الحوار المتمدن - موبايل


الشعبية المجانية ..!

حاتم بريكات

2015 / 1 / 6
السياسة والعلاقات الدولية


عادة ما تتشكل الأحزاب بواسطة أيديولوجيات وتتشكل الأيديولوجيات بناءاً على أحداث سياسية مهمة ولكي تفهم الايدولوجيات يجب علينا فهم الأحداث التي ولدت على أثرها من باب أن معرفة الفعل سيقود إلى تفسير رد الفعل .
هذه المنطقة من العالم -أعني المنطقة العربية- نشأ فيها عنوان كبير للأيدولوجيا يندرج تحته عدة عناوين فرعية و العنوان الكبير تكون أصلاً من شظايا انهيارات لعدة إمبراطوريات بدءاً من الأموية وانتهاءً بالعثمانية اللاتي يعتبرهن العربي قمة عطائه الإنساني وأوج قوته الحضارية ولا أعلم ما هي المقاييس التي استُخدمت في هذا الاعتبار , مع العلم أن الاتساع الجغرافي وهو المقياس الذي اعتاد العربي على استخدامه و هو ما اثبت التاريخ انه لا يعد مقياساً للحضارة أبداً ، بالتالي سيظهر للجميع أن العناوين الفرعية المذكورة أعلاه ليست سوى حالة محاكاة لتلك الحالة من الوهم بالتفوق .
وللدقة فولادة الايدولوجيات كنواتج لأحداث سياسية ضخمة - كانهيار منظومة حكم - وارد ليس في منطقتنا لوحدها بل في كل العالم لكن الفرق جاء أن أوروبا مثلاً أسندت التشكيل السياسي بعد انهيار منظومة الحكم الديني إلى حركة نهضة سعت إلى إنتاج مدارس سياسية استندت إلى تنظير علمي ولّد ثورة صناعية رافقتها أيديولوجيات كالماركسية و الليبرالية والمذهب الإنساني وغيرها من الفكر الوضعي , و تركز ذلك فعلياً في مرحلة ما بعد الثورة الصناعية التي أجهزت على سطوة الإدارة الدينية، على عكس ما حدث في المنطقة العربية، فقد أسندت مهمة التشكيل السياسي إلى فكر "المسميات المقدسة" ضمن حالة من الهروب إلى الماضي و التزام النمذجة كطريقة للخلاص من تبعات السقوط و السعي نحو إعادة نفس الحالة المنهارة بكل حذافيرها .
من هنا التفت أحزاب المنطقة حول محورين الأول هو ديني إسلامي و الآخر هو عرقي يهدف إلى إعادة تركيب القومية العربية , و لإثبات حالة ضيق الأفق فإنك لن تجد طرفاً ثالثاً خارج التقسيمة الثنائية المذكورة آنفاً باستثناء الحالة الشيوعية التي سارع معظم أعضاءها إلى الدوران حول المحورين , فمنهم من أصبح شيوعياً متدينا بادعاء الفصل بين السياسة و الحياة الشخصية و منهم من أسقط الشيوعية على المشروع القومي فعدنا إلى نفس المسار .
بالمناسبة فطبيعة ابن المنطقة تميل إلى الرمزية والعاطفة وتبتعد كلياً عن الإجرائية الواقعية، بحيث تحول إلى شخص (مُنتظر) فقط، مؤمن بقرب الحلقة الأخيرة من مسلسل الوعود الايدولوجية .
الدليل الذي يدعم ما أقول يظهر في التكلفة الزهيدة التي تدفعها الأحزاب المنبثقة عن الحالة المذكورة أعلاه (أحزاب المسميات) في تكوين الشعبية، فعلى سبيل المثال يكفيك أن تضع في نهاية أسم حزبك كلمة "الإسلامي" حتى تنهال عليك طلبات العضوية و تحتشد الشوارع بجماهيرك ومؤيديك، حيث يكون ذلك غالباً دون عملية توضيح أو شرح و دون أي جهد فكري أو إنساني و مثالي الحي على ذلك هو رفع شعار " الإسلام هو الحل " و النظر إلى ملايين المرددين لهذا الشعار دون أن يعرفوا أي إسلام هو المقصود ؟ هل هو السني الجهمي أم الأشعري أم الشيعي الإمامي أم الإسماعيلي .. الخ!!.
كما يكفيك أن تختار عرقية معينة و تدعي أن وحدة أبناء هذه العرقية هي السبيل لسيادة العالم ، حتى تحصل على "الشعبية المجانية" من أبناء هذه العرقية , و للأمانة أيضاً فما هو مذكور لا يعد موقفاً عدائياً ضد هذه التشكيلات السياسية بل نقد و محاولة فهم و اقتراح نية المراجعة بدافع الواقع السيئ الذي نعيشه، ومن هنا فلا يمكن إغفال أهمية وجود هذه التيارات فهي أصبحت جزء من التكوين في المنطقة ولكن القصد هو التحول إلى نهج الإجراء و الدعم العلمي و الدراسة المستمرة لظروف المنطقة بشكل مواكب للتطورات بعيداً عن أداة القياس الوحيدة التي لا تعترف ببينيات الأمور و تقيس الأمور دائماً بطريقة الصفر و الواحد .
كما و أعتقد أن المنطقة لن تخرج من حالة التردي الإنساني إلا إذا أعادت دراسة الخارطة الايدولوجية بما يتناسب مع دخول المؤسسة العلمية الرافدة للقرار السياسي و التي تقدم برامج جاذبة على أساس الحاجة البشرية الزمانية و المكانية ولا ترتكز كلياً على الفكر "الاستردادي" الذي يريد فقط أن يسترد الأمجاد و يرفض الواقع كما يرفض التحول إلى الفكر الاستشرافي الذي ينظر إلى المستقبل كأهم مصادر الإلهام لتنمية الحياة و الوصول إلى ما وصلت إليه معظم شعوب العالم .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. خطأ ساذج يكشف تورط إيران في رسائل إلكترونية مزورة للتأثير عل


.. تعرف على تفاصيل اتفاق وقف إطلاق النار الدائم بين طرفا الصراع


.. برلماني تونسي يثير الجدل بتدوينة تبرر ذبح المدرس الفرنسي




.. لبنان | الحريري يعد بتطبيق إصلاحات المبادرة الفرنسية


.. شاهد.. عشرات المدرعات والدبابات تعبر نهر إلبه أثناء تدريبات