الحوار المتمدن - موبايل


عرض العصبجية العربية

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

2014 / 7 / 25
مواضيع وابحاث سياسية


أثناء فترة الاحتلال الانجليزي لمصر أواخر القرن التاسع عشر، كان كل من أحمد عرابي وأدهم الشرقاوي يشغلان مساحة غير قليلة في الوجدان الشعبي المصري لسببين رئيسيين: (1) الوقوف بجرأة وتلقائية في وجه الاحتلال والظلم ومقاومتهما، و(2) التعبير بصراحة عن تطلعات وهموم البسطاء والفقراء. ثم بعد ثورة 23 يوليو 1952 مباشرة، ورغم محدودية ورمزية أثره فيما سبق، تحول عرابي في الوجدان الثوري الناصري وبقدرة الآلة الدعائية إلى بطل قومي فاقت سمعته مكانة الحاكم الرسمي حينئذ- الخديوي توفيق، ابن الخديوي إسماعيل وحفيد محمد علي باشا مؤسس الدولة المصرية الحديثة. كما وصل الأمر بالدعاية الثورية الناصرية إلى حد تتويج أدهم الشرقاوي، لمجرد كونه قد سرق البعض وقتل الآخرين من أغنياء المصريين والمتعاونين مع الإنجليز، سمعة ورفعة تخطت بكثير مقام مناضل وطني لكنه متعاون مع الأغنياء المصريين والمحتلين الإنجليز- سعد باشا زغلول، رئيس وزراء مصر وزعيم ثورة 1919. ربما تكون 1952 هي البداية الحقيقية لانتشار أعراض العصبجية العربية على الجسد السياسي العربي في العصر الحديث.

في السنة الأخيرة من القرن الفائت، كان الزعيم اللبناني السيد حسن نصر الله في أحسن حالاته إذ كانت مقاومته المسلحة الباسلة طوال عقدين متصلين من الزمن قد أجبرت للتو العدو الإسرائيلي على الانسحاب بطريقة مذلة ومهينة من جنوب لبنان. الوجدان الشعبي العربي كله يهنئه ويكاد يحلق به عنان السماء؛ لكن لابد وأن الوجدان الرسمي العربي كانت تتنازعه هواجس وحسابات أخرى. هذا الرجل، هذا البطل، استطاع أن يهزم العدو المتغطرس، وينصر المظلومين والمستضعفين، أو هكذا قد هللت له الشعوب العربية والإسلامية. في المقابل، السلاح القادر على قتل الأعداء الخارجيين قادر أيضاً على تصفية الخصوم المحليين، أو هكذا ربما فكر الرسميون اللبنانيون على الأقل. فإذا نحينا العواطف والحسابات جانباً، من يكون الرجل؟ بخلاف مقاومة المعتدي ونصرة المظلوم، ما هي مؤهلاته الرسمية داخل الحكومة والدولة؟ هذا الرجل، رغم كل بطولاته، لا زال ليس هو من يتولى منصب رئيس الحكومة أو الدولة اللبنانية- الشخص الوحيد المخول دستورياً بتشكيل وصيانة قوة مسلحة (جيش) تحتكر وحدها حمل السلاح واستخدامه دفاعاً التراب والشعب اللبناني كله دون استثناء. هكذا يكون نصر الله مجرد مغتصب لسلاح كان ينبغي أن يكون وطنياً، ومنفرد بقرار هو في الأصل القرار الوطني اللبناني.

وقبل أيام قليلة، وقف رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، خالد مشعل، يهدد ويتوعد من وراء الكاميرات بالعاصمة القطرية الدوحة وكله نشوة وثقة في النصر على العدو الإسرائيلي، والانتصار للمظلومين والمستضعفين والمحاصرين في القطاع. قال كلام كثير جميل عن بطولات سرايا القدس، الذراع المسلح للحركة، فضلاً عن بقية الفصائل والكتائب الفلسطينية الكثيرة المسلحة الأخرى. وأثنى بالشكر والعرفان على الصبر والتحمل والمؤازرة من كل أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية والشتات ومن الأشقاء والأصدقاء حول العالم، معاهداً لهم بأنه قد صدق الأمانة بألا يقبل ما دون فك الحصار وإنهاء الاحتلال عن الشعب الفلسطيني. إذا كان مشعل يخطب الفلسطينيين عبر الشاشات ويتحدث عنهم مع العالم بهذا الشكل، فلا يمكن أن يكون أقل من رئيس هذا الشعب بالداخل، أو زعيمهم بالمنفى.

