الحوار المتمدن - موبايل


محكمة الصلح الكبرى للسيد محمد ماضي أبو العزائم [الفصل الثاني]

إسلام بحيري

2015 / 1 / 9
الادب والفن


أودّ في البداية أن أستدرك خطأ وقعت فيه في الفصل الأول وذلك في ترتيب الأبيات الشعرية.. وهي هكذا:

العقل:
أَنْتَ يَاعَدْلُ رَحْمَةُ الرَّحْمنِ * صَاغَكَ اللَّهُ مِنْ هُدًى وَحَنَانِ
جِئْتُ مُسْتَنْصِرًا فَكُنْ لِي مُجِيرًا * مِنْ حُظُوظِ النُّفُوسِ مِنْ شَيْطَانِ
مِنْ هَوًى قَدْ مَحَا ٱ-;-لْفَضَائِلَ عَنِّي * قَادَنِي لِلْعَنَاءِ بَلْ لِلْهَوَانِ
جِئْتُ مُسْتَصْرِخًا أَغِثْنِي فَإِنِّي * مِنْكَ أَرْجُو سَلاَمَتِي وَأَمَانِي

رئيس المحكمة:
مَرْحَبًا بِالْعَقْلِ أَهْلاً * قَدْ وَصَلْتَ حِمًى وَأَصْلاَ
أَنْتَ يَاعَقْلُ ضِيَاءٌ * قَدْ مُنِحْتَ ٱ-;-لْيَوْمَ فَضْلاَ
قَدْ نُصِرْتَ أَبِنْ وَوَضِّحْ * نَوْعَهَا وَضْعًا وَشَكْلاَ

العقل :
دُمْتَ لِلأَخْيَارِ مَوْلَىٰ-;- * مَا فَتًى زَكَّىٰ-;- وَصَلَّىٰ-;-
أُمَّةٌ مِثْلُكَ فِيهَا * تُمْنَحُ ٱ-;-لْعَلْيَا وَتُولَى
أَنْتَ يَاعَدْلُ حَيَاةٌ * بِالْمَعَالِي أَنْتَ أَوْلَى

النفس السبعية
يَاعَدْلُ إِنَّ مَسَرَّاتِي وَأَفْرَاحِي * أَلاَّ يُرَى فِي صَفَائِي لاَئِمٌ لاَحِ
يَاعَدْلُ يَعْقِلُنِي عَقْلِي وَيَقْهَرُنِي * حَتَّى أَكُونَ فَلاَ مَيْتٌ وَلاَ صَاحِ
تِلْكَ ٱ-;---;--لْمَلَذَّاتُ تَدْعُونِي وَأَتْرُكُهَا * لِلْعَقْلِ يَرْجُو بِذَا إِفْسَادَ إِصْلاَحِ
لاَ يَتْرُكُ ٱ-;-لْمَرْءُ لَذَّاتٍ تُحِيطُ بِهِ * هَلْ تَرْتَضِي أَنْ أَرَى ٱ-;-لْخُسْرَانَ أَرْبَاحِي؟!
يَاعَدْلُ هَٰ-;-ذَا عَدُوِّي فَٱ-;---;--نْتَقِمْ كَرَمًا * مِنْهُ تُرِحْ كُلَّ سُلْطَانٍ وَفَلاَّحِ
أَوْلاَ فَمُرْنِي أُلاَكِمُهُ وَأَطْعَنُهُ * حَتَّى أُمَتَّعَ فِي الإِطْلاَقِ بِٱ-;-لرَّاحِ
نَاشَدْتُكَ ٱ-;-للَّهَ هَلْ تُرْضِيكَ مَظْلَمَتِي * بُعْدِي عَنِ ٱ-;-لْغِيدِ عَنْ خَدْنٍ وَأَقْدَاحِ؟

******************************************




الفصل الثاني
الجلسة الثانية
المنظر الأول

الجلسة العلنية لسماع مرافعة الخصوم

رئيس المحكمة: باسم الحكم العدل فتحت المحكمة

(الرئيس يأمر بمناداة الخصوم)

الحاجب: يا خصوم قضية الصلح الكبرى.

فيدخل العقل ومعه الفكر والروية والعفة والنطق
ووراءهم الشجاعة والكرم والعدل
ووراءهم أنصار الفضائل وحراس الشرائع، وهم النور والعزة والرحمة والخشية والحكمة.
وتدخل النفس السبعية ومعها النفس البهيمية
ووراءهما التهور والشهوة والجبن والبخل والغدر والحس والضيم والقسوة والجسم والتيه.

رئيس المحكمة: (ينادي بصوت عال) : فليقف الخصوم ويجلس الزوار
فلا يجلس أحد.

(الرئيس ينادي على النفس السبعية فتلبي)

رئيس المحكمة: من أنت؟

النفس السبعية: أنا النفس السبعية، وبي الإقدام والجرأة والمنعة ودفع الظلم ونيل الخيرات لمن تحت رعايتي.

لَوْلاَيَ لَمْ يَبْلُغْ مُرِيدٌ قَصْدَهُ * كَلاَّ وَلَمْ يَكْبِحْ شُجَاعٌ ضِدَّهُ
بِي يَبْلُغُ ٱ-;-لإِنْسَانُ مَا يَرْجُوهُ مِنْ * شَهَوَاتِهِ.. لَوْلاَيَ يَفْقِدُ جَدَّهُ
لِي جَرْأَةٌ وَحِمْيَةٌ لِي غَيْرَةٌ * تُولِي ٱ-;-لْفَتَى ِلذَاتِهِ وَمُرَادُهُ
هَلْ أُمَّةٌ سَادَتْ بِغَيْرِ تَصَرُّفِي * وَٱ-;-لْفَرْدُ أُولِيهِ بِعَزْمِي رُشْدَهُ
سَفْكُ ٱ-;-لدِّمَاءِ وَهَتْكَ كُلِّ مَصُونَةٍ * مِنْ جَرْأَتِي كَالسَّيْفِ يُبْدِي حَدَّهُ
مَجْدَ ٱ-;-لْمُلُوكِ عُلُوُّهُمْ وَفَخَارُهُمْ * مِنِّي وَبِي مُنِحَ ٱ-;-لْمُمَلَّكُ رِفْدَهُ
يَا عَدْلُ فَكِّرْ لاَ تَمِلْ لِمُدَلِّسٍ * يُخْفِي ٱ-;-لْمَعَالِمُ ثُمَّ يُبْدِي كَيْدَهُ

رئيس المحكمة: خرجت أيتها النفس السبعية عن موضوع القضية، وركبت متن حمية الجاهلية، وصدق الله العظيم إذ يقول : ﴿-;-صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾-;- (البقرة: من الآية171)

(تقدمت النفس البهيمية متكلمة فأسكتها الرئيس بالإشارة).

رئيس المحكمة: من أنت وما صفتك في موضوعنا هذا؟

النفس البهيمية: أنا يا سيدي النفس البهيمية، وظلامتي بينة جلية، لأني ياسيدي لولا الإطلاق لضاق بي الخناق، ولولا الإباحة لدامت لي النياحة، وإني يا سيدي قوية شهوتي، ضعيفة نحيزتي، مجاهدتي في شهي الطعام والشراب، وبهي الثياب والحجاب، للسكون والدعة والزينة ولين الفراش والدثار للنوم والإيثار، وما حركتي وطعامي وجولاتي في ميداني إلا مع خدن أداعبه، أو ظبي ألاعبه، وناصري على آمالي والقائم لي بأعمالي هي النفس السبعية ؛ فإذا تسلط عليها العقل كانت البلية، فرحماك يا عدل بضعيفة شهواتها قاهرة، ومضطرة ولذاتها فاخرة.

