الحوار المتمدن - موبايل


صوت الشاعر بين الأصالة، و التجدد، و إيحاءات المكان

محمد سمير عبد السلام

2014 / 10 / 28
الادب والفن


(و يبكي البحر) ديوان شعر بالعامية المصرية للشاعر (مختار عبد الفتاح)، و قد صدر حديثا عن مطبعة الأمانة سنة 2013، و يتميز الديوان بالكثافة، و الغنائية، و التفاعل الجمالي بين صوت المتكلم في حالة الكتابة، و الأبنية الثقافية، و الاجتماعية، و الفلسفية، و كذلك إيحاءات المكان، و خصوصيته، و أصواته؛ فهو يبحث عن تجدد للهوية الذاتية، و الثقافية من خلال مضاعفة اكتشاف الصوت، و ذاكرته، و ارتباطه بالمكان، و هو يطور من تراث (صلاح جاهين)، و (فؤاد حداد) في البحث عن شاعرية المكان، و خصوصيته التي ارتبطت بمدينة المنيا من جهة، و التطور الإبداعي، و الثقافي للذات داخل المكان من جهة أخرى؛ إذ تتخذ إيماءات المكان، و أصواته دلالات جديدة حين تقترن بأخيلة الوعي المبدع، و أحلامه، و ذاكرته.
إن الشاعر يطور هويته من خلال القصيدة؛ فهي أغنية جمالية، و تأويلية قد تستبدل صوت الشاعر في النص؛ كي تجدد تاريخه، و تمنحه حضورا آخر ضمن السياق الثقافي، أو الاجتماعي؛ إذ لا يمكن الفصل – في الديوان – بين تاريخ الصوت المتكلم، و لحظات التوحد بالقصيدة التي تعيد اكتشاف الذات، و العالم في تفاعلية متجددة بين النص، و الواقع.
و يمكننا ملاحظة ثلاث تيمات في الديوان؛ هي الصوت الشعري بين الأصالة، و التجدد، و التفاعل الجمالي بين الذات، و المكان، و أخيلة النور، و الظلمة، و اتساع البحر.
أولا: الصوت الشعري بين الأصالة، و التجدد:
يعيد الشاعر قراءة الذات المتكلمة من خلال إنتاجية النص الإبداعية لمقاطع من الذاكرة، أو التفسير الفلسفي الشعري للوجود، أو استشراف المستقبل، و تناقضاته، أو التشكيل المجازي للصوت بين الأصالة من جهة، و تعدد الحالات الانفعالية، و الاستعارية أثناء الكتابة من جهة أخرى؛ فقد نرى الصوت يتخذ مظهر القصيدة، أو العصفور، أو القمر، أو النور المغترب في الظلام؛ ليعيد تكوين الأنا في سياق يجمع بين الفن و الحياة.
يبحث الشاعر عن الحياة المجازية الخفية، و الكامنة وراء الموت، و مخاوفه؛ و كأنه يشير إلى الوجود المؤقت للإنسان في العالم؛ فصوته يقع بين الموت، و الحياة دائما:
يقول في قصيدة (عصفوري):"عصفوري ميت / ف ريشه / يا مين يلملم غنوته / يمرجحله غصنه / و يدفي قلبه / قبل ما يحين السكات".
لقد نقل الشاعر صوته، أو حضوره في بديل استعاري له؛ و هو العصفور المعلق بين الموت، و الحياة؛ و كأنه يمزج بين التكوين الجمالي الموحي بالبهجة في علامة العصفور، و مخاوفه من الموت، و الفناء؛ إنه – بصورة غير واعية – يؤجل الموت، و يستشرف البهجة، و يظل معلقا بين التحقق الذاتي، و الموت.
و قد يسعى الشاعر للأصالة من خلال حالة التوحد بالقصيدة، أو بالوجود الشعري؛ ليناهض التهميش، و القهر من داخل الكتابة التي تتعالى على الواقع، و تعيد تشكيله في فضاء آخر؛ فالقصيدة تتجاوز القهر حين تعيد تمثيله؛ فغنائية بنائها الفني تتمرد على سياق التهميش، و تستشرف عودة الأنا المتكلم، و حضوره الخاص.
يقول في نص (قصيدة): "غاب القمر / و الغنا حود ... / على ساقية مهجورة / بعتر حروف الكلام / و كتب قصيدة مقهورة".