لا هذا ولا ذاك. في الحقيقة خالد مشعل لا يشغل أي منصب رسمي على صعيد الرئاسة والحكومة الفلسطينية. إذن لماذا هو يؤدي نفس الدور الذي كان ينبغي أن يؤديه محمود عباس، الرئيس الفلسطيني الرسمي، والمفوض الوحيد بالتحدث باسم الشعب الفلسطيني داخلياً وخارجياً، والمفاوضة أو المقاومة باسمه؟ هل فوضه عباس رسمياً في بعض من مهامه، أم أن مشعل اغتصب لنفسه هذه الزعامة بذريعة مقاومة العدو ونصرة الضعفاء، نفس التي تسلح بها قبله أحمد عرابي ضد الملك الرسمي، وأدهم الشرقاوي ضد زعيم الأغلبية النيابية الحقيقية، سعد زغلول.

في الواقع، حين يتبوأ أسامة بن لادن في الوجدان الشعبي السعودي والإسلامي شهرة ومكانة ربما تتجاوز ما يناله خادم الحرمين الشريفين والعائلة المالكة الشرعية كلها، هذا لا يكون له تشخيص آخر غير عرض لمرض خطير يعاني منه الجسد السياسي السعودي والإسلامي. بالفعل كان أسامة بن لادن أكثر جرأة في مقاومة وملاحقة الغطرسة الأمريكية حتى ديارها، وأكثر صراحة وتلقائية في مناصرة أحلام البسطاء عن تطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة مجتمع الخلافة الفاضل. لكنه، رغم ذلك، لا يشغل أي منصب رسمي لا في السعودية أو غيرها يعطيه التفويض للتحدث إلى السعوديين أو بالنيابة عنهم، أو المسلمين الآخرين. مثل أحمد عرابي وأدهم الشرقاوي والسيد حسن نصر الله وخالد مشعل، في أحسن الأحوال بن لادن ليس أكثر من بطل شعبي ينتصر لمظالم الضعفاء من ظالمين أقوياء، وفي أسوأها زعيم عصابة مسلحة.

السؤال: لماذا يعجز شاغلو المناصب الرسمية عن تلبية الحد الأدنى من تطلعات وآمال واحتياجات الوجدان الشعبي العربي، بما يشبع جوع هذه القواعد ويملئ عيونها عن رؤية المزايدين من أسفل والالتفاف حولهم؟ هل العلة في المناصب الرسمية، أم في البنية التحتية المجتمعية ذاتها؟! وهل يمكن التخفيف من حدة أعراض هذا المرض السياسي الخطير عبر جسر الهوة بين الطرفين، حتى يلتقي فاروق بعرابي، الشرقاوي بزغلول، وعباس بمشعل عند نقطة وسط ما تضفي على الجموح العاطفي الشعبي بعض من انضباط ورصانة القواعد الشكلية وسيادة القانون، وعلى الجمود والإفلاس الرسمي العربي بعض من حيوية وابتكارية الشعوب؟!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - غياب ألثنائية
هانى شاكر ( 2014 / 7 / 25 - 23:24 )

لاحظ أيضاً غياب هذه ألثنائية فى دول ألغرب ... وفى دكتاتوريات ألشرق ( ماو ، ناصر ، صدام ) .. و تركيز ألسيسى عليها فى خطاب تنصيبُه ....

.....

اخر الافلام

.. مصر وتركيا: المحادثات المصرية التركية تركز على تطبيع العلاقا


.. ما وراء الخبر - عيدروس يتحدث عن دولة مستقلة جنوب اليمن.. ما


.. مصر وتركيا نحو التطبيع.. ما شروط القاهرة؟




.. محادثات وفد الكونغرس الأمريكي في الخرطوم


.. المحاربون القدامى اليوم