(يهم الفكر بالكلام فيسكته الرئيس)

رئيس المحكمة: من أنت وما صفتك؟

الفكر: أنا الفكر وزير سلطان تلك المملكة الفردية، والتي منها يتكون مجتمع المملكة الإنسانية، وبقدر الفرد يكون المجتمع، وصفتي يا مولاي أني وزير داخلية الملك، فتعرض على شئون داخلية الملك، فأميز بين نافعها وضارها بالحجة الجلية، وأعرضها على مولاي لينفذ ما به حفظ مملكته من المضرات، وما يجلب لها به الخيرات.
فإذا تقوى السلطان بأعوانه، وقهر أعداءه بخلانه، وقام كل فرد من المجتمع عاملا أو مقلدا عليهم نور المجد لمع، ولا غرو فإن مولاي العدل- شفي الله به الأفراد من الأمراض، والمجتمع من الأعراض- يعلم مقدار الخير الذي يناله بالفعل المجتمع والفرد، وما يفوزون به من جمال المواهب وعلو الجد.
كما أن مولاي- أيد الله به الحق وأهله- يعلم أن النفس السبعية، إذا تسلطت على الفرد تحقق للعالم جهله وأنكروا فعله، فإذا عمل بعمله المجتمع أو قلده أضله وأفسده..
والسعادة يا مولاي "نيل وإدراك ما هو خير في الحقيقة ونفس الأمر"؛ لأن للإنسان سعادة ينشدها العقلاء، ويأباها الأغبياء، فسعادة الإنسان "بنيل الفضائل التي يكون بها شبيها بالملائكة الروحانيين، متجملا بجمال الأنبياء والمرسلين، مما تبتهج به الأرواح الملكية، والنفوس المطهرة الزكية"..
وليست السعادة يا مولاي مأكل شَهِيّ، وملبس بَهِيّ، وملامسة للنساء على فراش وَطِئّ، هذه يا مولاي سعادة البهائم السائمة، بل وليست السعادة يا مولاي افتراس السباع للأجسام، ولا إدخار المال الحرام، ولا غدر لأهل الذمام، ولا ختل للعقول كختل الثعالب أو اللئام ؛ فإن السبع يفترس ظلما والنملة تدخر غنما، والفأر يسرق غرما، والديك يأتي الدجاجة رغما..
هذه يا مولاي سعادة الوحوش النافرة، والسباع الكاسرة ، وكيف يتشبه الإنسان بالبهائم ويقول إني إنسان؟ نعم إنه طويل القامة، عريض الأظفار، ضاحك بالطبع، ولكنه لا يكون بذلك إنسانا، وكيف لا، والله يقول: ﴿-;-إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾-;- (الفرقان: من الآية44). مولاي.. إني لأجول جولة في هذا الكون ، فأرى ما فيه مخلوقا للإنسان وتعمى عين الإنسان مع وضوح البيان.

مَوْلاََي أَنْجِدْ مِنْ يَدِ ٱ-;-لظُّلاَمِ * نُورًا يُضِيءُ بِغَيْرِ فَيْءِ ظَلاَمْ
أَحْيِي ٱ-;-لْفَضِيلَةِ بِالْعَدَالَةِ وَٱ-;-نْتَصِرْ * مِنْ غَادِرٍ يَبْدُو بِوَصْفِ إِمَامِ
ٱ-;-لنَّفْسُ يَامَوْلاَيَ شَيْطَاٌن لَهَا * مَيْلٌ إِلَى ٱ-;-لإِضْلاَلِ وَٱ-;-لإِعْدَامِ
تَعْدُو لِتُلْقِي بِالْفَضَائِلِ كُلِّهَا * فِي هُوَّةٍ بَلْ فِي سَحِيقِ رَغَامِ
كَيْفَ ٱ-;-لتَّخَلُّصُ مِنْ ظَلاَمَتِهَا ٱ-;-لَّتِي * أَوْدَتْ بِمُجْتَمِعٍ إِلَى ٱ-;-لأَسْقَامِ
أَنْتَ ٱ-;-لشِّفَاءُ فَدَاوِنَا بِعَذَابِهَا * فَأَمُرْ بِصَلْبٍ أَوْ بِضَرْبِ حُسَامِ
أَوْ سَجْنِهَا حَتَّى تُقَادَ ذَلِيلَةً * لِلْعَقْلِ فِي طَوْعٍ بِعِقْدِ نَظَامِ
لاَ تَرْتَقِي أُمَمٌ تَكُونُ نُفُوسُهُمْ * أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ وَٱ-;-لآلاَمِ
حَتَّى يَكُونَ ٱ-;-لْعَقْلِ سُلْطَانًا عَلَى * تِلْكَ ٱ-;-لنُّفُوسِ بِصَوْلَةِ ٱ-;-لإِقْدَامِ
كَمْ أَهْلَكَتْ تِلْكَ ٱ-;-لنُّفُوسِ مَمَالِكًا * نَالُوا ٱ-;-لْعُلاَ وَمَرَاتِبَ ٱ-;-لإِعْظَامِ
سَاسُوا وَسَادُوا، دَمَّرَتْهُمْ أَنْفُسٌ * لَمْ تَحْتَفِلْ بِالْعَقْلِ وَٱ-;-لأَفْهَامِ
مَوْلاَيَ أَدْرِكْ بِالْعَدَالَةِ وَٱ-;-شْفِيَنْ * مِنْ دَاءِ أَنْفُسِنَا وَذُلِّ مَلاَمِ
حَتَّىٰ-;- نَسُودَ سِيَادَةً عَقْلِيَّةً * نَرْقَى بِنُورِ ٱ-;-لشَّرْعِ كُلَّ مَقَامِ

أيها العدل، أنت لطالب الخير الإمام، وبالاقتداء بك تبلغ الأمم أرقى مقام..
وأنت المصباح والشريعة زيتك.. والأساس والدين بيتك..
بك تظهر أنوار الشرائع فيعمل بها، وتلوح حكمتها فيرغب فيها..
ولولاك ما اتضحت شريعة لعامل ولا نيلت بغية لآمل..

فاعلم يا مولاي أن الإنسان مثنوي التركيب.. فهو مجموعة من جسد جسماني ونفس روحانية وعقل بينهما رقيب
وهما يا مولاي جوهران متضادان في الصفات، متباينان في الغايات، مشتركان في الأفعال العارضة، وفي الصفات بلا مفاوضة
فهو بمقتضى جسده الجسماني ميال بطبعه الحيواني إلى البقاء في الحياة الدنيا
وكانت معصية آدم في الجنة لتلك البغية ؛ فخلوده في الدنيا متمناه، فيرتكب لأجل ذلك من الرذائل ما لا يرضاه الله
هذا يا مولاي مطلب الجسم الدنيّ، وقصد الإنسان الغويّ..
أما الروح يا مولاي فهو من أجلها طالِبٌ للدار الآخرة، وبغيته الوصول إليها بالقلب اليقظ والعين الساهرة
ولذلك ترى أكثر شئون الإنسان مثنوية متتابعة، بين حيوانية وروحانية
فهو بين حياة وممات، ونوم ويقظة، وعلم وجهالات، وتذكر وغفلة، وعقل وحماقة، وفجور وعفة، وبخل وسخاء، وجبن وشجاعة ، وألم ولذة
وتراه يا مولاي مترددا بين صداقة وعداوة، وذكاء وغباوة، وفقر وغناء، وبسط وغنى، وخوف ورجاء، وصدق وافتراء، وهرم وشباب، ومعصية ومتاب، وخطأ وصواب، وحق وباطل، وقبح وحسن
جمع الله فيه الأضداد وتفضل عليه بخير الإمداد
أسجد الله لـه ملائكته لما خلقه فيه من العجائب
وحير فيه الحِجا لما أودع فيه من الغرائب
فتراه بين راقٍ يتكلم في رُقِيّهِ مع الله شِفاها، وبين هاو إلى حضيض الأسفلين سَفاها
مولاي، كل تلك الصفات التي عددتها لا تُنْسَبُ إلى الجسد مجردا، ولا إلى النور الروحاني مفردا.

