الحوار المتمدن - موبايل


توتر الشخصية في اللحظة الحضارية الراهنة في رواية أخبار قرية الباشا لشعبان عبد الحكيم

محمد سمير عبد السلام

2014 / 8 / 30
الادب والفن


(أخبار قرية الباشا) رواية حديثة للأديب، و الناقد المصري (د. شعبان عبد الحكيم محمد)، صدرت عن الهيئة العامة لقصور الثقافة – فرع ثقافة المنيا سنة 2014 م.
و يقوم النص الروائي على التأثير الحتمي للتحول في الأبنية الثقافية، و الاجتماعية على نماذج من الشخصيات التي يجمعها المكان؛ و هو إحدى قرى الريف، و يسميها الراوي (قرية الباشا)، و كذلك شكولها الاجتماعية المتباينة.
إننا نعاين نمطين متباينين من الشكل الرأسي بين الشخصيات في سياقها الاجتماعي؛ و يقوم النمط الأول على سلطة الباشا، و انفعالاته التي تنعكس على أهل القرية حين يبشره درويش فقير بولد، فيقيم الأفراح، و يمنحهم العطايا، و نلمح تعالي المشاعر الروحية بمستوياتها الشعبية، و استمرارية بعض القيم في هذا السياق؛ أما الآخر فيجمع بين كونه داخليا؛ أي يقع داخل وعي الشخصيات، و يؤثر فيها بصورة ميكانيكية لا واعية، و خارجيا بمعنى أن السلطة الرأسية فيه تنبع من قوى، و تحولات كبرى في كل من المجتمع العالمي، و المجتمع المحلي، و يقوم هذا الشكل من السلطة على غلبة مبدأ اللذة المباشرة السريعة، أو المنفعة المباشرة الآلية بصورة أحادية على الشخصية، بحيث توجهها إلى السقوط في مصيدة الآلية نفسها حين تتعارض القوى، و المصالح، و الخطابات الثقافية المتباينة بين سلطة المنفعة داخل الأنا من جهة، و داخل الآخر من جهة ثانية.
و يحاول الراوي أن يتلمس قيم الأصالة، و الشفافية، و البراءة المستترة داخل ثقافة المكان، و أن يستعيدها من خلال أمرين:
الأول: مصائر الشخصيات، و تاريخها الذي يوحي بأن الأصل في شخصية الإنسان، ووجوده الفردي، و الاجتماعي هو الميل إلى الأصالة الروحية، و إلى التعدد، و التجاور بين الأنا و الآخر من جهة، و بين قيم المصلحة الفردية، و القيم الحضارية النبيلة من جهة أخرى؛ و لهذا سقطت الشخصيات في فخ أحادية المصير، و صراع القوى المتعارضة الممثلة للمصالح المختلفة.
الثاني: استدعاء فكرة العقاب من الذاكرة الجمعية، و من التراث الثقافي و الديني، و من اللاوعي؛ فتفضيل الشخصيات للذة المباشرة، و للسلطة الفوقية الثقافية للمال، قد اقترن بسقوط طبق طائر من السماء على القرية بينما يعايش الراوي مشاعر الحزن؛ لأنه لا يستطيع إنقاذ أهله، أو دفنهم؛ و كأنه يستشرف من خلال صورة الخيال العلمي المجازية ما يؤدي إليه تغليب المصلحة داخل الفرد، و خارجه من انهيار لقواه الإنتاجية، و قيمه الجمالية، و الحضارية المتعالية.
و يقوم البناء الفني للرواية على انتشار شخصيات متباينة يجمعها المكان / قرية الباشا، و كونها تنتمي إلى شرائح اجتماعية، و ثقافية متباينة، و يرتكز الراوي على لحظة تحول الشخصية باتجاه مبدأ المنفعة وحده، و تغليب خطاب سلطة المال الداخلية على الفرد، ثم يجمع بين سرده لمصير كل منها على حدة، و انهيارها الشامل بعد سقوط الطبق الطائر في نهاية النص.
