الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


يوميات ابي عبد الله الصغير أخر ملوك الأندلس

سميح مسعود

2014 / 9 / 7
الادب والفن



نشرت هذه اليوميات بين دفتي رواية " المخطوط القرمزي " للروائي الاسباني أنطونيو غالا، قرأتها وأعجبت بها موضوعاً وسرداً وأسلوباً، ولاحظت من أسطرها الأولى أن كاتبها قد سيطر على أدوات القص فيها، وأجاد في التعبير عن مكنون شخوصه، واستنباط أدق خلجاتها، مبيناً في توطئة للرواية، أنه يقدم قراءة أقرب ما تكون إلى الموضوعية، بلغة عصرية ليوميات حقيقية لأبي عبدالله الصغير آخر ملوك الأندلس، وأفاض في هذا الشأن بالحديث عن مغامراته للحصول على هذه اليوميات، وكيف اكتُشفت في عام 1931 أثناء ترميم جامع القرويين في مدينة فاس، ملفوفة بين دفتي مخطوط قديم، جلد تجليداً في غاية الكمال بجلد لونه قرمزي ، كلون أوراق أمانة الدولة في قصر الحمراء.

وقد حاول مؤلف الرواية في تعريفه بخلفية روايته أن يثبت واقعية نصها، وإصراره على كونها مذكرات حقيقية، مستدركاً في جملة تساؤلات، عن صحة ما يرويه الملك الأندلسي، إن كان صحيحاً، أو أنه يميل به لصالحه، وما إذا كان قد كتبها بنفسه، أو أنه أملاها على واحد أو أكثر من أمنائه.

ويؤكد الكاتب في سياق إجابته على هذه التساؤلات على أنها مذكرات غير مختلقة، وضعها الملك الأندلسي بعد تشرده وعيشه في مدينة فاس، وأن مهمته – كمؤلف للرواية – قد انحصرت فقط في إعادة صياغتها في نسيج روائي، بلغة عصرية أكثر وضوحاً بالنسبة للقراء الغربيين، ليكون النص أكثر قرباً من عيونهم وأسماعهم، تاركاً التسلسل التاريخي فيها، وأسماء الشخوص والأماكن والإشارات، والمفاصل الحوارية على حالها لأبي عبدالله الصغير.

لقد لاقت الرواية ترحيباً كبيراً من القراء، وتعتبر من عيون الأدب الأسباني المعاصر، حصلت على جائزة بلانيتا 1990، وهي من أهم جوائز الدولة في اسبانيا، وأعيدت طباعتها عشرين مرة حتى عام 1998، ووصل عدد النسخ المباعة إلى أكثر من مليون نسخة.

ولا عجب في هذا، فهي – على حد تعبير التوحيدي – رواية للإمتاع والمؤانسة، تحفل في مشاهد درامية يتهادى بين سطورها آخر ملوك غرناطة، يتحدث عن طفولته، وحروفه الأولى وتركيباتها، وحيثيات حياته في غرناطة، وكل الأحداث التي دارت حوله حلوها ومرها.

اعترفُ كما أسلفت أنني أعجبت بهذه الرواية، أيما إعجاب، واعتبرتها علامة فارقة في جمعها لصور تاريخية أندلسية وتدوينها بأسلوب روائي راقٍ.

ومن حسن الصدف أنني التقيت مصادفة بالدكتور محمد بن شريفه، وهو من الباحثين المعروفين في المغرب، له دراية مميزة بكل ما يتصل بالتاريخ والأدب الأندلسي، ويضع في الوقت الحالي اللمسات الأخيرة على كتاب له من خمسة أجزاء من الأمثال والزجل في المغرب والأندلس.

وفي سياق حديثنا، أشرت إلى رواية المخطوط القرمزي لأنطونيو غالا، وأفضت في سرد كل جميل عنها، وأجابني مبتسماً أن هذه الرواية مجرد سرد خيالي، اختلق غالا فيها شخوصه، ولا علاقة لها بيوميات واقعية لأبي عبدالله الصغير، وضعها غالا كما يحلو له ويتلاءم مع الزمن المعاش، وأضاف قائلاً أن اللجوء إلى التاريخ ساعد على زيادة توزيع الرواية، لقدرته على جذب قطاع عريض من القراء، نظراً للقيمة العاطفية للمادة التاريخية المنتقاة.

وأضاف محدثي أنه كان يعمل مديراً للمكتبة الوطنية بالرباط في وقت صدور الرواية، وهي الجهة الحاضنة للمخطوطات التاريخية والكتب التراثية، إضافة إلى الكتب المعاصرة، ورجع إليه العديد من المعنيين لمعرفة حقيقة المخطوط القرمزي، وكان يجيبهم نافياً حقيقة وجوده، موضحاً أن الرواية مجرد بناء روائي خيالي لا أكثر، يشكل التاريخ مصدراً مهماً ومادة أساسية لها.

وهذا أمر متبع، إذ يغوص كثير من الروائيين في أعماق التاريخ يغرفون منه ما يحلو لهم في أعمالهم، دون أن يقلل هذا شيئاً من جمالية النص الأدبي، وحميميته الروائية، لكن المعيب في رواية المخطوط القرمزي أن انطونيو غالا يصر على وجوده مكتوباً بخط أبي عبدالله الصغير، مبيناً بأسلوب درامي كيف وصله ومعتذراً من القراء لأنه أجاز لنفسه إعادة صياغة النص بلغة تتلاءم وروح العصر.

ومع أنني على دراية بأن بعض الكتاب يعملون على تشويه الحقائق التاريخية، ويُقولون شخوص رواياتهم بما يريدون ، إلا أنه من الإنصاف القول أن انطونيو غالا عكس هؤلاء، فقد بين حبه واحترامه لأبي عبدالله الصغير، بنى له صرحاً ضخماً، وحياة جديدة، وسبغه بصفات أخرى غير التي ذكرت في التاريخ المعروف، سجلها في طيات ذاكرة بشرية بلون قرمزي جميل، يظهر منها معرفة الكاتب بكل شاردة وواردة في التاريخ الأندلسي.

وكنت أتمنى لو أن الكاتب لم يعتمد على اختلاق مادة المخطوط القرمزي، وإدعائه بأنها مذكرات دونها آخر ملوك الأندلس، وكان الأحرى به أن يغرف من التاريخ ما يريد، وأن يرسم اللوحة التي يريدها لأبي عبدالله الصغير بنسيج خيالي معتمداً في مصادره على النصوص والأراشيف والأخبار وكتب التاريخ، وهذا لا يضعف شحنة الإبداع بل يزيدها توهجاً، ومثالاً على ذلك إبداعات أمين معلوف الذي غرف من التاريخ في أعماله الروائية المتميزة، من روايته الأولى "ليون الأفريقي"، إلى آخر رواية له، فقد تناول أعماله بتفصيل تاريخي مسهب، مرتحلاً في ذاكرة الماضي، يستعير منه رؤى أجاد انتقاءها، وأبدع في بناء نسيجها الروائي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ربنا سترها.. إصابة المخرج ماندو العدل بـ-جلطة فى القلب-


.. فعاليات المهرجان الدولي للموسيقى السيمفونية في الجزاي?ر




.. سامر أبو طالب: خايف من تجربة الغناء حاليا.. ولحنت لعمرو دياب


.. فيديو يوثق اعتداء مغني الراب الأميركي ديدي على صديقته في فند




.. فيديو يُظهر اعتداء مغني الراب شون كومز جسديًا على صديقته في