رئيس المحكمة: هل استوفيت موضوع القضية؟

الفكر: مولاي هذا ما يختص بي بصفتي وزير الملك، الساعي في خير مملكته، المسارع إلى سعادة كل أفراد رعيته، ومعي وزراء آخرون لكل منهم قسط في القضية.

رئيس المحكمة: ما هي طلباتك؟

الفكر: طلباتي يامولاي رفعها الوزير الأول في شكل القضية ، وهو أولى بأن يبينها للعدل أيده الله.

رئيس المحكمة: من هو الوزير الأول؟

الفكر: الملك يا مولاي هو النفس الناطقة الروحانية، والوزير الأول هو العقل الذي رفع شكل القضية.

التهور (يصيح قائلا): "عقل أيه وعدل أيه"! ما لنا وما لهم.. "لا احنا عاوزين عقل ولا عدل" ، "هو احنا جِمَالْ رايحين يعقولنا ولا سُكَّر يوزنونا"..
اللي نعمله نعمله واللي يعارضنا نعارضه، واللي يغلب يبقى عمله حق وعدل، أنا والله ياخويا أقول زي الجماعة المتنحْوِنين منا بيقولوا:
إِذَا هَمَّ أَلْقَى بَيْنَ عَيْنَيْهِ عَزْمَهُ * وَنَكَّبَ عَنْ ذِكْرِ ٱ-;-لْعَوَاقِبِ جَانِبَا
وَلَمْ يَسْتَشِرْ فِي أَمْرِهِ غَيْرَ نَفْسِهِ * وَلَمْ يَرْضَ إِلاَّ قَائِمَ ٱ-;-لسَّيْفِ صَاحِبَا

وإلا إن ما عجبهمش الكلام أقول أجعص منه، على رأي من قال..
أَرَى ٱ-;-لنَّاسَ مَنْ دَانَاهُمُو هَانَ عِنْدَهُمْ * وَمَنْ أَكْرَمَتْهُ عِزَّةُ ٱ-;-لنَّفْسِ أُكْرِمَا

دا أنا جدع على ذوقك وأعرف كلام كثير، هم نسيوا الشاعر اللي بيقول:
فَازَ بِاللَّذَّاتِ كُلَّ مُجَازِفٍ * وَمَاتَ بِالْحَسَرَاتِ مَنْ يَدْرِ ٱ-;-لْعَوَاقِبُ

الجبن (يقوم صائحا في وجه التهور): إنت ياتهور هتودينا في داهية... إنت نسيت الشعر اللي بيقولوا فيه:
وَدَارِهْم مَا دُمْتَ فِي دَارِهِمْ * وَأَرْضِهِمْ مَا دُمْتَ فِي أَرْضِهِمْ

إحنا نعمل عمل الثعالب ونعيش عيشة الملوك، إحنا قصدنا إيه؟
نملأ بطننا من الطعام الطيب والشراب العتيق
ونقوم نلاعب النسوان ونفسد الجيران
وإن كان حلال كلناه، وإن كان حرام كلناه
مَشّي بينا ياعم مشي، العقل ده مش حِتِّةْ حَبْل يربطوا بها رجلين البهائم؟
والعقل دا إيه؟ مش حجر يوزنوا بها التبن، وقسط يكيلوا به الجاز زي ما بنعمل في بلدنا
موش بيقولوا أوزن التبن بالعقل وكيل الجاز بالقسط واعقل الجمل أحسن ينفر، هوه احنا بهايم ولا احنا تبن؟

رئيس المحكمة (متوجها إلى الأعوان): الأعوان يحفظون النظام.

(النفس السبعية وأعوانها تهيص هيصة بقر الوحش، يأمر الرئيس برفع الجلسة وسجن النفس السبعية ومن معها 24 ساعة تنتهي هذه الجلسة ويخرج أعضاء المحكمة).

رئيس الشرطة: هلموا أيها السوقة، إلى الدار العتيقة، فإنا الآخذون بالنواصي، أهل الغوغاء والمعاصي.

التهور : حسبك لقد جهلت من تخاطب
أنا التهور المشهور بالمعاطب
ولي الوقائع المشهورة في أمكنة اللهو والملاعب
كم لي من وقائع مشهورة
وراق بالمشاكل مسطورة
ولي جنود من كل عبقري مارد
وفدائي شارد
أنا أستاذ الغشماء
نخبط خبط العشواء
فإليك عني
وإلا نلت ما تكره مني

الجبن (يقبل يد رئيس الشرطة): لا تؤاخذ هذا الطائش، فإنه في الجنون عائش، وارحمنا ولا تنتقم منا.

الغدر (يقول لرئيس الشرطة): امش أمامنا دلنا على المكان، ونمشي وراءك في أمان، وأما أنتم فاسمعوا أمره، واتبعوا سيره.

(يتساهل رئيس الشرطة ويمشي أمامهم بانتظام وهم يجرون وراءه بغير احتشام)

الغدر (يقول مخادعا): هذا مأمور لا يخالف الأمر، وقد أبان لنا العذر.

(الغدر يخفي عصا يضرب بها رئيس الشرطة خارج باب المحكمة): فروا في فجاج تلك الصحاري طولا وعرضاً
"ويرتجز قائلا"
يَاعَقْلُ كَمْ لِي غَدْرَةٌ أُبْدِيهَا * تَهْوِي بِأَهْلِ ٱ-;-لْعَقْلِ فِي بَادِيهَا
كَمْ مَرَّةٍ أَرْدَيْتُ حَبْرًا نَاسِكًا * فِي هُوَّةِ ٱ-;-لْفَحْشَاءِ لاَ يُدْرِيهَا
إِنِّي فِدَائيُّ ٱ-;-لْحُظُوظِ وَلَذَّتِي * فِي أَنْ أُنِيلَ ٱ-;-لنَّفْسَ مَا يُرْضِيهَا
ٱ-;-لْعَدْلُ عِنْدِي أَنْ أَنَالَ مَسَرَّتِي * قهْرًا وَغَدْرًا حَيْثُ لاَ أُخْفِيهَا
مَاذَا يُرِيدُ ٱ-;-لْعَقْلُ مِنِّي هَلْ يَرَى * تَرْكِي حُظُوظِي غَايَةً يَرْجُوهَا
لاَ أَتْرُكُ ٱ-;-لشَّهَوَاتِ إِلاَّ مُكْرَهًا * فَلَتَبْتَهِجْ نَفْسِي بِمَا هُوَ فِيهَا

رئيس الشرطة (يصيح على الجند): أدركوا الأعداء، وأوقعوا بهم البلاء ؛ فإن نجاتهم مضرة، والقبض عليهم مسرة.

الضَيْم (يقول لرئيس الشرطة): أيها الرئيس ، اقبض على هذا الغدر التعيس ؛ فإنه عدو ماكر، وغشيم شاطر، وأنا أطوع لك من ظلك، وأتبع لك من نعتك.

رئيس الشرطة: الجميع إلى دار التحفظ عليهم.

(يسدل الستار)


***********************



المنظر الثاني
الجلسة السرية - المداولة
(نفس المنظر السابق، وتفتح الستار وقد اصطف الخصوم بنظام وأدب والحراس عليهم
ثم يدخل أعضاء المحكمة ويجلسون على مقاعدهم وتطرق الطرقات لافتتاح المحكمة)

رئيس المحكمة: باسم الحَكَم العَدْل تفتتح الجلسة العلنية
على كل فرد أن يبين ما يهمه في هذه القضية.

