الحوار المتمدن - موبايل


العدائية والصراع السعودي الإيراني

جاك جوزيف أوسي

2014 / 10 / 30
مواضيع وابحاث سياسية


في الشرق الأوسط يبالغ الناس في تقدير الذات والتقليل من شأن الغير، ويرتبط كل شيء لديهم ويختلط كل أمر عندهم بمفهومي الشرف والكرامة، فيسبغ ذلك شحنة انفعالية عالية لأي لفظ أو عبارة أو تصرّف يصدر من الغير، مهما كان الموضوع شخصياً أو عاماً، ويعتبر هذا الأمر مسّاً بالشرف وجرحاً للكرامة. ومن المعلوم أنه لا يوجد خلاف لا يمكن حلّه بالعقل أو وفق الأصول المتّبعة والمعايير المحددة في المجتمع، لكن في حالتنا هذه قد يتطور الأمر ليصبح الخلاف خصومة، والخصومة عداوة، والعداوة حرباً، والحرب... جهاداً مقدساً.
وعندما تشتبك نظرية حائك السجاد مع الحذر والترقب والميل لأخذ الثأر المتأصل في عقلية أهل الصحراء، تصبح المنطقة برمّتها على خط الزلزال المدمّر. ذلك أن الطرفين يلعبان على جميع المتناقضات ليحققوا هدفهم المنشود، الأول كي يصنع بساطاً غاية في الروعة، والثاني كي يتمكن من غرس خنجره في ظهر غريمه. لكن هذا الاشتباك وضع الطرفين في مأزق حرج قد يستنزف الطرفين والمنطقة برمتها.
فالسعودية تتخوف من تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة، الذي أصبح يمتد من حدودها الغربية حتى شواطئ المتوسط، في الوقت الذي تعاني فيه الرياض من فتور نسبي في علاقاتها مع واشنطن، وتواجه تحديات جيو - سياسية كبيرة في أعقاب (الربيع العربي) خصوصاً في البحرين واليمن. فبدأت بالعمل على محاولة إعادة النفوذ الإيراني إلى داخل حدوده، وهو أمر لن يتأتى إلا بمواجهة إيران في مناطق نفوذها التي انتزعتها منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. فعملت على تحويل الصراع في المنطقة إلى صراع طائفي يخدم أغراضها، مستفيدةً مما تعتبره إحدى الطوائف العراقية غُبناً لحِقَ بها، ودمجته في الأزمة السورية عن طريق دعم التنظيمات الإرهابية التي تعمل على تفجير حرب طائفية ومذهبية بين سكان المنطقة. والكلفة السياسية لهذا الانخراط تبدو ضئيلة، خصوصاً مع تعرض المحور الذي تقوده إيران لضغوطات على كل الجبهات ابتداء من الملف النووي مروراً بالأزمة السورية-العراقية، خصوصاً بعد ظهور (داعش) على مسرح الأحداث في البلدين، ومسألة سلاح (حزب الله) في لبنان. لذلك ستستمر السعودية في دعم الأطراف المحلية في العراق وسورية ولبنان وهدفها الأساسي القضاء على النفوذ الإيراني في المنطقة، وهي تعلم أن معركة بهذا التعقيد لا يمكن ربحها بالفوائض المالية وحدها، وهنا العقبة الأساسية للرياض.
أما طهران فهي تتعرض لأكبر تحدّ لها منذ سنوات، فنفوذها الذي نسجته في العراق من وراء الستار يترنح، صحيح أن موازين القوى لا تميل حتى الآن لمصلحة الأطراف المحلية التي تخاصمها في العراق، إلا أن الاتصال البري بين الصحراء العراقية-السورية (قد قُطِعَ بسبب ظهور داعش) الأمر الذي يُسبب لها الأرق. وتبدو خيارات إيران كلها صعبة في العراق مثلما هي في سورية، وتتفاقم الأزمة بفعل الضغوط الاقتصادية الطاحنة بسبب العقوبات المفروضة عليها.
لم تستطع الرياض أن تجاري طهران في شعاري (الممانعة) و(المقاومة) اللذين رفعتهما وأسست بموجبهما منطقة نفوذ إقليمي لها، ولكن طهران لا تملك الفوائض المالية التي يمكن أن تجاري بها انخراط الرياض في أزمات الشرق الأوسط الراهنة، كما إن ازدياد هامش الحركة التركية في المنطقة على خلفية صراع النفوذ مع إيران يضعف من رصيد إيران الإقليمي، وهنا المعضلة الإيرانية. إذ أن تحول الصراع من (ممانعة) في مواجهة (اعتدال) إلى صراع مفتوح بين المذاهب الإسلامية لن يكون لمصلحة طهران. ذلك إن هذا الصراع على المدى الطويل هو خسارة استراتيجية لطهران.
هذه الحالة المرضية توسّع دائرة العداوات ولا تحلّ إي خلاف، حيث تستمر حالة الإحباط نتيجة الإخفاق في الوصول إلى حلول وسط أو تسوية. وللخروج من هذه الدائرة المغلقة يجب أن يتحلى الطرفين بالوعي والمعرفة بحقيقة الأمور والمصارحة حرصاً على سلامة المنطقة وسكانها، بعد أن بدأت الدول الطامعة بنا بالإعداد لوليمة تقاسم الشرق الأوسط، وبدلاً أن نكون الطبق الرئيسي في هذا الاحتفال يجب على الجميع العمل كي نكون ضيف الشرف فيه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. جمعتنا بتحلى مع أحمد حسن | الحلقة 1 | بيسان إسماعيل


.. حمدوك يدعو مدبولي وآبي أحمد لقمة ثلاثية مغلقة


.. لقاءات لديفيد هيل مع المسؤولين اللبنانيين




.. توصيات أميركية بتعليق استخدام لقاح جونسون آند جونسون


.. الازدحام يعود إلى الشوارع مع بدء تخفيف الإغلاق