الحوار المتمدن - موبايل


مؤتمر باريس وعودة الرجل الابيض

كامران جرجيس

2014 / 9 / 21
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق


عقد اخيرا في باريس المؤتمر الدولي لدعم الامن والسلام في العراق بمشاركة ممثلين عن ستة وعشرين دولة عربية واجنبية. واعربت الدول المشاركة في ختام المؤتمر عن استعدادها لتوفير جميع الوسائل اللازمة لمساعدة العراق على استعادة توازنه السياسي والعسكري من جديد وتحرير كامل اراضيه من جماعة تنظيم (الدولة الاسلامية) التي لانزال تسطيرعلى مساحة جغرافية واسعة من البلد على الرغم من الغارات الجوية التي تشنها الطائرات الامريكية على قواعد وتحشدات التنظيم منذ نهاية شهر اب (اغسطس) الماضي.
وقبيل التطرق الى الاخفاقات السياسية والامنية لحكومة السيد المالكي السابقة والتي ساهمت بشكل فعال في بروز ظاهرة الدولة الاسلامية وارغمت العراق مرة اخرى على الاستنجاد بالرجل الابيض بعد ان رحله في عام 2011 على اثر ادعاء السيد المالكي آنذاك بأن حكومته قادرة على استتباب الامن وحماية سيادة العراق دون مساعدة الرجل الابيض، اود ان اتوقف قليلا عند عبارة (الرجل الابيض) ودور هذه العبارة اللغوية في الواقع واستخدامها في سياقات ادبية وخطابية متباينة. كما هو معلوم تشير عبارة الرجل الابيض الى الغرب والولايات المتحدة على رغم من ان بشرة سيد البيت الابيض باتت اليوم اسود اللون بعد ان كانت ابيض اللون منذ تاسيس الولايات المتحدة لحين اختيار الرئيس الاسود براك اوباما عام 2008. والرئيس اوباما على رغم من سواد بشرته لايزال ينفذ سياسة الرجل الابيض في العالم.
لم يتقن السيد نوري المالكي الذي دخل معترك السياسة هاويا وليس محترفا قواعد اللعبة جيدا مع الرجل الابيض وفي منطقة مضطربة كالشرق الاوسط - بالغ في تقليل نفوذ الرجل الابيض ودوره في رسم ملامح المستقبل السياسي للعراق والشرق الاوسط وان تراجع نفوذه لفترة- وبالغ في قدرة حكومته على مواجهة التحديات الامنية والدفاعية في فترة مابعد الاحتلال حين رفض التوقيع على الاتفاقية الامنية التي عرضتها عليه الولايات المتحدة (الرجل الابيض) عام 2011 والتي ارادت بموجبها ابقاء جزء من عناصرها العسكرية في العراق لاجل تدريب القوات العسكرية العراقية شريطة ان توفر لهم العراق الحصانة القانونية.
لم يرضى السيد المالكي بالاتفاقية ناسيا بانه رجع الى العراق على قطار الرجل الابيض شأنه شأن عدد كبير من رفاقه وخصومه السياسيين.وبالغ ايضا في قدرة العراق على النجاة من النار السوري وفي ملاحقة ومطاردة خصومه السياسيين. لم يعي اهتماما بمحيط العراق العربي وقلل من اهمية دول اقليمية كبرى كالسعودية وتركيا. ودخل في حلف قوي مع ايران ظنا منه بانها سوف تضمن له الولاية الثالثة كما ضمنت له الولاية الثانية عام 2010 على رغم اعتراض خصومه الخارجيين والمحليين – لم يدرك السيد المالكي بان السياسة قائمة على المصالح وليس الصداقة. لم يقرء تاريخ العراق الحديث جيدا واراد تعزيز الادارة المركزية على حساب الاطراف ودخل في التجاذب مع الاكراد وانتهج سياسة التهميش بحق عرب السنة. وسياسته تجاه سوريا التي انتقلت حريقها الى العراق كانت غير واضحة اي انه تارة اعلن انحيازه الكامل للرئيس الاسد وتارة اخرى دعمه لحق الشعب السوري في تقرير مصيره .