(يفتتح الرئيس الجلسة الثانية تتقدم الروية وتستأذن قائلة)

الرَوِيّة: مولاي..
إن الأمر ما رفع إليك إلا بعد طول المفاوضة
وبذل ما في الوسع من المعاوضة
وتحمل فادح المعارضة
لعلمنا يا مولاي أن النفوس السبعية وأتباعها بها ننال مُنانا
ونحن لا نحب عدم تلك النفوس
ولكن نحب تزكيتها حتى ترضى مبدعها الملك القدوس
ولو أن تلك النفوس تزكت من رجسها ونجاستها
لفازت بمسراتها الباقية في دار كرامتها..
مولاي..
إن مبدع السموات والأرض
وواضع قوانين أحكامه للسنة والفرض، حكيم قادر، لم يخلق شيئا عبثا
لأنه جلت قدرته، وتقدست عن النقصان حكمته
خلق الإنسان مركبا من نفس وجسم وحس
وأهَّله لأن يكون في مقعد صدق عند مليك مقتدر
إن زكت النفوس وعلى تزكيتها قدر، وإن أهمل تزكيتها ففي الدرك الأسفل من النار
إن مال إلى عاجل حظه وسار
مولاي..
تعلم أن الإنسان يقربه الله إليه إذا منحه سبحانه كمالا
فيصير أنفع لبني جنسه من الشمس حالا ومآلا
وينحط بإهمال نفسه حتى يصير أضر عليها من الشيطان قولا
ومن إبليس فعلا..
فاحكم يا مولاي في هذه القضية
حكم من يريد لأهله السعادة الأبدية..
فإن المقصد يا مولاي نيل الخير في الدنيا والآخرة
والتنعيم بالمسرات الفاخرة.

(يأمر الرئيس بجلسة سرية ، ثم يتشاور مع أعضائه قائلا للمحكمة، وذلك بعد أن يخرج الخصوم والحرس والحاجب)

رئيس المحكمة: يا أعضاء هذا الجسد المبارك
العاملين لخير المجتمع الإسلامي
الذي بخيره يسعد جميع المجتمع الإنساني
وكيف لا؟ والعمل بكتاب الله وسنة رسول الله ﴿-;-ص وآله﴾-;- به سعادة العالم أجمع
حتى يصبح الظلم ليس لـه في العالم مطلع
وهذه القضية التي نحن ننظر فيها
ونفحصها ليظهر خافيها
ميزاب هذا الخير العظيم إن وفقنا للصواب في العمل
ومعراج الوصول إلى دار السلام إن بلغنا بمعرفة الله فيها الأمل
وكيف لا؟ وأُسُّ السعادة إصلاح الفرد جسما وعقلا
وقولا وفعلا
وبإصلاحه يصلح المجتمع المنزلي
فالقروي فالمدني
وأنتم أعوان القضية وأنصار العدالة ، فأعينوني بثاقب أفكاركم
وسديد آرائكم
لنصلح بين الخصوم
ونزيل الخلاف المذموم..
باسم الحكم العدل نفتتح الجلسة العلنية، وعلى كل فرد أن يبين ما يهمه في القضية.

القسط (عضو اليمين الأول): ليسمح لي مولاي أن أبدي ما ورد عليَّ في هذا الشأن.

رئيس المحكمة: تكلم

القسط: مولاي، تعلم أن الإنسان جسم ونفس وحس
والجسم يا مولاي- أيدك الله بالسداد- جوهر جسماني ذو طعم ولون
ورائحة وأبعاد، وحركة وسكون، وخشونة ولين، ورخاوة وصلابة، مكون من أخلاط متضادة
وطبائع عن الترقي صادة
وتلك الأخلاط هي البلغم والمرة السوداء، والدم والمرة الصفراء
وتلك الأمزجة مكونة من أركان الوجود وهي :الماء والهواء والتراب والنار
أشار إلى ذلك القرآن المجيد بقوله تعالى: ﴿-;-خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾-;- (الرحمن:14)
يدل على أن فيه النار لأن الفخار ما أحرق من الطين
فالجسم يا مولاي متباين الأجزاء فهو متغير متحول منفسد
وإنما جماله الحيوي وبهاؤه الإنساني إذا اتحد بالنفس التي بها الحياة، وبالحس الذي به ما يتمناه ، فإذا فارقته النفس، فقد الحياة والحس.
أما النفس يا مولاي فأعنى بها النفس الروحانية الناطقة، التي إذا صارت كلمتها نافذة صار الإنسان فوق المَلَكِ قدرا
لأن الملائكة تتولى خدمته في فردوس الله علنا وسرا
وليس المراد بها النطق ولكنهم تجوزوا فسموا الشيء باسم لازمه
تلك النفس يا مولاي جوهرة ملكوتية وحقيقة روحانية
هي جسم روحاني حي بحياة من الله تعالى دائمة، وهي بما أودعه الله فيها من الصفاء للتعاليم قابلة
وبما أودعه الله فيها من القوة تستعمل الأجسام الحيوانية وتتممها إلى وقت قدره الله تعالى ثم تفارقها إلى عالمها
إما بربح ونعيم باق
أو بندامة وعذاب لا يطاق
دليل ذلك قوله تعالى: ﴿-;- كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ .فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾-;- (لأعراف: من الآية29-30).
مولاي..
تعلم أن الله تعالى قد ذم قوما بقوله: ﴿-;- لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾-;- (لأعراف: من الآية179)
وتعلم يا مولاي أن الله تعالى ما شنع عليهم ونسبهم للقبيح
بهذا البيان الجلي الصريح
لا لأنهم أهملوا شأن دنياهم وأجسامهم، لا.. بل لأنهم أهملوا تزكية نفوسهم
ولم يتفكروا في أمر آخرتهم ومعادهم
لأن الله تعالى يقول: ﴿-;-يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾-;- (الروم:7)
ويقول سبحانه: ﴿-;- فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾-;- (النحل: من الآية22)
ويعلم مولاي- نفع الله به المجتمع الإسلامي، نفعا يعم المجتمع الإنساني- أن أعمال الإنسان وقتية محصورة في النفس والجسم
فإن أعماله يا مولاي اثنان:
مجلس الأكل والشرب واللهو واللعب للذات الجسمانية ؛ من لحوم الحيوانات ونباتات الأرض ومعادنها لقوام هذا الجسد المتغير إلى الفساد
ومجلس آخر للعلم والحكمة والعمل بالعلم والقيام بما فرض الله تعالى وسن رسول الله ﴿-;-ص وآله﴾-;- وسماع المعاني العلية، في العبارات المنظومة أو المنثورة اللفظية، لتتغذى النفوس بقوتها، كما تتلذذ الأجسام بغذائها.

