الحوار المتمدن - موبايل


الوجود والماهية - فاروق حسني بين عالمين -

هاني أبو الحسن سلام

2014 / 12 / 27
الادب والفن


المسرح أم السينما ؟!

الوجود والماهية
فاروق حسني بين عالمين
د.هاني أبو الحسن

من المبدعين من يسهب في الحديث عن فنه شاعراً كان أم رجل مسرح أم من صنّاع الفن السابع ، مع أن أعمالهم من الوضوح أو المباشرة بما يكفي للكشف عن هوية كل منهم الفنية.
ومن المبدعين من يلتزم الصمت أمام إنتاجه الإبداعي ، تاركاً لفنه أمر الكشف عن هويته ؛ بدون إفصاح عن هوية الفنان الذي أبدعه ، على أسنة أقلام النقاد ، ما بين نقد حقيقي يترك للمنتج الإبداعي نفسه لكي يشير عليه بالنظرية الأنسب والأصلح لنقده ، وناقد تأبط نظرية ما يسردها أمام المنتج الإبداعي ، قصيدة كان أم فيلماً أو رواية أو عرضاً مسرحياً أو لوحة تشكيلية . وقد يكون المنتج الإبداعي الذي توقف الناقد أمامه لا يجري في مسار فني أو أدبي مألوف ، كما هو الحال بالنسبة للاتجاه اللاشكلي ، والمينيماليزم (نظرية اللااكتمال الفني) وخاصة في مجال الفن التشكيلي على النحو الذي رأيناه في معرض الفنان فاروق حسني 2007.
وبعد عدد من الزيارات لمعرض الفنان فاروق حسني الأخير بدا من زيارة تأمل مرة ، وزيارات تحليل لمرات عديدة ، أن أسلوب تصويره اللاشكلي هو أسلوب فن قارئ لمتلقي أعماله ، قبل أن تكون أعماله مقروءة من ذلك المتلقي المتأمل . بمعنى أن المنتج الإبداعي اللاشكلي قادر على التعرف على هوية متلقيه. فهو يتعرف أولاً على هوية متلقيه قبل أن يكشف عن هويته هو نفسه ؛ ومن ثم يكشف عن هوية الفنان الذي أبدعه.
ذلك أن قلة من المبدعين هم الذين يتركون لإبداعهم مهمة الإفصاح عن هوياتهم هم أنفسهم.
ومن هؤلاء المبدعين الفنان فاروق حسني الذي أتقن التقنع خلف لوحة من لوحات معرضه الأخير ؛ بحيث كان ظهوره فيها ظهور وجود لا ظهوراً وجودياً ، وترك لبرنامج (بروشور) معرضه أمر ظهوره الوجودي (وجوداً ذا ماهية) .
ولاشك أن ذكاء الفنان فيه هو الذي يخلق العلاقة الوطيدة وغير المباشرة بين مجمل إنتاجه ولوحة البرنامج أو البروشور الخاص بذلك المعرض ، وهو ما توضح لي بالربط بين البروشور وبين إحدى لوحات المعرض نفسه ، وقد توجت برنامج المعرض، وأمام مساحة محددة من فضائها وقف مبدعها الفنان فاروق حسني نفسه، لتـُلتقط له ،عن عمد، صورة أصبح فيها، وهو الواقف أمام لوحته تلك في فجوة من فضائها ،جزءاً من اللوحة للإيحاء لنا بأننا أمام معالجتين إبداعيتين للوحة واحدة من إنتاج الفنان نفسه. وهنا فحسب تكشف لوحة الفنان عن ماهيته.
