الحوار المتمدن - موبايل


واشنطن ومبدأ راعي البقر

جاك جوزيف أوسي

2014 / 10 / 8
مواضيع وابحاث سياسية


مضى ما يُقارب الأربع سنوات من المحن والمآسي التي تعرضت لها بلادنا ومنطقة شرق المتوسط نتيجة الفتن الطائفية والقومية التي زرعها الاحتلال الأمريكي للعراق، وأججت نيرانها تدخلات قوى إقليمية في الأزمة السورية رأت أن من مصلحتها اللعب على هذه الأوتار الحساسة خدمة لمشاريعها ومخططاتها في المنطقة.
فهذه القوى الإقليمية اتفقت على مبدأ إسقاط الحكومة الوطنية في دمشق لكنها اختلفت على طبيعة النظام الجديد الذي سيرث دمشق ودوره في المنطقة وشكل نظام الحكم الذي سيؤسسه. الأمر الذي أدى إلى نشوب صراعات طاحنة بين دمى هذه القوى على الأرض، كان من إفرازاته ظهور تنظيم (داعش) الذي استخدمه العثمانيون الجدد أداة لتحقيق مخططاتهم في المنطقة.
خلال هذه الفترة، غضت واشنطن النظر عما يحدث في المنطقة من جرائم وحشية وإبادة بشرية، فكل ما يحدث في المنطقة كان يصب في مصلحتها. فهي من جهة تستنزف خصميها الرئيسيين، روسيا الاتحادية وإيران، ومن جهة أخرى تنصب الفخ لحلفائها الإقليميين كي لا يتجاوزوا الحدود المرسومة لهم في المخططات الأمريكية. فواشنطن حولت تركيا إلى باكستان ثانية قد تتحول في أي لحظة إلى دولة فاشلة، ترتع فيها التنظيمات الإرهابية، إن تمادى العثمانيون الجدد في حلمهم المجنون، وقد تستخدم ورقة دعم التنظيمات الإرهابية في وجه شيوخ الخليج في أي لحظة، وما التقارير التي بدأت تظهر في الصحف العالمية والتي تتحدث عن دعم هؤلاء الشيوخ للإرهاب إلا البداية.
فالمطلوب من أحفاد السلاجقة والعثمانيين كان تقديم نموذج للإسلام يُمكن تعميمه في أوربا ومنطقة الشرق الأوسط، حتى تستطيع أوربا دمج المهاجرين إليها من العالم الإسلامي، بعد أن ظهرت لديهم أزمة هوية حادة أدت إلى مشاكل في اندماجهم في المجتمع الغربي، وكان من نتائجها الانعكاسية:
* استغلال النازيين الجدد في أوربا، هذه الظاهرة، ما أدى إلى دق ناقوس الخطر في واشنطن خوفاً من وصول هؤلاء إلى سدة الحكم في أوربا وتأثيرهم على مفهوم العولمة النيوليبرالية التي تُبشر بها واشنطن.
* تسهيل وصول الإسلاميين إلى الحكم في الشرق الأوسط، من جهة أخرى، لوضع حد للتيارات القومية واليسارية التي لا تزال ترى، حتى هذه اللحظة، في موسكو الحليف الطبيعي لها في وجه المشروع الأمريكي - الصهيوني في المنطقة.
* استخدام النزعة القومية التركية في محاولة لتفتيت إيران من الداخل عبر البوابة الأذربيجانية.
أما بالنسبة للحليف السعودي - الوهابي فكان المطلوب منه تقديم قراءة للإسلام الجهادي تستفيد منها واشنطن في مقارعة القيصر الروسي في آسيا الوسطى والقوقاز، وخلخلة البيت الصيني الداخلي في تركمانستان الشرقية، وتستخدمه عصا في وجه الهند إن تمادت في التمرد على البيت الأبيض. إضافة إلى ضرب ركائز النفوذ الروسي والصيني وحتى الإيراني في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا.
هذان الحليفان دخلا في صراع إلغاء أحدهما ضد الآخر، فالاثنان يحملان من أحقاد التاريخ ما ينوء كاهل البشرية بحمله. أنقرة لا تزال ترى في آل سعود عشيرة متمردة على الباب العالي يجب تأديبها وإعادتها إلى الحظيرة السلطانية، والعشيرة لم تنس حتى الآن تدمير مدينتها (الدرعية) وقتل أفرادها وإعدام زعيمها في القرن التاسع عشر. ومن أجل ذلك، دعمت الرياض الثورة الشعبية ضد حكم الإخوان المسلمين في مصر، الأمر الذي أفقد أردوغان صوابه وأصبح التنديد بمصر وحكومتها الجديدة هو اللازمة لأي خطاب يُلقيه. ودخل آل سعود، ومن ورائهم دول الخليج، في معركة لتحجيم نفوذ السلطان العثماني وخازن بيت ماله، الشيخ القطري، في سورية. استخدموا خلالها كل الوسائل الدنيئة من أجل الفوز بالمعركة، فجلبوا من شتى أصقاع الأرض كل مجرم سفاح وقاتل مأجور ومريض نفسي كي يمارسوا شذوذهم على الأرض السورية، مقدمين لهم كل الدعم المادي والتقني وحتى الديني من خلال فتاوى لا تمت إلى العقل والدين بصلة.