والروح يا مولاي باقية دائم سرورها، باق في الدار الآخرة حبورها، إذا اتحد معها الجسم وأعانها ودبرته كما أمر الله تعالى: ﴿-;- وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾-;- (الزخرف: من الآية71).
أما قُنْيَةُ الإنسان فهي كأعماله متضادة متباينة، وهي
إما جسمانية كالمال ومتاع الدنيا
أو نفسانية كالعلم والحكمة والعبادة
فالمال ومتاع الدنيا قنية الجسم
والعلم والحكمة والعبادة قنية الروح
وكما أن الإنسان بالمال يحصل لذاته وشهواته الجسمانية
فهو كذلك بالعلم والحكمة والعبادة يُحَصِّل معية الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين في معية رب العالمين
ولا يفوز الجسم بهذا الروح والريحان إلا باتحاده مع الروح اتحاداً يجعله وسطا بين الملائكة والحيوان
فيحفظ حيوانيته بتحصيل ما أباحه الله له، ويحفظ نفسه الطاهرة الزكية بالمسارعة إلى القيام بما فرضه الله عليه، ورغبه فيه رسول الله ﴿-;-ص وآله﴾-;-
وبذلك يسعد السعادتين، ويفوز بالحسنيين، وتشرف روحه على قدس العزة والجبروت
ويتنعم جسمه في فردوس الله الأعلى محفوفا بعوالم الملكوت
بذلك يا مولاي يجب علينا أن نبذل قصارى ما في الوسع، ليحصل للجسم والحس والنفس الخير والنفع
فإنه لا كمال للنفس إلا بالجسم، ولا كمال للجسم إلا بالنفس
والعقل هو البرزخ بينهما:
فلا تقوى عوامل النفس بشوقها إلى مجانسها فتفسد الجسم
ولا تقوى مقتضيات الجسم بشوقه إلى مجانسة فيطفئ نور النفس
كما قال تعالى: ﴿-;- بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ﴾-;- (الرحمن:20). وقوله تعالى:﴿-;- وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ﴾-;- (البقرة: من الآية143)
وكما قال ﴿-;-ص وآله﴾-;-: "إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى" .
مشيرا إلى النفس لتسلك بالجسم على قدره، وكما قال ﴿-;-ص وآله﴾-;-: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا : ومن أبى يا رسول الله؟ قال : من أطاعني دخل الجنة،ومن عصاني فقد أبى" مشيرا إلى الجسم إلى أن يسلك بمقدار النفس:
فِطَرُ ٱ-;-لنُّفُوسِ تَقُودُهَا لِعَنَاهَا * وَٱ-;-للَّهُ بِالشَّرْعِ ٱ-;-لشَّرِيفِ هَدَاهَا
لَوْلاَ ٱ-;-لشَّرِيعَةُ بَيَّنَتْ سُبُلَ ٱ-;-لْهُدَىٰ-;- * ضَلَّتْ نُفُوسٌ فِي سَحِيقِ هَوَاهَا
نَفْسٌ تَمِيلُ إِلَى ٱ-;-لْحُظُوظِ بِطَبْعِهَا * وَٱ-;-لْقَهْرُ وَٱ-;-لإِفْسَادُ كُلُّ مُنَاهَا
وَٱ-;-لْجِسْمُ آلاَتٌ لَهَا تَسْعَى بِهِ * وَبَرِيدُهَا ٱ-;-لْحِسُّ ٱ-;-لَّذِي أَرْدَاهَا
تَسْعَى لِتَقْوِيَةِ ٱ-;-لْجُسُومِ وَكَمْ رَأَتْ * مَوْتَىٰ-;- تُشَيَّعُ صُبْحَهَا وَضُحَاهَا
تَرْجُو ٱ-;-لْخُلُودِ وَلاَ خُلُودَ وَتَشْتَهِي * نَيْلُ ٱ-;-لْحُظُوظِ وَفِي ٱ-;-لْحُظُوظِ بَلاَهَا
تِلْكَ ٱ-;-لْقُبُورِ لِذِي ٱ-;-لْبَصِيرَةِ عِبْرَةٌ * يَغْنَي بِهَا عَنْ غَادَةٍ وَحُلاَهَا
وَتَرَى ٱ-;-لْقُصُورَ مَعَ ٱ-;-لْقُبُورِ وَكَمْ تَرَى * مِنْ نَفْسُهُ بِحُظُوظِهِ دَسَّاهَا
تِلْكَ ٱ-;-لْقُصُورِ مِنَ ٱ-;-لتُّرَابِ مُشَادَةً * بِئْسَ ٱ-;-لصَّنِيعُ صَنِيعُ مَنْ أَعْلاَهَا
لَوْ شَامَ عَاقِبَةَ ٱ-;-لأُمُورِ لِفَرَّ مِنْ * تِلْكَ ٱ-;-لْقُصُورِ وَنَفْسَهُ زَكَّاهَا

رئيس المحكمة: يا قسط عبّرت فبينت، وصورت لنا الحقيقة فأظهرت، وذكرت أن الإنسان نفس وجسم وحس، وكشفت لنا القناع عن النفس والجسم، فاشرح لنا حقيقة الحس.

القسط: الحس يا مولاي بريد المملكة الإنسانية، وهو السمع والبصر والذوق والشم واللمس
فالبصر يا مولاي للألوان والأشكال والأبعاد والشم للروائح والسمع للأصوات والنغمات والذوق للطعام واللمس للحرارة والبرودة والصلابة والرطوبة والخشونة والنعومة وتقريب المقادير
وله مدير للمعقولات ورئيس للمحسوسات
فمدير المعقولات الوهم، ورئيس المحسوسات الخيال
ومركزها الرأس والوجه، إلا اللمس ؛ فإنه منتشر في سائر البدن
وانتشاره لحكمه هي الرحمة بالجسم الإنساني ؛ فإنه إذا فقد اللمس وجلس على نار أو على ثلج أو على مفرق للأعضاء هلك.
يا مولاي..
إن مبدع الكائنات جعل الحس لحفظ الجسد من الآفات، ولدفع المضرات وجلب الخيرات
وإني أضرب لمولاي مثلا تستبين به الحقيقة:
إذا جلس الإنسان ليأكل، سبقت العين اليد إلى الطعام، فإذا قبلته شكلا ولونا أذنت اليد بنقله، فإن تناولته اليد سبق الشم إليه، فإن قبله رائحة أمر اليد بدنوه من الشفتين، فإذا قبلتاه توسطا في الحرارة والبرودة سمحت بدخوله إلى اللسان، فإن قبله طعما رده إلى الأسنان، فإن أمكنها طحنه سمحت للسان بتوصيله للمريء فيوصله إلى المعدة، فإن كان صالحا للبقاء فيها قبلته وقامت بوظيفتها وإلا ردته وأخرجته، وأهل الجهالة يا مولاي يقهرون المعدة على بقاء الطعام فيها بتعاطي ما يبطل عملها الطبيعي حتى تقبل ما تكره، بشرب الدخان أو بأكل التوابل أو الأملاح، فتقبل الطعام مكرهة ، وتضعف عن القيام بوظيفتها، فقد يتغير فيها فيصير حامضا أو عفصا أو مرا أو حلوا بحسب الغالب عليه، فتحصل الأمراض والأوجاع
هذا كله يا مولاي لمخالفة العقل، وترك العمل بالوصايا الشرعية، وإهمال البحث عن حكمة إيجاد تلك الأشياء والنظر في خواصها ، هذه بعض وظائف الحس.

والحس هذا يا مولاي داعية الشرور إذا لم يتطهر
وهو كما أنه بريد النفس فهو كذلك بريد الشيطان
فإذا وفق الله مولاي فأصلح بين تلك القوى المتضادة، والأنواع المختلفة، مال كل فرد من المسلمين إلى سعادة الدنيا والآخرة
وفاز المجتمع الإنساني بما فاز به سلفه الصالح، وعم الخير والرشاد بطاح الأرض والوهاد، وسهولها والأنجاد.

رئيس المحكمة: بَيِّن السبيل إلى الوصول، وتحقق أن قولك مقبول، فأنت القسط وأنا العدل، ولولانا لم يتجمل أحد بالفضل.

القسط: السبيل يا مولاي – أعزك الله- رجوع كل قوة إلى الوسط حتى يقوم كل بالواجب عليه بين الإفراط والتفريط، كما قال الله تعالى: ﴿-;- وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾-;- (الفرقان: من الآية67)
والطريق القريب أن نكشف لكل قوة سبيلها القويم، وصراطها المستقيم
ونحيطها بسياج، حتى لا تخرج إلى الطريق الأسفل ولا إلى الأعلى
ونعالج مرضها، ونكبح جماح طاغيها، حتى يتوسط كل في رتبته، وتتعاون القوى جميعها، على نيل إصلاحها وصلاحها
والموصل إلى تلك الغاية القصوى، والكمال الأعلى، هو كتاب الله تعالى وسنة رسول الله ﴿-;-ص وآله﴾-;-
فإن الإنسان إنما هو إنسان بعقله، والعقل لا يكون عقلا إلا بالشرع، فإن، العقل بدون الشرع يخدم الجسم لبلوغ كماله الجسماني
ولا يتمكن أن يخرق سياج الكائنات حتى يدرك سر الكمال الروحاني
وكيف لا ؟
والإنسان حيوان، فإذا ساعده العقل على حيوانيته
تمكن بعقله وحيوانيته من أعمال لا تعملها السباع الكاسرة
ولا الحيوانات النافرة
ولا الشياطين الفاجرة
فيكون أضر من الحيوانات ، وأشر من الشيطان، حتى تشرق أنوار الشريعة عليه فيسارع إلى الكمالين، متوسطا في الأمرين
قال الله تعالى: ﴿-;-أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾-;- (الأنعام: من الآية122) ميتا أي: لا حياة لـه روحانية، وليس المراد بالميت من لا حياة لـه حيوانية
وكل إنسان فقد الحياة الروحانية فهو ميت في الحقيقة ، قال الله تعالى: ﴿-;-وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾-;- (الشورى:52)
فالشريعة روح تفيد الحياة الحقيقية التي بها الحياة السعيدة الباقية، قال الله تعالى: ﴿-;-وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾-;- (الاسراء: من الآية82)
فالعقل من غير الشريعة كسلاح قوي في يد جريء عبقري
فاعتن يا مولاي بأن تجعل تلك القوى كلها سابحة في جو السعادة، راتعة في بحبوحة الأمن والخير في حصون الشريعة
وبذلك يا مولاي تكون قمت للعالم أجمع بالخير المنشود لكل حي، وهذا هو الحق ولمولاي أن يقبل أو يرد.

