الحوار المتمدن - موبايل


في مديح الذات عند الإمبراطور أوباما

خليل عيسى

2014 / 10 / 5
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني


يوم 17 أيلول ردّ وزير الخارجية الاميركي جون كيري على ماركو روبيو وهو سيناتور يعدّ من صقور الحزب جمهوري الذي حاصره بسؤال مفاده "هل سننشر قوّات أميركيّة في الشرق الأوسط إذا اتضّح أنّ الضربات الجوّية لن تقضي على "داعش"؟. جاوب كيري إذ ذاك بكل وضوح أنّ "إيران يمكنها قيادة الحرب ضدّ "داعش" إذا ما فشلت الولايات المتّحدة الاميركية بشكل مريع في عمل ذلك.". حينها اعتبر الكثير من المعارضين السوريين كما فعل أتباع إيران، كلّ لسبب يتعلّق بالحفاظ على نقاء سرديته، أنّ ما قاله كيري هو مجرّد "زلّة لسان". لكنّ الحقيقة التي لايريد الجميع قولها هي أنّ "التلزيم الاستعماري من الباطن" لمقدرات الشعوب العربية الى مقاولين ايرانيين هو خيار تمّ رفعه، الى مرتبة "العقيدة" منذ مجيء إدارة أوباما الى البيت الأبيض. والحقّ أنّ هنالك سببًا وجيهًا جدًا قد دفع كيري لقول ما قاله، وهو أنّ الإفصاح العلني عن التحالفات الدولية تكمن وظيفته في كونه طمأنة دورية للحلفاء (ايران والنظام السوري) على الالتزام الامبراطوري بمصالحهما ولو عارض ذلك القاعدة الذهبية التي تشكّل الدعامة المركزية للتحالف المصون، والتي تقول بأنّ أول ما يجب فعله هو تمويهه عبر الصراخ المتبادل عن الخلافات المفترضة -والكاذبة طبعًا- حول "الملف النووي" و"تهديد ايران للغرب".
قد تشعر ايران بالخطر أحيانًا بسبب هشاشة الوضع العسكري في سوريا، حينها تقول للاميركيين "واجب عليكم أخذ الحذر، أرجوكم!". فتورد مثلًا وكالة "رويترز" يوم 24 أيلول خبرًا مفاده، أنّ مسؤولًا ايرانيًّا رفيع المستوى يقول بأن" الولايات المتحدة الاميركية أعلمت ايران مسبقًا بنيتها قصف "داعش" في سوريا وأنّها لا تنوي قصف مواقع نظام الأسد، حيث أنّ ايران كانت قلقة من أن موقع الأسد وحكومته قد يضعفان في حال قصف "الدولة الاسلامية" وهي كان قد تطرقت الى ذلك في إجتماعات مع الاميركيين". وقال المسؤول أيضًا أنّ "المسألة قد تمّ إثارتها في جنيف ثمّ نيويورك حيث تمّ التطمين أنّ لا الاسد ولا حكومته سيتمّ الهجوم عليهما في حالة تمّ قصف "الدولة الاسلامية"". فالامبراطوريّة الاميركية جادّة كلّ الجدّة بحلفها مع دولة الملالي الفارسيّة كما بيّنت ذلك جريدة "الواشنطن تايمز" يوم 20 أيلول التي كتبت مقالًا بعنوان ""قوات القدس الإيرانية تساعد شيعة العراق بمباركة إدارة أوباما"، والذي جاء فيه أنّ " الكثير مما تقوم به قوات القدس الايرانية يتعلّق بالميليشيات العراقيّة"و" إنّ معركة "سدّ الموصل" في شمال العراق هي الأولى من نوعها التي يُعرف فيها أنّ الاميركيون قاتلوا فيها جنبا الى جنب مع الايرانيين. إنّ "قوات القدس" اليوم في سوريا تقاتل الى جانب الرئيس بشار الاسد" وأنّ الحلف الاميركي –الايراني هو حلف "غير معلن". هكذا يصبح سلاح الجوّ الاميركي يعمل بوصفه السلاح الجوّي لقوات القدس الايرانية المنتشرة في الشرق العربي!