و ابتداء من عتبة العنوان (أخبار قرية الباشا)، يومئ الراوي إلى ضخامة الأحداث التي سوف يسردها، و المتعلقة بالمكان، و تحولاته الاجتماعية، و الثقافية، كما يحفز أفق التوقعات لدى المتلقي المنتج بأن ما يميز قرية الباشا هو التفرد، و الاختلاف، أو غرابة المصير؛ فالخبر وفق هذا المدلول التأويلي هو النبوءة العجيبة التي صاحبت شخصيات المكان.
و من العتبات النصية الدالة الفقرة الأخيرة، أو الخاتمة التي يشير فيها الراوي إلى الانهيار، و سقوط الطبق الطائر على القرية؛ و هي توحي بالصخب، و الانهيار المجازي لشخوص المكان، و كأن الراوي يمهد لوجود حرب حقيقية، أو مجازية؛ فصراع المنافع، و السلطة، و المصالح يشبه الحرب استعاريا، و التي يقصى فيها حضور الآخر، أو كأنه يستدعي فكرة العقاب من اللاوعي، و من التراث الإنساني؛ و هو ما يوحي بأن الشخصيات تخضع لقوى داخلية، و خارجية تتفاعل مع نسق القيم، و الروح، و قيم الأصالة الحضارية الكامنة في الضمير، و الرؤى الثقافية، و العلمية المتضمنة في الثراء و التعددية التي تميز تاريخ الإنسان، و الغائبة في الوقت نفسه عن شخصيات القرية ذات البعد الواحد التي تذكرنا بتحليل (ماركيوز) للإنسان ذي البعد الواحد، و الذي يخضع لمنطق الآلية و المصلحة المباشرة.
يقول الراوي:
"ليلة و لا كل الليالي التي مرت بها قرية الباشا .. فجأة سقط من أعلى السماء طبق طائر يسد عين الشمس، نيرانه ملتهبة، و متأججة ... يؤلمني جثث أهلي الملقاة في الشوارع .. أتألم .. أتمزق من داخلي .. و لكن ماذا أفعل؟! .. حتى دفن الجثة .. لا أستطيع" ص 93، و ص 94.
إن المدلول السلبي للطبق الطائر، و نيرانه يجسد – بصورة تمثيلية - الميكانيكية المميزة للصراع بين الشخصيات، و كذلك السقوط في الدائرة نفسها من الأحادية التي تختزل الإنسان في شبكة المنافع الأحادية، و تبلغ سلبية الصورة السردية ذروتها حين يعلن الراوي عن عجزه عن مواراة الجثث، و كأنه يومئ إلى أنها شاهد على عظمة الحدث، و غرابة المصير التي ارتكز فيها على الطبق الطائر ليمعن في تلك الغرابة التي ارتبطت بعلامة من علامات الخيال العلمي.
و يلاحظ قارئ النص التعارض، و الاختلاف في الأبنية الثقافية الممثلة للمكان، و الشخصيات؛ و يرجع هذا إلى لحظات التحول من سلطة الباشا إلى السلطة الداخلية للمنفعة؛ ففندق السعادة الممثل للمتع الحسية، يقع في مفارقة مع البيوت المبنية بالطوب اللبن، و قيم المنفعة تناهض الأصالة الثقافية الممثلة لمواويل أبي زيد، و حسن و نعيمة، و قيس، و ليلى، و بهجة الموالد الشعبية؛ مثل مولد أبي زمارة.
إن المكان يجسد محاولة السارد لاستعادة قيم الأصالة المهمشة في اللحظة الحضارية الراهنة المميزة للقرية، و شخصياتها.