رئيس المحكمة: فَصِّل لنا يا قسط ما أجملت، ووضح لنا ما أبهمت.

القسط: مولاي.. إن تفصيل المجمل، وتوضيح المبهم، من وظيفة العلم وسيادته عن يمينك، وهذا مقامه الذي انفرد به، وميدانه الذي يشاهد النور فيه بكواكبه، فاسأله يا مولاي يجبك، ويتبين منه الحقيقة يقربك.

رئيس المحكمة: أيها العلم يا ماحي ظلمات الجهالة
وماحق جيوش الضلالة
ومصور الغيب للنفوس
بالرياضة أو الدروس
بك الحق يتضح لأهل العقول
وبك ينال كل من حصلك المأمول
وأنت كما قال حكيم المسلمين وسيدهم بعد رسول الله ﴿-;-ص وآله﴾-;- أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
(العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال
المال ينقص بالنفقة، والعلم يزكو بالإنفاق
مات خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر)
ما التجأ إليك حائر إلى زالت حيرته
ولا مضطر إلا نال بغيته
وبك يسود الفرد قومه، وتسود الأمة غيرها من الأمم
سعد من حصلك واهتدى بنورك
وفاز من عمل بك وتحصن بسورك.

يَا عِلْمُ يَا كَاشِفَ الظُّلُمَاتِ وَالْكَرْبِ * أَسْعَدْتَ آلَكَ مِنْ عَجَمٍ وَمِنْ عَرَبِ
أَنْتَ ٱ-;-لضِّيَاءُ بِكَ ٱ-;-لْعَلْيَاءُ مَنْزِلَةً * لِلْمُقْبِلِينَ بِحُسْنِ ٱ-;-لْجِدِّ وَٱ-;-لأَدَبِ
كَمْ أُمَّةٌ سَعِدَتْ بِالْعِلْمِ وَٱ-;-رْتَفَعَتْ * فَازَتْ بِنَيْلِ ٱ-;-لْمُنَى وَٱ-;-لْمَجْدِ وَٱ-;-لْحَسَبِ
لَوْلاَكَ مَا ٱ-;-تَّضَحَتْ سُبُلُ ٱ-;-لْهُدَاةِ وَلاَ * نَالَ امْرُؤٌ مَا يُرَجِّيهِ مِنَ ٱ-;-لإِرَبِ
أَقْبِلْ عَلَيْنَا بِعَطْفِ مِنْكَ يَشْمَلُنَا * حَتَّى نَفُوزَ بِنُجْحِ ٱ-;-لْقَصْدِ فِي ٱ-;-لطَّلَبِ
ٱ-;-للَّهُ أَثْنَى عَلَى ٱ-;-لْعُلَمَا وَفَضَّلَهُمْ * فَاقْرَأْ مَدَائِحَهُمْ فِي مُحْكَمِ ٱ-;-لْكُتُبِ

وكيف لا؟ والله تعالى يقول: ﴿-;-يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾-;- (الرحمن:33) والسلطان هو العلم
بدليل قوله تعالى: ﴿-;- يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾-;- (المجادلة: من الآية11) فتقرب وتكلم تعز لدينا وتكرم.

العلم: لبيك أيها الراغب في البيان
المسارع لشهود الحقيقة في عيان:

أَنَا ٱ-;-لْعِلْمُ إِلاَّ أَنَّ مَنْزِلَتِي ٱ-;-لْعَلْيَا * تَعَالَتْ عَنِ ٱ-;-لْغَرِّ ٱ-;-لَّذِي يَطْلُبُ ٱ-;-لدُّنْيَا
أَنَا ٱ-;-لْعِلْمُ نُورٌ فِي ٱ-;-لْوُجُودِ بِأَسْرِهِ * أُبَيِّنُ سُبُلَ ٱ-;-للَّهِ مَبْدَئِي ٱ-;-لرُّؤْيَا
تَلُوحُ جَمَالاَتُ ٱ-;-لْحَقِيقَةِ جَهْرَةً * وافتح إن حققتني أعينا عميا
أُصَوِّرُ غَيْبَ ٱ-;-لْغَيْبِ لِلرُّوحِ تَنْجَلِي * حقائقه حتى ينال الفتى البغيا
وَمِنْ خَيْرِ رُسْلِ ٱ-;-للَّهِ أَوْلَيْتَ مِنَّةً * من الله من يقبل ينل رتبة عليا

إني أيها العدل أُبَيّن ولك الفضل..
اعلم- أيدك الله وإيانا بما أيد به أهل محبته- أن قضيتنا التي لأجلها اجتمعنا
ومهمتنا التي فيها اختلفنا
هي الضالة المنشودة لأهل البصائر
والغاية التي يسارع إليها كل ذي عزيمة ناظر
وإن التوفيق بين تلك القوى المتباينة متعذر إلا بمعونة من الله جل وعلا
فإنه سبحانه وتعالى خلق النفوس وقهرها على فِطَرِها
وهداها النجدين من خيرها وشرها
وبين سبحانه طريق الرشد وطريق الغي، وأعد جزاء حسنا لمن زكى نفسه وصفاها
وعلى صراط الله المستقيم نهج بها فأنجاها
ثم جعل حدودا زواجر، وعقوبات جوابر
لمن دسّى نفسه وأهملها
وسلك مسالك أهل الغواية وتخيرها
وأمرنا بتنفيذ تلك الحدود ولو على أنفسنا
رحمة بنا أن تعمنا الخطيئة فتهلكنا
لأن من شهد الخطيئة فأقرها كان كمن عمل بها.
وإني وإن كنتُ مقصدا عليا
فإني في الحقيقة وسيلة لمن سلك مسلكا مرضيا
فإن أنواعي ثلاثة:
علم شرعي وضعي
وعلم رياضي عقلي
وعلم البحث والنظر في حقائق الأشياء للوصول إلى المقام العلي.
أما العلم الشرعي: فموضوعه النفوس والدار الآخرة وواضعه الله تعالى
والقرآن الكريم جمع ما لابد للإنسان منه في الدنيا والبرزخ والآخرة، عقيدة وعبادة وأخلاقا ومعاملة
وكل تشريع، لم يؤخذ من القرآن تصريحا أو بالاستنباط منه ولو تلويحا سبب فساد النفوس
لأن العقل لا يمكنه أن يركب دواء للنفوس اللقِسَة من أمراضها شافيا
ولا علاجا للنفوس المعتلة من فساد أمزجتها كافيا
وكيف لا؟
والعقل يجهل حقيقة النفوس، وصانع الصنعة أعلم بعلاجها
وأرحم بها منها بنفسها
والإنسان من حيث هو إنسان
لا يمكنه أن يمنح الإنسان العطف والحنان
والخوف والرجاء والتوبة والاستقامة والمعاونة والاتحاد والمساواة
إلا بما ينزله الله عليه، وما يمنحه إياه من النور، حتى يقوى الحس، ليصغى إلى علوم الغيب فيوصلها إلى النفس
وهي تنشرها على قواها، مبينة مزاياها
وهي تبثها في الآلات والأدوات
التي هي أعضاء الجسم العاملات
لأن الحس إذا لم يهتد بنور الشريعة
وأبصر بنور البصر، واهتدى بالشمس والقمر
ضل السبيل القويم
وخالف الصراط المستقيم
لأنه يرى الباطل فيسارع إلى عمله
ويحجب عن الآيات فيه فيخيب في أمله
وكيف لا؟
والحس في الإنسان الأول نُعّم في رياض الجنات
حتى ارتكب الخطيئة فأهبط إلى حضيض البليات
فتسلى عن مشاهد الملكوتية
وعن مجانسه من الأنواع الروحانية
ولا سبيل لـه إلى الرقي من تلك الوهدة
واليقظة من تلك الرقدة
إلا بما يجعله الله لـه من النور
الذي به يشرح الصدور
وذلك النور هو الشرع المنزل من الله على لسان رسله وأنبيائه، وبه عز الإنسان ومجده
والعامل به يتيسر لـه قصده، ومن طلب العز بغيره أذله الله.
وقد شاهد الإنسان عاقبة مخالفة الشريعة
فإنه انحط إلى أفق الحيوانات ورأى صنيعه
بعد أن كان مجانسا للملائكة الروحانيين
متشبها بالأنبياء والمرسلين
أصبح إباحيا لا تلويه الشريعة عن عمله
ولا تكبحه البلايا عن سوء أمله
حتى صار عبدا لبطنه وفرجه
ثم تعدى الآداب البهيمية
إلى أن تجاوز في الشرور المرتبة الإبليسية
وتلك القضية قضية العالم أجمع، والعدل بالإصابة فيها يقوم بالخير الأنفع، والمعونة من الله، يمد الله بها سبحانه من والاه.