وفي الوقت الذي كان فيه المقاتلون الحوثيّون يطوفون في شوارع صنعاء حاملين صور "الخميني" و"خامنئي"، منتشين "بانتصارهم" الذي هنّأهم عليه أمين "حزب الله" مؤخّرا بوصفها "الثورة اليمنية" الوحيدة، الصحيحة التامة بطبعتها الفارسيّة، تمّ تسليم العاصمة للميليشيات الحوثيّة من قبل الجيش اليمني الذي وقف عمليًّا متفرّجًا، بإيعاز من إدارة أوباما. وبالتالي قام هذا الاخير بتسليم اليمن لإيران حيث اعتبر في خطابه الى الأمّة يوم 10 أيلول الجاري، أنّ ما يحصل في سوريا والعراق هو دليل على "نجاح الاستراتجية التي اتبعناها في اليمن" والتي تقول "بدعم شركائنا على الخطوط الامامية". أمّا نائب العاصمة طهران في البرلمان والمقرّب من المرشد خامنئي، فقد أعلن حينها أنّ "ثلاث عواصم اليوم أصبحت اليوم بيد إيران، وتابعة للثورة الايرانية الاسلامية"، منبّها الى أنّ صنعاء هي العاصمة الرابعة التى يحظى أهلها بهذا الشرف الرفيع وقبلها بغداد وبيروت ودمشق. قال زاكاني أيضًا في إشارة صريحة منه الى مخططات بلاده الاستعمارية أنه "بالتأكيد فإنّ "الثورة" اليمنيّة لن تقتصر على اليمن وحدها وشوف تمتد بعد نجاحها الى داخل الاراضي السعودية، وإنّ الحدود اليمنية الواسعة سوف تساعد في تسريع وصولها الى العمق السعودي."
خلال خطاب أوباما الاخير يوم 24 أيلول الجاري أمام الجلسة العمومية للأمم المتّحدة، كان الجزء الاكبر تكرارًا مملاًّ بلغّة خلاصية، عن المهمة التي حباها الله لأميركا في "مكافحة الارهاب" لتنقذنا كلنا من "براثن داعش ". لكن الخطاب كان أيضا بمثابة التجلّي الاكبر لحلف الولايات المتّحدة الاميركية مع ايران، فروعيت القاعدة الذهبية التي تقول بضرورة تمويه الحلف مع ايران عبر اللغو حول تهديد المشروع النووي الايراني. الا أنّ هذه المرة بدا الرجل لطيفًا للغاية تجاه القادة الفرس فطمـأنهم قائلًا "أننا نستطيع الوصول الى حلّ يضمن لكم مصادر الطاقة و تضمن للعالم أنّ برنامجكم النووي سلمي". أما بالنسبة للأسد ونظامه فعرّج عليهما الرئيس الاسوَد بخجل وتمّ لوم الأسد بعض الشيء على "وحشيته"، رغم أنّ أوباما لم يتحفنا هذه المرّة بصرخته المعهودة حول "فقدان الاسد للشرعية" التي يطلقها في كلّ عرس. بل هو قام بخطوة فريدة من نوعها إذ مدح "حزب الله" في لبنان بوصفه من "الفصائل اللبنانية التي تنبذ من يريدون أن يبدأوا الحرب" بما أن الحزب المذكور أصبح ينسّق مع الامبريالية الاميركية بشكل حثيث لكن تحت الطاولة، كما أفادت بذلك "النيويورك تايمز" قبل يومين من الخطاب.
لقد ذكر أوباما في خطابه كيف أنّ "وحشيّة الإرهابيين في كلّ من سوريا والعراق تجبرنا على النظر في قلب الظلام". يحيل رئيس النظام الاميركي هنا الى رواية "قلب الظلام" المشهورة التى كتبها جوزف كونراد المهاجر البولندي الى انكلترا عام 1899. تخبرنا هذه الرواية القصيرة عن رحلة في قارب يقوم بها الراوي شارلز مارلو بحثًا عن كورتز إنطلاقًا من نهر التايمز الانكليزي الى منبع نهر الكونغو في أفريقيا والاحداث المريعة التي تخللها ذلك وصولًا الى "قلب الظلام" الافريقي