الحوار المتمدن - موبايل


قبر لمن لا قريب له

أكرم شلغين

2014 / 8 / 12
الادب والفن


كانت المقبرة تقع على مدخل القرية وكانت قديمة قدم المنطقة ولا أحد يعرف تاريخا أو متى بدأ الناس يدفنون موتاهم بها...كانت تمتد على مساحة كبيرة نسبياً وعلى أطرافها كانت تتوزع بعض من أشجار الزيتون المعمرة وهناك شجرة خروب واحدة...كانت تلك المقبرة مليئة بالقصص التي لبعضها أساس تاريخي إلا أن بعضها الآخر كان بالمطلق من نسج الخيال..ويحكي من كانوا كبار السن في تلك القرية في ستينات القرن الماضي أنهم كانوا يستفيقون أحياناً ليجدوا جثة لرجل مسن يتضح أنه قضى في مكان آخر ثم أتوا بالجثة ووضعوها عند حافة تلك المقبرة وولوا أدبارهم، يُساند تلك الحكايات رؤية أهل القرية أكثر من مرة ليلاً لطنبر محمل بجثة يأتي ويلقي سائقه بها عند تلك الحافة القريبة مما سمي لاحقا "قبو كومين" مقابل "تينة الندر" فيرى الناس ذلك تحت ضوء القمر وفي الصباح يسرع أهل القرية إلى دفنه دون أن يعرفوا هويته أو من أتى به...ولكن الافتراضات كانت تدور حول أنه ربما مات في المشفى ولم يتعرف على هويته أحد...! أو ربما عُثر عليه في مكان مكان ميتا فأتوا به إلى هنا أو ربما أنه مات في السجن بعد أن كان مسجوناً لفترة طويلة ولم يطالب أحدهم باستلام الجثة...! وهكذا كانت المقبرة المعنية تحتوي رفاة أهل تلك القرية ورفاة من لم يتعرف عليهم أحد أو يتكنى بهم أحد أو من لم يرد أن يبكيهم أحد...! في النصف الثاني من الستينات جاء ثلاثة رجال شرطة بعيد الفجر بقليل ورموا بجثة امرأة في المنطقة المعهودة ولكن قبل أن يغادروا شاهدهم أحد سكان القرية وسألهم فاكتفوا بالجواب أنها ماتت في السجن وهي غريبة حتى عن محافظة اللاذقية وقد بقيت عقوداً مسجونة هناك بسبب جريمة كانت دوافعها سفاح المحارم....اكتفوا بذلك ومشوا تاركين الجثة...فهرع ذلك الشخص لقريبه يخبره بما شاهد....وبدون أي تردد أيقظ قريبه أولاده وقال اركضوا اسرعوا وقفوا بالقرب من الجثة وقال لقريبه تعال معي ومضيا في زواريب القرية إلى أن وصلا أمام بيت ترابي وصرخ أبو داوود...أحمد ...فهرع أبو داوود معلا بفتح الباب ولم يفاجأ لأنه اعتاد أن يوقظه الناس فأخبره بالحاصل فقال أبو داوود دقيقة وبخبر الأولاد جميل وداوود ونأخد الفؤوس و"الرفوش" ونحفر القبر...تركا أبو داوود دون شكر ودون أي كلمة مضيا ثم مضيا في طريقهما بصمت إلى أمام بيت قريبتهما "أم حسن آليف" التي كانت مستيقظة فأخبراها ودون تردد أو تفكير قالت سأكون هناك حالا...ثم عادا إلى الحارة القبلية ليخبرا "الشيخ..." بالأمر فقال لهما سأكون هناك....تركاه وعادا الى بيت أحدهما وحملا حلة كبيرة (دست) وصابونة وليفة وطاس لصب الماء وشراشف...وذهبا الى المقبرة فكان أحمد معلا وولديه يحفران القبر بعزم...ركبا الموقدة "أو ما يسمى التفيه" ووضعا عليها دست الماء...في هذه الأثناء قال أحد الشخصين الذين تحركا لترتيب الدفن اذهب لعند عمك أبو نديم أحمد بدر (مختار القرية) وأخبره فركض ولم تمض دقائق حتى كان هناك أحمد بدر..وبعده بقليل جاء حارس الضيعة أبو محمود ()... فأتى بما يسمى "المغتسل" ووضع حواليه عصي ثم علق الشراشف على العصي بشكل خيمة وأوتي بالجثة وداخل تلك الخيمة قامت أم حسن آليف بتغسيل وتكفين الميتة وأعدتها للدفن...وكان آل معلا (أحمد وداوود وجميل) قد أنهوا عملهم بحفر القبر...فتعاون الحضور وأنزلوا الجثة في القبر وتمت عملية دفنها...ثم وقف الشيخ وتكلم... قال الكثير والكثير وخالني أنه يريد أن يقول كل ما لديه مما يقال في طقوس الدفن...بدأ بالقول "هذه آخر ساعة من ساعاتك في الدنيا وأول ساعة من ساعاتك في الآخرة..." وتابع يقول ويقول ويقول ثم نطق بتلك الكلمات:" اللهم إنا لانعلم منها شيئا فإن كانت محسنة فزد في حسناتها، وان كانت مخطئة فكفر عنها... انك أنت السميع الرحيم..."...وبعد انتهاء الدفن عاد كل إلى بيته راضيا عما فعله.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شرح تبعية الصفه في اللغة الفرنسية للصف الثاني الثانوي


.. مراسلتنا عزة غريبة: تجولت في أرجاء قصر فونتينبلو، والمسرح ال


.. صندوق المبدع التونسي.. مبادرة لمساعدة الفنانين في مواجهة تبع




.. ...باريس: معهد العالم العربي يخصص معرضا كبيرا للفنانات ا


.. حريق في شقة شريف منير والفنان يكشف كيف نجا من الحادث.. سيجار