الحوار المتمدن - موبايل


أوباما وخامنئي: غرام وانتقام

خليل عيسى

2014 / 11 / 28
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني


بعد أن راوغ الإمبراطور، باراك أوباما، طويلاً في مؤتمره الصحافي في نهاية مؤتمر دول مجموعة العشرين في أستراليا يوم 16 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، عاد الصحافي وسأله بإصرار: "لكني أرجو منك توضيح نقطة دقيقة للغاية: هل تناقش فعلياً طرقاً من أجل إسقاطه (بشّار الأسد) كجزء من العمليّة الانتقاليّة؟" أوباما: "كلّا". نفيٌ قاطعٌ يعني أنّ الإمبريالية الأميركية قرّرت أن تدخل مرحلة دفع تحالفها مع نظام الأسد إلى العلن، بعد أن أعلنت قبلها تحالفها مع الاستعمار الإيرانيّ. وذلك كله ليس سوى النتيجة الحتميّة لما كان التحالف الأميركي - الإيراني يريده منذ أوّل يوم: الإبقاء على نظام الأسد، وكسر أيّة مقاومة للتغوّل الاستعماري الإيراني على الشعوب العربية. إنّ ذلك أصبح واضحاً للجميع، وخصوصاً للدواب العالمة ذات القرون التي لا تجيد حتى إبداع مسرحيات ادّعاء الجهل والمفاجأة بما يحصل من حولها.
لقد أصبح واضحاً أنّ تلزيم الأميركيين الاستعماري الشرق العربي من الباطن للإيرانيين هو اتجاه البوصلة التي توجّه الاستراتيجية الامبراطورية الأميركية في المنطقة. آخر تجليّات هذا الأمر كان الكشف أنّ أوباما وخامنئي يتبادلان رسائل الغرام السياسيّة، فقد نشرت جريدة "وول ستريت جورنال"، يوم 6 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، تقريراً عن رسالة سريّة بعثها أوباما إلى خامنئي. وتلت ذلك تقارير أخرى، أكّدتها تصريحات مسؤولين إيرانيين، تحدّثت عن أربع رسائل، وجهها الرئيس الأميركي إلى المرشد الإيراني بين 2009 و2014. ثمّ أكّد الأمر علي شامخاني، سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، والذي قال إنّ الرسالة الأخيرة حملت "لهجة دافئة وصدوقة"، أكّد فيها الإمبراطور للقائد الإيراني "المصلحة المشتركة للتعاون بين البلدين ضدّ مقاتلي الدولة الإسلامية"، لكنّ الغرض الأوّل والأهمّ من الرسالة كان إفهام المُرسل إليه أنّ الولايات المتحدة الأميركيّة "لا تشكّل تهديداً لمصالح إيران في سورية والعراق، وأنّ واشنطن مستعدّة للتعاون مع إيران مقابل عقد الأخيرة اتّفاقاً نهائيّاً بشأن الملفّ النووي قبل 24 أكتوبر/تشرين الثاني الجاري" (موقع "وول ستريت جورنال"، 10 نوفمبر). حتّى الفرنسيّون الذين تعنّتوا نوعاً ما، ولو ظاهريّاً، في المضيّ في هذه اللعبة التي بدأت تظهر قبل سنة مضت، عندما احتجوا على الاتفاق السري حول الموافقة على "النووي الإيراني"، وحصلوا على عقودٍ تجارية مع دول عربية مكافأة لهم على ذلك، اتسم موقفهم الأخير بالرضوخ، بحجّة أنّهم لا يريدون..."الحرب" (رويترز، 21 نوفمبر). وطبعاً، لن تحصل أيّ حرب مع إيران، لا حاضراً ولا مستقبلاً. بل قلّ أن طلبت الولايات المتحدة الامتثال لمشيئتها، وهم أطاعوا. النتيجة النهائيّة لذلك كله أنّ الولايات المتّحدة والدول الكبرى "ستتوقف على الأرجح تماماً عن الطلب من إيران الكشف الكامل حول أيّ نشاط نووي تسليحي من طهران، لتجنب إنهاء صفقة تاريخيّة" (نيوزويك، 22 نوفمبر). وطبعاً، لن تكون هناك مشكلة بالنسبة لتأجيل "المفاوضات التاريخيّة" مع الإيرانيين، فهل يخطر ببال أيّ عاقل أنّ أوباما لن يتوانى عن التضحية بهذا التفصيل السخيف، كرمى لعيني معبوده الفارسيّ، بعد كل ما قام به الأخير من أجله؟
وفي سياق مسلسل أوباما وخامنئي، نرى أنّ الأخير أجاب على "بعض" الرسائل، حسب الإيرانيين، ما يعني ضرورة تفسير وظيفة هذا التراسل. فقد كان يمكن تخيّل أن تتمّ الاستراتيجية الأميركية - الإيرانية السرّية تلك من دون "رسائل"، فلماذا قام أوباما تحديداً بفعل ذلك، وبإعلانه في "وول ستريت جورنال"؟ الجواب يكمن في تذكّر حقيقة أنّ وراء أوباما الشخص، تقف طبقة حاكمة أميركية ذات مشروع امبراطوري؛ ووراء خامنئي الشخص، كذلك تقف طبقة إيرانية حاكمة ذات طموحات استعمارية. وفي البلدين، هنالك صراع يومي للنخب ومراكز القوى، ولذلك، إذا كان كلام خامنئي المعبّر الأخير عن المصلحة القوميّة لتلك الطبقة، يبقى أنّ لديه أجنحةً ومراكز قوى، لها مصلحة في اللعب الداخلي والمزايدة على أوتار "المناهضة للغرب" في الداخل، التي تقودها الفرضية الدائمة في التشكيك في نيّة الأميركيّ، ما قد يفاقم من صراعات داخلية، تهدّد تماسك تلك الطبقة. وهذا خطر حقيقي ماثل أمام خامنئي، ويتفهّمه أوباما والمخططون معه. ولذلك، ما رسائل أوباما إلا وسيلة طمأنة مستمرّة، يستطيع استعمالها المرشد الإيراني، لإسكات أي معترض من النخبة الإيرانية ضدّ اتفاقه السرّي مع أوباما. خصوصاً أن بعض هؤلاء قد يسهل لهم التشكيك في ما يحصل، خصوصاً مع الكلام المزدوج المستمر منذ سنوات لأوباما حول "تهديد إيران السلام العالمي"، وما يشبه ذلك من الهذر، بالإضافة إلى الأكثرية من النخب الأميركية القريبة من إسرائيل، والمتوتّرة بشدّة مما يحصل.
أمّا حول جزء "الانتقام" من المسلسل، فهنا تأتي إسرائيل. فنعلم حينها أنّ الرسالة الأخيرة أرسلت من دون علم الإسرائيليين، حسب جريدة "هآرتس" (6 تشرين الثاني/نوفمبر)، وأنّ هؤلاء إنّما علموا بما يحصل من جرّاء قراءتهم جريدة "وول ستريت جورنال"! ليس هذا الأمر محض مصادفة، أو هو مجرّد خطأ أميركيّ، بل هو خطوة محسوبة، وظيفتها طمأنة زائدة للإيرانيين بالنسبة إلى صدق نيات الأميركيين. فما يقوله أوباما من خلال ذلك، هو أنه ملتزم حتى النهاية في حلفه مع إيران، حتى لو تمّ الأمر على حساب إسرائيل، صاحبة "العلاقة المميّزة" التاريخية مع الولايات المتّحدة. ويأتي عدم إعلام الإسرائيليين بأمر الرسالة الأخيرة في سياق عام من تدهور شديد لعلاقتها مع إدارة أوباما، بشأن تطور العلاقة مع إيران. وكل الأمر، ولهذا السبب بالذات، إنّما هو سلفة أميركية تدفع لخامنئي، ليتمكن من إسكات أيّ معترض في الداخل على ما يحصل. وهكذا، باستطاعة الأخير أن يقول: "انظروا! أوباما صادق معنا، والدليل أنّه لم يقل حتى للإسرائيليين، وهو لم يعد خائفاً أن يقول ذلك في العلن!".
في سياق ذلك كله، نرى أهازيج فكريّة من بعض أشباه - المفكرين العرب، جُلّ همّهم ثني شعوبهم عن لوم أوباما على ما يحصل، والتحذير المستمر باسم عقلانية زائفةٍ ما، بأنّ ما يحصل "ليس ذنب أوباما"، وتعذيبنا بمعلّقاتهم "الموضوعيّة" الذكيّة، بأنّ إيران وأميركا "تقومان بمصلحتهما"، وأنّ هذا ليس سوى"أمر طبيعيّ". ومع أنّ ذلك يحصل على أشلاء الشعوب العربيّة، فإنه يبقى مجرّد تفصيل غير مهم. فبحسب هؤلاء، أن تكون الشعوبُ العربية ضحيّةً للمؤامرات الدولية أمر "طبيعي"، جزء من حركة النجوم والكواكب، وربما يكون لازماً حتى، مثل طلوع الشمس كلّ يوم على طلعاتهم البهيّة. فليس من "مصلحة" هذه الشعوب فهم الحقيقة والتفكير وحدها، لذلك، يقرأ هؤلاء الأساتذة السياسات الاستعمارية التي تحلّ بشعوبهم بينما هم محلّقون في سماوات الفكر الهادئ، كما لو أنّ ما يحصل يخص بلاداّ وشعوباً في قارة أخرى.
في نهاية التحليل، واضح أنّ الأميركيّين كانوا ولا زالوا، المسؤولين الأول عما حصل في سورية والعراق، وهم من دفع الأمور إلى خواتيمها الكوارثية الحالية. لكنّ الكتبة المربّين هؤلاء، يحلو لهم أن يلوموا النظام السوري، كما إيران، طوال الوقت، فقط. وأخيراً، أضافوا "داعش" إلى لائحتهم الشرفيّة، فذلك سهل وخفيف الحمل، ويعيش في شعبويةٍ لا تفهمنا في شيء كيف يتحرّك العالم من حولنا. أساس المشكلة أنّ هؤلاء هم كانوا دائماً من عبَدة الأقوى، بدل الأعدل، ويهمّهم أن يكونوا منتصرين بأيّ ثمن. عبيد لا يريدون التحرّر الكامل من عبوديّة أوثانهم، ومنظّرون لا تهمّهم معرفة الحقيقة لذاتها ومن أجل ذاتها. وهذا كله، أيضاً، جزءٌ من أسباب الخسارة. (العربي الجديد)








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. النيابة العامة المصرية: مساعد السائق ومراقب البرج كانا متعاط


.. الأمير حمزة يظهر رفقة العاهل الأردني خلال زيارته الأضرحة الم


.. مئوية الأردن.. عقود من الأدوار المحورية إقليميا ودوليا




.. حسن المومني: ظهور الأمير حمزة رفقة العاهل الأردني رسالة قوية


.. الأوكتاغون.. عملاق مصر الفضائي