مثلت القصيدة حالة التناثر، أو التفكك المبنية على نموذج القهر، و صارت بديلة عن الذات؛ لتؤكد التوحد بين المتكلم، و حالة الأداء الإبداعي الأسبق من نموذج التهميش في النص.
و قد يتجاوز المتكلم حالة الظلمة المهيمنة، و يستبدلها بأخيلة الربيع المجازية في الوعي، و اللاوعي، و يعيد قراءة الزمن من داخل الصراع بين الظلمة و تجدد الحياة، أو تجدد لحظات الحضور الجمالية للصوت.
يقول في قصيدة (عنقود فرح): "عشرين سنة / و الليل بيجدل غنوته / و يندي فجره بالوسن / يبدر خضار الشجر / و كأنه كان مخفي / ف جسم ميت منتظر / من تاني ترجعله الأنا / عنقود فرح".
لقد جمعت إيماءة (الليل) في النص بين الموت الكامن في الظلمة، و اكتساب أغاني الربيع، و عودة الحياة للأنا في الوقت نفسه. الليل حالة مجازية متناقضة أو نغمة تجمع بين أثر الحزن القديم، و التجدد الذاتي الذي يماثل الربيع في الذاكرة الجمعية. و سوف نلاحظ تواتر إيماءات النور و الظلمة في قصائد (مختار عبد الفتاح)، و دلالاتها المتنوعة التي توحي بالاختلاف و التعدد في حالات الذات المتكلمة.
و تقترن صورة الأم في ذاكرة الشاعر بتشكل الذات في العالم، و بلحظة الإبداع الممتدة بين الوعي، و الواقع؛ و من ثم تحيا الأم في القصيدة كطاقة إبداعية تتجاوز الموت، و لهذا يوجه لها الشاعر قصيدته بضمير المخاطب الذي يدل على قوة الحضور المجازي.
يقول في قصيدة (أمي): "متروحيش يا شمس / ماتضلميش عيني / سكتي ليه قصتك / و قطعتي موالي".
إن ضمير المخاطب يدل على استدعاء حياة الأم مرة أخرى في إنتاجية النص التي تمزج صورتها بتكرار الشمس، و مخاوف الظلمة في الوعي، و اللاوعي؛ فالأم تشبه الأغنية التي يستمد المتكلم منها وجوده؛ و من ثم فموتها يتحول في النص إلى طاقة إبداعية جديدة، و ممتدة في إلهامها للمتكلم.
ثانيا: التفاعل الجمالي بين الذات، و المكان:
الإحساس الجمالي بالمكان، و إيحاءاته الأدبية الخاصة تيمة متكررة في تراث العامية المصرية، و في ديوان (مختار عبد الفتاح)؛ إنه يستكمل تراث (فؤاد حداد)، و (صلاح جاهين) في الإحساس الجمالي بروح المكان، و ثقافته، و خصوصية الشخصية المصرية فيه؛ إذ يصف شاعرية بعض الأماكن الثقافية، و المقاهي، و الروح الشعبية بمدينة المنيا بصورة تستمد أصالتها من الواقع، ثم تتجاوزه في سياق القصيدة التي تعيد اكتشافه مجازيا.
يقول في قصيدة (نهر الحكاوي):
"و تفضل حروفي بلون البنفسج / حزينة بتبهج / حبيبة بتعتب / تخاصم و ترجع و ترسم ظلال / ... و نهر الحكاوي ف عزبة شاهين / و ريحة القهاوي / سباق الخطاوي نصاص الليالي / و فرحة لقانا ف يوم التلات / و بانت سعاد / و غنوة لثومة تهز الفؤاد".
تنشأ القصيدة هنا في السياق الجمالي التعددي المعقد للحياة، لا في مستوى الرؤية النمطية؛ فلكل شيء صوت، أو رائحة، أو حركة، أو صورة استعارية في الوعي المبدع، كما يستعيد أطياف التراث الخاصة بالمتنبي، و كعب بن زهير، و سوق عكاظ؛ لتتجاوز سياقها الزمني، و تؤسس لعوالم افتراضية جديدة تمتزج بالروح المحلية للمكان.
تمتزج إيحاءات الحكايات الصوتية برائحة المقهى، و إيماءات ندوة نادي الأدب، ثم تتداعى أصوات الماضي في صيرورة الكتابة؛ كي يكتسب الواقع حضورا آخر.