رئيس المحكمة: شرحت لنا ما نحن في حاجة إليه، فوضح لنا النموذج الذي في قضيتنا هذه نعول عليه، حتى نسلك النمط الوسط، ونخرج من هذه الدعوة بسلامة فقط.

العلم:
سبق للقسط أن بين تباين النفوس
وأظهر تنوع الدروس
وإني أزيد مولاي علما
حتى يكون السير في هذه القضية سلما:
الحس يا مولاي وإن كان محكوما بالنفس إلا أنه شيطان الجسم
أكثر الناس يتخذونه إلها من دون الله، يأمرهم فيتبعون
وينهاهم فيطيعون
يخالفون حكم الله في شرعه
وفي مخالفة الشريعة هوى الجسم في حضيض صرعه
وبين الحس والنفس عداوة لا تزول
ومخالفة إلى الشر تؤول
مذ وقعت في الخطيئة بسببه
وأكلت من الشجرة بطلبه
والحس قد حرم غذاءه الشهي
في رياض الفردوس البهي
فهو يبحث عن ملاذه ومسراته
ويبذل كل ما في وسعه بسكب عبراته
حتى تسلى بالملاذ الجسمانية
ونسي المسرات الروحانية.

فأصلح يا مولاي الحس، تكن قد أصلحت النفس
فإن الحس بريدها الموصل لها أخبار مملكتها، ووسيطها القائم بينها وبين رعيتها
فما تغير ما بالنفس من الحق الجلي
إلا بعد أن أورد عليها الحس الباطل الوبيّ
كان الحس في الفردوس مستنيرا بنور العقل
حتى أهبط إلى الأرض فاستضاء بنور البصر المحاط بالفساد طولا وعرضا
والحس يا مولاي لا غذاء لـه في كون الفساد، ولا مسرة ولا مراد، ولكن نسي فنسل، وكيف لا؟ وحوله ضروريات الأجسام، في المعادن والنباتات والأنعام.

رئيس المحكمة : كيف نسوس الحس حتى يتذكر ملاذه ومسراته الروحانية، ولا أرى ذلك إلا بسياسة مرضية؟

العلم : مولاي، أعاذك الله من ذكر السياسة فإنها فاتحة الشرور لبني الإنسان
ومصدر كل خراب وهوان
يستعملها أهل المطامع الضالون الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم فظنوا أنهم في كون الفساد خالدون
أهل السياسة أضل من الأنعام السائمة
وأضر من الشياطين الغاشمة
وإن بين السياسة والعدل كما بين النور والظلمة
أو بين الحماقة والحكمة
وإنما وضعت السياسة لتذليل البهائم والوحوش
أو للأثرة بالأموال والعروش
ظلما وطغيانا
لا عدلا وحنانا
كل أمة جعلت السياسة رائدها
والخديعة قائدها
حاربت الفضائل والآداب
ونشرت الرذيلة والخراب
وهذا شأن الأمم الجاهلية
والمجتمعات الضالة الجهنمية

السياسة وما أدراك ما السياسة؟
تحير العقول بالأباطيل
وتستولي على الأمم بالأضاليل
ظاهر حالهم أنهم يحسنون بهم صنعا
وهم يريدون لخيرهم منعا
وأهل السياسة- وإن سادوا، فذلهم قريب
وإن ابتهجوا بحالهم فمستقبلهم رهيب
وقد شنع الله عليهم في كل كتبه السماوية
ووعدهم بالدرك الأسفل من النار الحمية.

رئيس المحكمة : حملت حملة شعواء، ولفظ السياسة استعملها العلماء، وقد استعملها يوسف الصديق
وقصته مشهورة في شريف الكلام، وقد أمرنا بمداراة الناس، فما هذا الإلباس؟ أقم الحجة على صحة مذهبك، وإلا حكمت بسوء أدبك.

العلم: أنصفت يامولاي.. وأنت العدل
وإنما تقوم الحجة بالعقل
أضرب لمولاي مثلا فيه الجواب
وأفصله ليستبين فصل الخطاب.
والد رحيم شفيق عطوف رفيق، لـه ولد وحيد ينتظر خيره، ويرجو من الله بره
يجهد نفسه في حسن تربيته، ويبذل ماله وعافيته، ويتحمل طيش طفولته، ورعونات شيبته، محافظة عليه، وجلبا للخير إليه
يدأب الليل والنهار، في تحصيل الخير لـه والادخار
متلذذا بما يتحمله من فادح الآلام
وما يصيبه من شديد السقام
وهذا العمل يامولاي – مع نيته- يسمى الحكمة بحقيقته..

ووَصِيّ أيتام طماع غشوم، ذو نفس سبعية ظلوم
يفتك بأموالهم فتك السباع الكاسرة، ويختلسها اختلاس اللصوص الفاجرة
ويظهر لهم العطف الثعلبي، مع النهم الكلبي
ويبين لهم ما عاناه من الصعوبات في دفعه عنهم الآفات
فتارة يبكي كبكاء الثكلى، وتارة يبتسم كما يبتسم السبع إذا هم بإنزال البلوى
حتى يجردهم من أل والإضافة، ويخرجهم من مالهم أو يكون عنده في دار الضيافة
هذا العمل يا مولاي- مع نيته – هو السياسة.

فإذا قام الرجل بالتدبير وحسن الروية، لنفع فرد أو مجتمع بحيلة خفية
سمي عمله حكمة ومداراة
فأحبه أهل العقول ورضي عنه الله
وهذا هو العمل الذي رغب فيه الشرع الشريف، ووردت فيه الأوامر بالتكليف
قال رسول الله ﴿-;-ص وآله﴾-;-: (إنما الأعمال بالنيات)
وقال الله تعالى: ﴿-;-وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ.وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾-;- (فصلت33-34).

