الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الشيوعيون في الأهوار .... صفحات مضيئة في مقارعة الظلم والأستبدداد

علي عبد الكريم حسون

2014 / 11 / 17
مواضيع وابحاث سياسية


قيضّ لي أن أعمل مدرسا في ناحية الفهود / محافظة ذي قار للأعوام 1968 ولغاية 1970 , ونواحي الفهود والأصلاح والحمار هي مداخل هور الحمار الذي يلاصق رديفه هور الحويزة في ميسان ليكونا قاعدة مثلت يصل رأسه الى المدينة والقرنة في محافظة البصرة . والهور لغة هو البياض وليس المستنقع , وهو محوّر من الآرامية أو السريانية , لكن عربيا يفسر الهور من الأنهيار , أي انهيار الجرف مثلا , وفي الدولة الأسلامية , الأهوار تسمى البطائح (رشيد الخيون في موقع أخبار ) .
ربما لتأريخ الثورات والثوار الذين خرجوا على ظلم الدولتين الأموية والعباسية , ولطبيعة البيئة المائية وسواتر البردي والقصب , كانا سببا في لجوء الثوار لهذه البقعة المائية . ولم يكن الشيوعيين العراقيين غافلين عن ذلك , فشهدت أعوام الخمسينات من القرن الماضي , وتحديد العام 1954 وما تلاه , انتفاضات فلاحي الشامية في محافظة الديوانية وآل أزيرج في محافظة ميسان .
وفي الستينات أيضا , كانت الأهوار ملجأ للشيوعيين الفارين من قطعان الحرس اللاقومي بعد شباط 1963 , وبعدها أتخذوها مأوى وقاعدة لأنطلاق انتفاضاتهم , وخاصة بعد العام 1967. فكانت أهوار الجبايش منطلقا لأ نتفاضة , لم يقيض لها النجاح , تبعتها انتفاضة هور الغموكة .
بعد خمسة وأربعين عاما ... تواجد الشيوعيين في موقع الحدث
`قائمقام الدواية في محافظة ذي قار وهو يتحدث لنا عن تأريخ المدينة , التي يبعد عنها هور الغموكة مسافة أحد عشر كلم , حيث شهدت المنطقة معركة غير متكافئة بين أثني عشر مناضلا , وبين قوة من الشرطة السيارة وقوات من الجيش تسندها طائرة هليكوبتر . حمل اثتي عشر كوكبا حلمهم الثوري مطبقين اياه في أرض يمتد تأريخها للعصر السومري , الذي أفتخر القائمقام , وهو على حق , به . حيث أشار لعاصمة السومريين " لكش " التي تقع في المنطقة نفسها , وعن بدايات الكتابة السومرية , وتلال الفخاريات التي شهدت انبثاق أولى الحضارات الأنسانية .