سُئل السيد المالكي اثناء حملنه الانتخابية الاخيرة عن اهم انجازات حكومته الخارجية فذكر انهاء احتلال الرجل الابيض للعراق وجمع العدوين اللدودين (ايران والرجل الابيض) على طاولة المفاوضات في بغداد بشأن ملف الايران النووي لم يدرك السيد المالكي بان بإمكان العدوين اللدودين ان يكونا اصدقاء عند التقاء المصالح وان اختيار الاصدقاء والتخلي عنهم في السياسة يتم وفق الافرازات والمعطيات السياسية على الارض. واتفاق ايران وامريكا على تبديل السيد المالكي بالسيد العبادي هو خير دليل على ذلك. وسجل الرجل الابيض ملىء بهذه الامثلة - من لايذكر تخلي امريكا عن حليفه التاريخي شاه ايران لصالح الثورة الاسلامية.
واود ان اذكر القارىء بان تكرار الاشارة الى الرجل الابيض هنا لا يأتي من باب المدح والاعجاب بل لاجل تذكير وحث السياسيين عن البحث وفهم التأريخ ولكي لا نوجه اللوم دائما الى الرجل الابيض ونحمله مسؤولية اخطاءنا السياسية الباهظة التكليف. للرجل الابيض ايضا سجل مشين، من لايذكر سكوت الرجل الابيض على الممارسات الاجرامية لصديقه صدام حسين بحق الشعب العراقي وعلى فاجعة حلبجة وتجفبف وحرق الاهوار في جنوب العراق. لم ينجو صدام حسين من ازدواجية الرجل الابيض حين سلمه الى المقصلة. من لايذكر فضيحة سجن ابو غريب وجرائم القتل والاغتصاب بحق العراقيين في زمن احتلال الرجل الابيض للعراق ناهيك عن جهل الحاكم العسكري (بول بريمر) وقراراته السياسية الفاشلة والتي ساهمت الى حد كبير في خلق الفوضى والفراغ العسكري والامني الذي يعيشه العراق حالياً. من لايذكر كارثة حرب فيتنام وتسليم الرجل الابيض باتريس لومومبا Patrice Lumumba (1925-1961 ) اول رئيس وزراء المنتخب ديمقراطيا في جمهرية كونغو الديمقراطية الى مقصلة الجنرال جوزيف موبوتو الذي اصبح ديكتاتورا بعد ان نال رضا الرجل الابيض وانضم الى معسكره المعادي للاتحاد السوفيتي.
الرجل الابيض لم ولن يعرف تعقيدات العراق السياسية والاجتماعية بقدر مايعرفها العراقيون انفسهم. العراقيون وحدهم بمختلف خلفياتهم الثقافية والعرقية والدينية يعرفون مشاكل العراق وحلوله. كان من الاجدر ان نتحلى بقدر كبير من التسامح وحب السلام وان لانتعلم فن الاقصاء واحتقار التعايش السلمي بعد اكثر من ثلاثة عقود من حكم الطاغية والشوق الى الحرية. كان من الاجدر ان نمد يد المصالحة الحقيقية الى خصومنا بدلا من الاستنجاد بالرجل الابيض لكي ينقذنا من نار دولة الخلافة ويعلمنا المصالحة. كان من المفترض ان نزين خطاباتنا السياسية والدينية بكلمات الحب والتسامح وليس بعبارات التخوين والاقصاء. مساعدة الرجل الابيض هذه المرة سوف لاتكون بدون ثمن والثمن سيكون باهظ ما لم يتسرع الساسة العراقيون بتبني جملة من الاصلاحات النوعية والجذرية لمعالجة تداعيات الاخفاقات السياسية السابقة خاصة في مجال الدفاع والامن والفساد المتفشي والمحسوبية. والاهم من ذلك اصلاح عقلية ادارة الحكم لان المشكلة الاساسية لاتكمن في تبديل الادوار بل في تغيير العقلية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أردوغان يدعو مواطنيه إلى مقاطعة البضائع الفرنسية وردود فعل أ


.. إدلب إلى الواجهة من جديد.. ضربات روسية على حلفاء أنقرة | #غر


.. جدل في الجزائر حول حصر الترشح للبرلمان الجزائري في ولايتين ف




.. باحث: البرهان كان واضحا ومقنعا للرأي العام في السودان في تأك


.. بومبيو يدعو لخروج القوات الأجنبية من ليبيا خلال 90 يوما