و تتخذ تعددية المكان، و أصواته صورة أشمل في قصيدة (باحب الوطن)؛ إذ تمتزج علامات المكان المحلي بعلامات الوطن / مصر؛ فالصور، و الألوان، و الأصوات، و الأطعمة، و الأعياد تشكل سيمفونية جمالية جديدة، و فريدة.
يقول: "و قلة و فلة / و شمعة ف فانوس / و سيرة الهلالي / بتاع عرقسوس / مرايل تلامذة / بشنطة قماش ... / و كشري الحبايب / و راديو يسمعنا / عدى النهار / و صوت الطاحونة / و جاز للوابور / و أبلة فضيلة / و فرح العبور".
يجمع المكان هنا بين البساطة، و عمق الإشارات الاستعارية الكامنة في نسيجه؛ فبراءة التلاميذ تمتزج بإيحاءات القوة في السيرة الهلالية، أما الراديو فيمتزج بقوة الطاحونة، و النصر، و حكايات الطفولة في آن؛ للمكان ثراؤه، و تناقضاته الإبداعية - إذا – في الإحساس الجمالي الشعري.
ثالثا: أخيلة البحر، و النور، و الظلمة:
تشير أخيلة الماء في تراث الأدب إلى الاتساع الخفي للعالم الداخلي، أو التناقض، أو الاندماج الكوني، و سنلاحظ ذلك – بصورة غير مباشرة – في ديوان (مختار عبد الفتاح)؛ فالبحر يقترن عند بحالات حزن، و انفصال عن الآخر، و خوف، و لكنه يبكي في النهاية؛ و كأنه يشير إلى أصالة الاتساع الكوني داخل الذات، و يتناقض حضوره مع السكون المطلق، و يتصل جماليا بضمير المتكلم؛ كي يناهض حالة الانفصال، أو الصمت السابقة.
يقول:
"و تسألني الطحالب آه / ما بين الأرض و الإنسان / إيقاع ميت / رؤى غايمة / خرس أزلي / سنين دهشة / شتا تايه ... / يصير الحلم حدوتة و تعويذة / و يبكي البحر".
يمثل البحر عالما افتراضيا في الوعي المبدع تتناقض فيه إيحاءات الحزن، بالانحياز للحلم بالأصالة، و اتساع العالم الداخلي.
و بصدد تناقضات الموت، و الحياة في مادة الماء، يرى (غاستون باشلار) أن شخصية أوفيليا في مسرحية (هملت) ل (شكسبير) لم تغرق أبدا؛ فهي تظهر للحالمين، و الشعراء، كمادة موت، و حياة في حلم اليقظة المتناقض (راجع / باشلار / الماء و الأحلام / ترجمة د. علي نجيب إبراهيم / المنظمة العربية للترجمة ببيروت 2007 / ص 111).
هكذا جسدت صورة البحر التناقض بين إيماءات الحزن، و الثورة الداخلية على الحزن أيضا حين توحد البحر بالمتكلم، و عالمه الداخلي.
و تتواتر أخيلة النور، و الظلام في الديوان؛ لتدل على غربة المتكلم في مواجهة العالم، و بحثه المستمر عن المعنى، أو الهوية الجمالية؛ إنه يبحث عن النور الداخلي؛ ليواجه به ظلمة الطريق، و صراعاته، و غموضه المجازي في النص، و الذي يقابل بنية الذات، و أحلامها.
يقول: "الليل كمين / و انا الغريب اللي ماشي / ينور العواميد / يغزل ف أحلام الغلابة / و يقول آمين / الطريق خد حته مني / رغم إنه بيستخبى / من خطاوي المكفوفين".
لقد صار الطريق فضاء نصيا للصراع بين النور، و الظلمة، و كذلك بين الذات، و كل ما يقتطع من حضورها، أو من حلمها الأصيل بالتحقق.
د. محمد سمير عبد السلام – مصر








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سلسلة تحليل الفيلم الروسي العودة (3-1)| كيف عكست الصورة أزمة


.. قصة شارع - شارع المتنبي.. منارة بغداد الثقافية وعبق الحضارة


.. مقتطفـات | عرب في كوريا - لينا تعلم صديقها الكوري اللغة




.. مقتطفـات | عرب في كوريا - لينا تعلم صديقها الكوري اللغة العر


.. مسرحية جورج خباز: أغنية -يا هالعمر شوي شوي-