هذا الصراع أدى إلى خروج الأدوات التي استخدمتها واشنطن عن المخطط المرسوم لها، فبدأت تهدد المصالح الأمريكية في المنطقة وتهز استقرار دول العالم من جهة أخرى، فالوحش التكفيري الذي أُطلق من قمقمه يُهدد بإعادة المنطقة إلى العصر الحجري وإدخال مدن أوربا والولايات المتحدة في دوامة العنف والدم. لذلك قرر سيد البيت الأبيض امتطاء جواده وتذخير سلاحه والدخول إلى ساحة المعركة، ممهّداً لها بتحالف الأربعين الذي أنشأه في جدة ومؤتمر باريس لدعم الحكومة العراقية في وجه الهجمة الداعشية.
راعي البقر الأمريكي، الذي يحكمه مبدأ (أطلق النار أولاً ثم ابحث عن الحلول لاحقاً)، وجد من الأنسب له، بعد أن مُسّ شرفه بقتل مواطنيه بهذه الطريقة الهمجية وتهديد مصالحه الاستراتيجية في المنطقة، أن يقلب الطاولة على رؤوس الجميع ويعيد رسم أولوياته في المنطقة، فأوعز إلى حلفائه الإنكليز بجس نبض إيران كي تنضم إلى حلفه وصرّح من على منبر الأمم المتحدة بأن الأزمة السورية لا تُحل إلا سياسياً، الأمر الذي شكّل صفعة قوية للسلطان العثماني وسائر رؤساء عشائر الخليج، فبعد موشح أن النظام فاقد للشرعية وأيامه معدودة، قرر البيت الأبيض تنظيم خلافه مع الحكومة السورية على أمل الوصول إلى تسوية تسمح بإشراك دمشق والقوى الداعمة لها في حلف مكافحة الإرهاب العالمي، كما ينصح بعض حلفاء واشنطن، إذ تعتبر دمشق وحلفاؤها أن هذه الضربات في غياب التنسيق الكامل مع الحكومة السورية، غير شرعية، بعد أن كانت حصيلة الغارات الجوية خلال المدة المنصرمة، إضافة إلى تدميرها مرتكزات اقتصادية هي مُلك للشعب السوري، لا تعادل حصيلة كمين واحد يُنفذه الجيش العربي السوري، بكلفة لا تُذكر. في الوقت الذي تعمل على تأسيس مراكز نفوذ لها في سورية المستقبل عن طريق تدريب مجموعات من (المعارضة المعتدلة).
مع ذلك علينا أن لا نثق كثيراً بهذه الانعطافة الأمريكية، فينما طائراتها تقصف من السماء، تعمل واشنطن على تكريس خطوط التقسيم على الأرض تحت مسميات رنانة (كالكونفدرالية)، إذ سيحافظ البيت الأبيض على شكل الدول الحالي ظاهراً في حين سيشجع كل المكونات الكبرى في المنطقة على طلب الإدارة الذاتية لمناطقها، أما الأقليات وسكان المناطق المختلطة فسيعمل على فرزهم وإعادة تجميعهم في مناطق معينة للنظر في أمرهم كما حدث في العراق.
المطلوب من الجميع اليوم أن يقدموا مصلحة الوطن العامة على مصلحة طوائفهم ومذاهبهم وقومياتهم الخاصة، لأننا قد نتمكن من إعادة بناء أوطاننا بالوعي والصبر والترفّع عن الصغائر، أما إن حركتنا الضغائن والغرائز والأحقاد، فإننا جميعاً سنخرج من التاريخ إلى الأبد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. جمعتنا بتحلى مع أحمد حسن | الحلقة 1 | بيسان إسماعيل


.. حمدوك يدعو مدبولي وآبي أحمد لقمة ثلاثية مغلقة


.. لقاءات لديفيد هيل مع المسؤولين اللبنانيين




.. توصيات أميركية بتعليق استخدام لقاح جونسون آند جونسون


.. الازدحام يعود إلى الشوارع مع بدء تخفيف الإغلاق