآن تقريباً جميع الدول والشعوب العربية صنوفاً شتى من الإرهاب والقتل والخراب الآن.

قد يكون الزعيم العروبي القومي جمال عبد الناصر هو الراعي الأول لأولى هذه الجماعات، لما بدأ يفكر بعد 1967 في إزاحة عبء القضية الفلسطينية عن كاهله والمقاولة عليه من الباطن لوكيل محلي فلسطيني- حركة فتح. ربما كان هذا هو أول مقاول باطن للدولة الرسمية في مصر. لكنه كان مجرد الشرارة الأولى، إذ سرعان ما اشتعلت الساحة العربية عن آخرها بمقاولين من الباطن سواء للدول العربية الرسمية الأخرى أو حتى للمقاولين الباطن الرئيسيين أنفسهم. كل حركة رئيسية من الباطن أنجبت عشرات الحركات الثانوية من الباطن. علاوة على ذلك، حدث نوع من التكاثر بالتضاد، بقانون يشبه القانون الفيزيائي أن لكل فعل رد فعل مساوي له في القوة لكن مضاد له في الاتجاه. فكما تبنت الدولة المصرية حركات تخصها ولخدمة أغراضها وسياساتها، كذلك تبنت الدولة السعودية في ذلك الوقت حركات مضادة تخصها. فكانت حركات المقاومة الإسلامية هي بمثابة رد فعل مساوى في القوة لكن معاكس في الاتجاه لحركات المقاومة العلمانية الاشتراكية. هكذا نشأت حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، من بين أخرى كثيرة، كمجرد تحصيل حاصل لنشأة حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، من بين أخرى كثيرة أيضاً.

ثم تسارعت وتيرة هذه العملية المجنونة والمدمرة على الجميع في النهاية لتأسيس نشطاء لادولاتيين تستعين بهم الدول العربية في تأدية ما تعجز عنه رسمياً، وخاصة المهام القذرة، عقب الثورة الإسلامية في إيران. فقد دخلت هذه الأخيرة أيضاً بقوة على خط تأسيس الوكلاء والمقاولين الباطن المحليين لها في أماكن كثيرة من المنطقة العربية، مثل حزب الله في لبنان وكثير من حركات الإسلام السياسي. وكما هو متوقع، كان لهذا الزخم الإيراني رد فعل قوي مقابل من الطرف الآخر، خاصة النظام السعودي، الذي أطلق العنان للحركات الإسلامية السلفية في كل مكان، لاسيما في أفغانستان وباكستان، ثم لاحقاً في العراق وسوريا ودول عربية أخرى.

فهل كانت الأنظمة الرسمية العربية بذلك تحفر قبورها بنفسها وهي لا تدري؟ وما هو مصير هذه الحرب على الإرهاب كما تخوضها اليوم الأنظمة العربية ضد بعض من خدمها ووكلائها ومقاوليها الباطن السابقين بعدما شبوا عن الطوق وأصبحوا يعملون لمصالحهم الخاصة لا مصالح ساداتهم السابقين، أو نقلوا الولاء لسادة جدد؟ هل أخطأت الدولة الوطنية العربية حين فرطت في بعض من الواجبات الأصيلة لأي دولة وطنية وعهدت بتأديتها إلى جماعات من خارج مؤسسات الدولة الرسمية، تحت مسميات شتى؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - و أيضاً
هاني شاكر ( 2014 / 7 / 22 - 00:36 )

و أيضاً
____

تخاذلت ألنُظم ألعربية ألضعيفة عن تنظيم ألنسل ... فحدث ألتكاثر ألحشرى و ألأنفجار ألسكانى فى مصر وسوريا و جنوب لبنان و غزة ... و ما صاحَب ذلك من إفقار و تهميش غالبية مواطنى تلك ألدول ... فصار تكوين ألجيوش ألخاصة و ألجماعات ألأرهابية ( ألمُشَبعة بألفكر ألوهابى ) سهلاً و رخيصاً

ألفرق بين حزب ألنور ألمصرى .. و خلافة داعش ( بمقارنة ألخطاب ألتحريضى ألتكفيرى لكليهما ) ، هو فقط شعرة ، أو عود ثقاب !


....

اخر الافلام

.. في #النقاش_مع_جنان_موسى.. لماذا يحاول #الجولاني تبديل جلده و


.. بحقنة بـ2.1 مليون دولار.. حاكم دبي يعالج طفلة عراقية تعاني م


.. نتنياهو: لا نعلق آمالا على أي اتفاق مع إيران




.. مقتل 9 من عناصر الجيش في هجمات لداعش في البادية


.. البنتاغون: تركيا مطالبة بالتخلي عن منظومة إس 400 الروسية