أما من قام بالمكر والخديعة لسلب أموال الناس، والإفساد بين الكياس
وسعى ليفسد الأعراض، وقلبه مريض بالأغراض، ونفسه منجسة بالأمراض
فأظهر الرحمة وأبطن العذاب، وبين العطف وأخفى الخراب
فذلك هو الخبيث الماكر، والأحمق الساحر
ولذلك ترى أهل العقل والفضيلة، يرون التكلم في السياسة ضياع ورذيلة، فكيف باستعمالها بين العائلة والقبيلة
وكم وهت بالسياسة عروش ملوك سادوا، وكم ذل بها من للمجد بالفضيلة شادوا
لأنهم صدقوا الختالين من أهل السياسة، فعاملوهم بما يليق بأهل الفضيلة من غير تبصرة
فوثقوا بهم مستسلمين لهم وارتابوا من أهل النصيحة والحكمة فما لبثوا إلا ريثما انكشف الستار
وظهر أن تحت الثلج النار
ووراء التبسم مخالب قسورة، ولا حياء ولا معذرة
وصارت الصورة الإنسانية حقيقة شيطانية فيحل الندم حيث لا مناص
وتدهش العقول للسلامة والإخلاص

وهذه هي السياسة تنهار بها عروش الملوك، ويباح بها عرض الصعلوك
أما ما يعنيه مولاي العدل حفظه الله، ونشره بين الأمم وأعلاه
فهي الحكمة التي هي ضالة المؤمن، وجمال المحسن ، ولي العذر فيما أبديته أولا، ولا عذر لمولاي ، فيما واجهني به مؤولا.

رئيس المحكمة: ياعلم إن مدلول لفظك أدهشني، ومقامك العلي عندي أحرجني، وإن كان لا يليق للعدل أن يأخذ باللفظ، فإن الكلام إما لمعاملة أو وعظ، ولا يستبان معناه، إلا بإضافة نية المتكلم إلى فحواه، وإني أعتذر إليك مما سبق مني ؛ فقد اتحد شأنك وشأني، فارسم لنا خطط السير في القضية، بالحكمة والروية.

العلم: إن التوفيق بين تلك القوى المتباينة
والفطر المختلفة بالمعاينة
ا يمكن أن يكون بالقسوة، فإنها تبطن في القلوب الجفوة
وتولد سخائم الصدور، وتوقع المجتمع في الشرور
ولي طلب أبديه للهيئة الموقرة ولا أخفيه، وهو أن يسمح الرئيس لحضرة القاضي المحبوب (الهدى) لأناظره في القضية من الابتدا.

رئيس المحكمة : ياهدى أجب أخاك لما إليه دعاك.

الهدى:
لَبَّيْكَ لَوْ أَشْرَقَتْ شَمْسٌ بِآفَاقٍ * لَلاَحَ نُورِي مُبِينًا حَالَ إِشْرَاقِي
وَعَمَّ نُورُ ٱ-;-لْهُدَى ٱ-;-لآفَاقَ وَٱ-;-بْتَهَجَتْ * نُفُوسُنَا فِي صَفَا أُنْسِ وأَخْلاَقِ
وَقَامَ كُلُّ امْرِئٍ لِلْحَقِّ يَطْلُبُهُ * وَخَافَ كُلُّ فَتًى مِنْ قَهْرِ خَلاَّقِ
أَنَا ٱ-;-لضِّيَاءُ لِكُلِّ ٱ-;-لْخَلْقِ أَجْمَعِهِمْ * وَبِي يَعِيشُونَ فِي صَفْوِ ٱ-;-لْهَنَا ٱ-;-لرَّاقِي

سمحت لي أيها الرئيس أن أناظر العلم
وضالتنا المنشودة محو الحرب بالسلم
ليعيش الإنسان في أمن من شرور الإنسان
وكفاه مكافحة الجو من ميكروبات وحيوان، ومعالجة الأسقام والأحزان
فإن الإنسان إنما خلق ليعمل لمستقبله الآجل، الذي هو إليه راحل، وكيف لا؟
والله خلق الكون من عاليه ودانيه وباطنه وخافيه للإنسان ليبتليه ، وخلق الإنسان لعبادته سبحانه وتعالى، وأعد له الملك الكبير وخير السعادة
وقد سخر لـه سبحانه وتعالى ما في السموات وما في الأرض جميعا منه، وبين له مخاوفه ومأمنه
فكل ما في الكائنات عناية الله المعين، لهذا الإنسان الذي هو من ماء وطين
وكيف يجهل الإنسان نشأته الأولى
وينسى عهد المولى
ويميل إلى أسفل سافلين، وهو معد لأعلى عليين؟!
وقد بين الله لـه سبل الهدى، وحذره طرق الردى
وأغدق عليه نعماه، وبفضله العظيم والاه

فكل ما هو من الخير لديه، واصل من الله إليه
فلو نظر في نفسه نظرة بصير متدبر، واهتدى هداية فتى متفكر
لأحب المنعم الوهاب حبا يغنيه عن نفسه، وينسيه مقتضيات حسه، ولكن قال الله تعالى: ﴿-;-قُتِلَ الْإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ. مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ. مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ. ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾-;- (عبس17-20)
وإني أمام الهيئة الموقرة أخط لكم خطط السير في تلك القضية، بأساليب جلية، لا ريب فيها، ولا إلباس
برفق وشفقة لا بشدة مراس
وهذه الخطة أن يفتح الرئيس مجلس القضاء ثم يحضر الخصوم
اللائم منهم والملوم، ويتفاهم معهم في كل الشئون، حتى تقر بالصلح بينهم العيون
فإن كل قوة منها تسارع لنيل الخيرات، وترى الأخرى تنازعها في الغايات
ولكل قوة منها خير لا تميل إليه الأخرى
ولذلك حلت بهم البلوى، فلنبين لكل قوة أن خيرها الحقيقي، هو الفوز بالنعيم الأبدي
ولا يتيسر هذا النعيم إلا بقيام كل قوة بالعمل لخير الجميع، ولديها تصل إلى المقام الرفيع
فإن للروح مطالب لا تنالها إلا بالجسم والحس
وللجسم والحس ضروريات لا ينالانها إلا بمساعدة النفس
وتركيب الجسم الظاهر في أعماله، كتركيب المجتمع الباطن في آماله
فاليد تخدم جميع الجسد، ولو انفصلت منه هلكت إلى الأبد، وكذلك كل عضو في الإنسان.

(ظهر للهيئة الموقرة البيان، وقد بين القسط والعلم الحقيقة كل البيان
فنفّذ ما أبديته بعد الروية والعلم وامزج أيها الرئيس الشدة بالحلم، وادع الجميع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسول الله ﴿-;-ص وآله﴾-;-
لأن الله بخير خلقه منهم أعلم، وهو سبحانه وتعالى بهم أرحم، فتوبوا من خطاياكم إليه، وأقبلوا بحسن الثقة به عليه.

(ثم يجلس الهدى)

رئيس المحكمة (يتكلم مع القاضي الرابع وهو التوفيق):
أيها التوفيق
أنت للمستقيمين خير رفيق
ولا شك أنك لا تنال إلا بالله كما قال خطيب الأنبياء: ﴿-;-وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ﴾-;-
ألك ملاحظة على ما بينه إخوانك؟ فتلك القضية قضتيك.

التوفيق: إني متحد مع الهدى في نصيحته، لاعتقادي بحسن طويته.

"تسدل الستار"

يتبع








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ذهب الزمن الجميل.. لكن فيلم -ذهب مع الريح- لم يذهب | سلسلة أ


.. صباح العربية | الفنان العراقي إلهام المدفعي يغني للأمل في زم


.. شاهدٌ على الحضارة.. فنان تشكيلي يعيد الجمال لبيت من الطين




.. تفاعلكم | جدل حول مسلسل الطاووس وجمال سليمان يرد وخناقات فنا


.. تفاعلكم | دراما رمضان.. خناقات فنانين وانسحابات بالجملة