ماحدث في هور الغموكة
العملية تمت في نهاية آيار 1968 , وبالتحديد ليلة الثامن والعشرين على التاسع والعشرين منه , أي قبل ستة أسابيع من انقلاب 17 – 30 تموز 1968 الذي شكلّ العودة الثانية للبعث . وفي الثالث من حزيران 1968 دارت المعركة الغير متكافئة , بين الثوار وقوة تفوقهم عدة وعددا . وحسب مايورده حنا بطاطو في سفره الخالد ( الشيوعيون والبعثيون والضباط الأحرار ج3 ) , انهم هاجموا " مخفرا للشرطة في هور الغموكة في قضاء الشطرة من لواء الناصرية وأستولوا على خمسين قطعة من الأسلحة النارية , لكنهم ظلّوا طريقهم في المستنقعات وتخلوا عن زوارقهم في لحظة سهو , وتغلبت عليهم في النهاية قوة تفوقهم عددا من اللواء الخامس عشر المؤلل , أما الحكومة فقالت أن ستة رجال قتلوا وسقطت طائرة هليكوبتر " .
كان قرار المجموعة بعد أن استقروا وسط بردي وقصب هور الغموكة , هو الهجوم على مخافر الشرطة في عمق الهور . أرتدوا زي الشرطة وبرتب متنوعة , تمّ لهم ماأرادوا بالأستيلاء على أسلحة الشرطة جميعا بعد أن جمعوهم داخل غرفة المركز , حيث ألقى عليهم قائد المجموعة الشهيد خالد محاضرة عن أهدافهم , هتف بعدها بأسم الشعب وبسقوط الرجعية .
أنتقلوا بعدها الى الهدف التالي , ربيئة أخرى , حيث حصل فيها ماحصل في الربيئة الأولى , بالأستيلاء على السلاح والعتاد وتجميعهم في غرفة واحدة بعد تعريفهم بمباديء وأهداف الحزب الشيوعي العراقي , والتوضيح لهم بأن الشيوعيين ليسوا بقطاع طرق
في طريق العودة ظّلت المجموعة طريقها , فوصلوا الى هور عوينة الذي لايبعد سوى القليل عن هور الغموكة متوجهين نحو هور الحمار . وفي وسط الطريق وبالقرب من مرقد " فوادة " , تعرضوا لأطلاق نار كثيف من قوة الشرطة الآلية التي كانت تروم قطع طريق العودة عليهم لغرض تطويقهم ومحاصرتهم . بعدها قرروا العودة لمواجهة الشرطة بدلا من الأنسحاب . أثناء ذلك أصيب الرفيق منعثر سوادي بنيران رفيقه حسين ياسين خطأ , والذي كان ضعيف البصر , ظنا منه أنه أحد أفراد الشرطة .
مواقف مشرّفة لفلاحي الهور
واصلت المجموعة مسيرها طوال الليل مغيرين اتجاههم للوصول الى هور الغموكة , وأتفقوا على دخول احدى القرى القريبة للحصول على الطعام . ذهب حسين ياسين لمقايضة بندقية ومسدس بالطعام والماء . المفاجأة كانت أن الرعاة بعد أن عرفوا هوية المجموعة بكونهم شيوعيين , قدموا لهم الخبز والتمر بلا مقابل . كذلك أن شكوكهم كانت غير صحيحة بأحد الفلاحين الذي حياهم من على صهوة جواده دون أن يهتم بأمرهم , فلقد عاد ثانية بصحبة رجل آخر هو خاله حاملين اللبن والطعام والسجائر . كذلك حضر اليهم فلاح آخر مع ابن أخيه حاملين الطعام والسجائر أيضا .
اتفق الجميع على تقديم المساعدة لأيصال الرفاق الى أهوار العمارة , لابل عرضوا عليهم استضافتهم في أحد بيوتاتهم , الأمر الذي رد عليه قائد المجموعة الشهيد خالد بالشكر والأمتنان بعدئذ ذهبوا مع حسين ياسين الذي يبدو أنه كان يجيد التعامل معهم , فهو ابن المنطقة وأهله وزوجته في ناحية الفهود المطلة على هور الحمار . وحسبما يورد عقيل حبش في كتابه الموسوم " من أوراق انتفاضة اهوار : شهادة حية من لهيب المعركة " : أنه بعد سنين أوضح له الرفيق المرحوم علي عويش أبو احسان , بأن حسين ياسين وصل المنطقة فعلا والتقى مع أحد الرفاق " جاسم الكندور " طالبا مساعدته بأرسال مشاحيف ومؤونة للرفاق , الا أن ذلك لم يتم , لخوفه من شيوخ آل نايف وهم شيوخ بني سعد . أرتحل الرفاق بعدها مغادرين المكان مع رفيقهم الجريح منعثر سوادي .
صبي العاشرة من العمر يطّل على المجموعة
أثار هذا الصبي دهشتهم وهو ينزل اليهم بسرعة معاتبا اياهم : " انتم وين وآنه أدّور عليكم وأمي سمعت عنكم جوعانين وزعت الكم هذا الخبز والكيمر وتكول أمي أنتم معزومين عدنه الليله " .
شكره الرفاق وأوصوه بأن يكتم سرهم ولا يخبر أحدا عنهم ... كان رد الصبي رائعا بقوله : كيف أخبر عنكم وآنه أحبكم وأمي تحبكم مثلي .
المجابهة المحتومة