لقد ملئت الفجوة نفسها في اللوحة ذاتها ، موضوع وقفتنا النقدية هنا ، بخطوط متداخلة مشتبكة ومتعارضة ، وأعيد ملؤها هي نفسها في كتيب معرضه – الذي هو دليل المتلقي إلى مسيرة الإبداع في معرضه ذلك – أعيد ملؤها بصورة مجسدة للفنان مبدعها نفسه – وهنا تتكشف لنا العلاقة ما بين دلالة اللوحة في المعرض ، ودلالة المكون التخطيطي في فجوتها الإبداعية ، وهو مكون (لا هوية له) فقد احتل الفجوة كمجرد وجود أو حالة إشغال ليست لها هوية بعد ، بما يقترب من مقولة سارتر في وصف وجود ما لا ماهية له (بنظرة الأنا إلى الآخر قبل جدلية التعامل بينهما بأن الآخر عندئذٍ هو مجرد شيء ، وهو لا يصبح ذاتاً أخرى في نظر الإنسان إلاّ بعد تحقق ذلك التفاعل الجدلي بينهما).
هكذا كان وضع اللوحة ، وهي معلقة متآخية مع منظومة معرضه الإبداعي الأخير. فالخطوط التي لا هوية لها واحتلت فجوة في فضاء اللوحة ، هي ذلك الشيء الذي تحدث عنه سارتر ، والذي ليست له ماهية بعد ، هي مجرد وجود محض ، وجود بلا ذات في كون أو فضاء عريض ، هو فضاء اللوحة نفسها ، وهو لا يستحيل إلى ذات إلاّ بإعمال زائر المعرض نظرة تبادلية بالعين نفسها التي نظر بها إلى اللوحة ، ونظرت بها اللوحة إليه ؛ في اللحظة نفسها التي يعيد بها المتلقي إنتاج دلالة اللوحة ؛ فأحالته اللوحة إلى نفسها ، على غلاف كتيب المعرض بعد أن قرأت المسكوت عنه من وراء تأمله لها ، ليقرأ معها اللوحة قراءة تعيد إنتاج دلالتها ، حيث تتجسد ماهية الذات المبدعة. فبعد أن كانت مجرد خطوط عرضية مزدوجة يتقاطع معها خط رأسي مائل ليعطينا تكويناً خطياً دالاً على النفي ، وهو هنا دلالة نفي ماهية الوجود الذي يحتل فجوة في كون عريض ، أصبحت ذاتاً أو ماهية وجود سابق الظهور. وما كانت تلك القراءة الجدلية بين اللوحة على الجدار في منظومة المعرض ، واللوحة نفسها في برنامج المعرض لتكون ما لم تُـعر اللوحة للمتلقي عينها لينظر بها نظرة تأملية تبادلية إلى الوجود غير المتشيء للخطوط العرضية المزدوجة التي شغلت فجوة تشكيلية هيأت موقعاً لذات وجودية ، وجدت وجوداً غيبياً سابقاً أو مقدراً في الغيب ؛ فصارعت في سبيل صنع ماهية وجودها (جوهر وجودها) عندئذٍ فحسب ترك الفنان للوحة من إبداعاته في 2007 مهمة الكشف عن ماهيته فناناً صنع جوهر وجوده بنفسه بين عالمين : عالم تسيطر عليه الألوان الباردة (الزرقاء محففة بالألوان السوداء والبيضاء) ، وعالم تسيطر عليه الألوان الحمراء السابحة على سطح أرضية خضراء محففة بإطار أسود ثقيل أيضاً ، والفنان وجود ذو ماهية في فضاء غارق في اللون الأصفر بينهما ، ووجود ذو ماهية في لوحة بروشور المعرض.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الفنانة أروى في حلقة رائعة جداً مع أمل طالب في التحدي مع أمل


.. يوميات رمضان من غزة مع الشاعر الفلسطيني سليم النفار


.. فنان يكشف لـ «دراما كوين» مساندة كريم عبد العزيز له في الاخت




.. المنتج والمخرج ايلي معلوف ضيف Go Live الجمعة الساعة 7 مساء م


.. يوميات رمضان مع الفنان الكردي السوري خيرو عباس