حيث يُعثر فيه على السيد كورتز متزعّما قبيلة "متوحشين" والذي يموت في النهاية. "قلب الظلام"هي أيضا إفريقيا التي تقع مقابل أوروربا مركز "الحضارة"، أيّ ما مثّلته حينها الامبراطورية الابريطانية. وبنفس الطريقة يتخيّل رئيس أكبر امبراطورية مهيمنة في التاريخ موقعه بصفته كورتز عصرنا، هو المحتار امام المهمات الجسيمة التي تواجهه في كونه ضامن الامن العالمي من "تهديد الارهابيين". وكورتز "البيت الابيض" إذ يقوم بانقاذ العالم ولو عنى ذلك تزعّم قبائل المتوحشين الجهلة بصفته الههم، إنّما يقوم بذلك في إطار مهمته التحضيرية، تماما كما كان كورتز منصّبا نفسه الهًا للمتوحشين في الادغال والذي أعجب به مارلو رغم تعامله الوحشي مع السكّان الاصليين طوال الوقت. منبع النهر و"قلب الظلام" بالنسبة لأوباما، هو ما يحصل اليوم في العراق وسوريا حيث تنوب عنه إيران في حراسة تلك الأنحاء. وتماما مثل كورتز الذي عاش مع متوحشين ينصبون الرؤوس المقطوعة على الأسيجة في الادغال الكونغولية، في إحالة الى ما فعلته "داعش" اليوم، فإنّ أوباما يتزعمنا كمتوحشّين يتخيّلونه الهًا لهم في حين يقومون بقطع رؤوس بعضهم البعض. فإتمام الرسالة الحضارية هنا هي حرب يقودها هو على رأس جيش من المتوحشين (التحالف الدولي المصون ضد داعش) ضدّ متوحشين آخرين "داعشيين". إنّ أوباما "الامبراطور-الاله" ، كورتز عصرنا، يقوم حينذاك بشرعنة استعماله الغير المحدود لمصائرنا، من أجل "خلاصنا جميعا" بقيادة أميركا. ومن يدري؟ ربما يطلب منا أن نتشكره على ذلك. فهو في نغمة استعطاف مثيرة للشفقة يتخيّل وهو الرجل الذي قصف سبع بلاد اسلاميّة حتى الآن وسلّم ثلاث منها الى ايران، أنّه مثل كورتز الذي يموت على باخرة "نيللي" متلفظًا باسم حبيبته بعد إنجاز مهمّته الخلاصية عبر إكماله دراسة "للمجمع العالمي للتخلّص من عادات المتوحّشين"، والتي ذيّلها الاخير بتوصيته:"أبيدوا جميع المتوحشين!". لكنّ المثير للسخرية حقًّا أنّه قد لا يوجد مديحًا أكثر إكبارًا يقدّمه الامبراطور الاميركي الحالي لمستعمَرين ينتفضون عليه اليوم وعلى منتدَبيه الكثر في "قلب الظلام" عندما يقوم بمدح نفسه على هذا المنوال. فقد تحرّر افريقيو"قلب الظلام" من براثن الاستعمار البريطاني بعد أكثر من نصف قرن على كتابة كونراد لروايته، فبدا كأنّما الرواية هي إشارة ضمنيّة الى بدء مسيرة أفول الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس... فكم من الوقت سنحتاج بعد مديح امبراطورنا لنفسه من أجل أن يتحرّر مستعمَرو "قلب الظلام" من الاستعمار الاميركي-الايراني؟ (العربي الجديد-panarablenin.wordpress.com)








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. #تمارا_جمال تروي كيف واجهت التنمر في #يوم_مع_ميسون.


.. هجوم نطنز في إيران: الرسائل وحدود الرد والمواجهة


.. أبرز مسلسلات الدراما المصرية في رمضان 2021.. القصص وقنوات ال




.. بيروت تدعو دمشق إلى التفاوض على ترسيم الحدود البحرية | #رادا


.. فرض حظر كلي لمدةِ 10 أيام إضافية شمال شرقي سوريا