و من مظاهر تحول الشخصيات نحو المنفعة في النص سلب أحمد الغنام لأموال العمدة، و أرضه عبر وسيطين مزيفين، و إغراء العمدة بالمتعة، و المكسب السريع الوهمي، ثم مرض العمدة، ووفاته، و مقتل الغنام، و الحمبولي الباحث عن السلطة، و استغلاله لأرض الباشا الزراعية؛ و هو ما يوحي بالتحول الزائف نحو تغليب القوة، و المال، أما رفعت حامد ابن بواب الحمبولي فيتحول من البحث عن المكانة إلى التطرف الفكري، و يحلم (مندراوي) بالكنز فيستعين بتاجر آثار مزيف يستغل أمواله، و ابنته في طقوس وهمية، و نادية تتزوج من تحب، فيقوم أهلها بقتلهما عقب البحث عنهما، و خداعهما بالموافقة، أما علي غباشي فيبيع ابنه لأحد الأثرياء مقابل المال، و الدكتور هيثم يستغل مريضة منحرفة؛ لأنها لا تستطيع دفع تكاليف عملية، و عزة تستجيب لإغواء أموال ابن الحمبولي، و تسقط في البحث عن المنفعة السريعة.
هكذا نلاحظ انتشارا نصيا للشخصيات التي تجسد تناقض اللحظة الحضارية الراهنة بين الاستجابة الآلية الأدائية للقوى، و المصالح الأحادية، و تاريخ الأصالة الروحية المضمر، و المهمش في تاريخ المكان.
و من النماذج التحليلية للتفاعل بين العناصر الثقافية في المجتمع، و تأثيرها على النص، ما ذكره الناقد البريطاني (رايموند ويليامز) عن العلاقة بين المسيطر، و المتبقي، و الطارئ؛ إذ يرى أن العنصر المتبقي أو المهمش بعيد عن الثقافة المهيمنة الفعالة لكن جزءا منه يندمج فيها، أما الطارئ؛ فهو العنصر الثقافي الجديد، أو الممارسة الجديدة (راجع / رايموند ويليامز / المسيطر، و المتبقي، و الطارئ / ضمن نظرية الأدب في القرن العشرين – تحرير ك.م. نيوتن / ترجمة د. عيسى علي العاكوب / دار عين بالقاهرة / سنة 1996 ص 255: 257).
إن تحليل (ويليامز) الثقافي يرتكز على علاقات التفاعل، و التأثير، و التأثر بين المكونات الثقافية للمجتمع، و يمكننا تأويل النص الروائي وفق هذه العلاقات المعقدة بين العناصر المتفاعلة؛ فالثقافة المهيمنة في النص هي غلبة مبدأ المنفعة المالية، و الحسية الميكانيكية السريعة، و تفعيل غياب التواصل الروحي بين الأنا و الآخر، و المتبقي هو تراث الفن، و الجمال، و السمو المهمش، و لكنه ذو فاعلية كبيرة في العالم الداخل للراوي، و في نهاية النص التي تشير إلى عبثية المصير المبنية على انتصار لقيمة التراث المهمش، أما الطارئ فيتمثل في ممارسات همام السلبية الجديدة، و في الطبق الطائر الغريب الممثل للتداخل بين أخيلة النص، و الواقع الروائي.
إن (أخبار قرية الباشا) تمثل حلقة ذات أهمية في نتاج الكاتب (شعبان عبد الحكيم محمد)؛ إذ تشير إلى نقد الواقع، و التمثيلات الثقافية الحية لشخصيات من المجتمع، و أبنيته المؤثرة، و التي تقع بين التناقض، و الاختلاف.
د. محمد سمير عبد السلام - مصر








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الممثلة اللبنانية #إلسا_زغيب تفوز على #أمل_طالب في حلقة قوية


.. يوميات رمضان من القاهرة مع الفنان التشكيلي محمد عبلة..


.. إيرادات السينما العالمية تنخفض بـ80 بالمئة جراء إجراءات كورو




.. #لورنس_العرب.. السينما العالمية تطارد المغامر الإنكليزي في ا


.. التحليلية | ثقافة الالتزام.. مقاومةٌ لاحتلال الفكر وسرقة الق