أحاطت سيارات الشرطة بالقرية لتفتيشها , فقررت المجموعة الأنتقال لموضع آخر في مجرى النهر استعدادا للمعركة راصدين تحركات وتجمعات الشرطة والمساندين لهم من أتباع الأقطاعيين . وفي الحادية عشرة والنصف صباحا بدأت المعركة , بعد تطويق كامل من قبل الشرطة مطالبين الرفاق بالأستسلام من خلال مكبرات الصوت , ردّ عليها الرفاق بالهتاف بحياة الحزب والشعب وجبهة الكفاح المسلح وبسقوط الرجعية والصهيونية .
طلبت الشرطة من المجموعة الأستسلام بدون قيد أو شرط , وفي الخامسة والنصف عصرا , وصلت المكان طائرة مروحية مطلقة النار عليهم , ترافق ذلك مع رمي رمانة يدوية على مواضعهم , التقطها الرفيق هادي بنية رميها ثانية على مواضع الشرطة , الا أنها انفجرت بيده فبترتها ... عندئذ تصدى الرفاق للهليكوبتر فأسقطوها وقتلوا طيارها .
ومن خسة المهاجمين أنهم لم يقبلوا استسلام الرفيق هادي الذي بترت يده بأنفجار الرمانة اليدوية , فأمطروه بالرصاص , فعاد مسرعا لمجموعته مصابا بجروح جديدة , خدعوه ثانية بقبول استسلامه فسحلوه الى الخلف ليحققوا معه على الفور وهو جريح .
لم تتمكن الشرطة من اقتحام موضع المجموعة الا بعد أن نفذت ذخيرتهم , فأستشهد منهم ثلاثة هم : خالد أحمد زكي ومحسن حواس ومنعثر سوادي . والأخير كان جريحا في صدره بأطلاق النار عليه خطأ من قبل رفيقه حسين ياسين , والذي قاومهم وهو جريح فأستشهد . كانت حصيلة قتلى المهاجمين هي مقتل النقيب طيار الهليكوبتر وأربعة من رجال الشرطة وجرح خمسة منهم .
وليمة لأعشاب البحر
هي رواية السوري حيدر حيدر , والذي كتبها عندما كان يعمل مدرسا في الجزائر . بنى حبكتها الروائية على معلومات أمده بها أحد المساهمين في انتفاضة الأهوار تداولناها بطبعتها المستنسخة عبر تواجدنا في شارع المتنبي زمن تسعينيات القرن الماضي . زاد من شهرتها أن الأزهر حرمها بطبعتها العاشرة
مظفر النواب وأرتباط شعره بالأهوار والفلاحين
كان شاعرا بالفصحى وعازفا على العود وعاشقا للموسيقى . ولد وتربى في المدينة , ولكن عام 1956 , كان عاما فاصلا في حياته , فلقد قدّر لسفرة قام بها الى أهوار العمارة بدعوة من صديق , أن يستمع لأول مرة في سهرة على نهر الكحلاء , لمغني الهور المشهور " كرير " ولآخرين : جويسم وسيد فالح , والذي شبه صوت أولهم بصوت المغني الأمريكي اليساري المشهور بول روبنسن .
بعد ذلك وتحديدا فترة 1968 – 1969 , تنقل مظفر بين منطقة وأخرى في الأهوار . وهي الفترة ذاتها التي شهدت حراكا مسلحا للشيوعيين في أهوار الغموكة في قضاء الشطرة , وأهوار قضاء الجبايش , وهور أبو زرك في ناحية الأصلاح . وقبلها كان لقصيدة " صويحب من يموت المنجل يداعي " أثرها المدوي , ردا على مقتل صاحب ملا خصاف , المتمرد على القرار الحكومي عام 1959 القاضي بأرجاع بعض الأقطاعيين الى حيث كانوا قبل الثورة .
بعدها قال النواب في هور الغموكة :
ليل الغموكة حزام
صاح النوب صاح الهور كل الهور
صاح وياه ياهور الغموكة وكام
خالد أحمد زكي ... جيفارا عراقي
تحت هذا العنوان , نعى الشيوعيين الشهيد خالد , بمناسبة الذكرى الأربعين لأستشهاده , فقارنوا فعله , بما قام به جيفارا في ستينات القرن الماضي , حيث هجر كرسي الوزارة وتوجه الى غابات القارة الأمريكية الجنوبية ..... ترك خالد أحمد زكي عام 1967 لندن بكل أغراءاتها وعاد سرا الى العراق , ونزل في مطار بغداد متنكرا , ليطلق شرارة الثورة . خاض مع رفاقه الأثني عشر معر كة غير متكافئة , فحوصروا وهم يقاومون , ولكن بعد أن نفذ عتادهم ولم ينجدهم أحد , تبين لهم , أنهم لم يعدوا العدة جيدا للمعركة , وأن الظروف المحيطة ( الموضوعية ) غير ناضجة ولا مؤاتية لأشعال الثورة وتأمين انتصارها .
في الثالث من حزيران عام 1968 استشهد خالد واثنان من رفاقه , فيما أصيب ثلاثة آخرون , وأسر خمسة غيرهم , حكموا بالأعدام , ولكن سخط الداخل وتضامن الخارج حالا دون تنفيذ الأحكام , فتم تحويلهم لقصر النهاية








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لأول مرة.. أوروبا تنتج الكهرباء من طاقتي الرياح والشمس أكثر


.. معاهدة ستارت الجديدة.. سجال أميركي روسي | #غرفة_الأخبار




.. الناتو والصين.. مخاوف من القدرات المتصاعدة | #غرفة_الأخبار


.. العراق.. صواريخ تستهدف قواعد تركية | #غرفة_الأخبار




.. البيئة.. استثمارات ضخمة في الطاقة النظيفة | #غرفة_الأخبار