الحوار المتمدن - موبايل


(قتلة مفسدون أم شهداء مصلحون) السيد محمد علاء أبو العزائم [1]

إسلام بحيري

2015 / 1 / 15
مواضيع وابحاث سياسية


لقد شرع الله الشرع لمصلحة العباد، وضمنَ لهم الأمن على أنفسهم وأموالهم، وجعل للمفسدين في الأرض جزاءً يُوافق جريمتهم، ويحدُّ من خطرهم، لإنهم يصيرون في المجتمع كالعضو المريض الذي لابد من بتره، حتى لا يسري المرض إلى غيره، وحول هذا الموضوع والذي نرى أنّه قد حان الوقت لتطبيق شرع الله في الأرض حتى لا نُكتب عند الله من الكافرين والظالمين والفاسقين , كما في قوله تعالى في سورة المائدة 44- 46 إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ

أما من سيأتي ويقول ولكن هذه الأحكام جاءت في أهل الكتاب, فنقول له: اليس التوراة والانجيل كتابان سماويان كما القرآن الكريم؟ أليس شرع الله وحدوده وفرائضه وقوانينه واحدة في كافة الشرائع السماوية؟ ومن يدّعي هذا الادعاء ويقول هذا القول فليتابع سرد الايات الكريمات في نفس السورة العظيمة 48- 50 يقول الله تعالى لنبيه الكريم صلوات الله وسلامه عليه وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ

وعن قوله تعالى : لكلٍّ جعلنا شِرعةً ومِنهاجاً: اي كل ما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة , لما رواه ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير لهذا الجزء الكريم من الآية الكريمة، فقال:الشرعة: ما ورد في القرآن، والمنهاج: ما ورد في السنة

لماذا فرض الله عزجل علينا تطبيق حد الحرابة؟

اننا ولله الحمد والمنة لنعلم يقيناً دون ان يساورنا ادنى شك أو ريبة بأنّ جميع بنو آدم على اختلاف الوانهم واطيافهم ومناهجهم ومذاهبهم يهدفون ويتمنون العيش في مجتمعات تملؤها السعادة والأمن والأمان والطمأنينة، ولا يمكن أن تحقق السعادة لبني البشر بوجود الأمن والطمأنينة, ولا يمكن أن يتحقق الأمن والطمأنية الا بتحكيم كتاب الله الكريم , ومن بعده سنة نبيه المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه.
هذا هو المنهج الرباني الشامل الضامن لسعادة البشرية جمعاء من خلق آدم عليه الصلاة والسلام الى قيام الساعة، الى أن يرث الله عزوجل الأرض ومن عليها, وهذا المنهج الرباني القويم والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لا يمكن أن يطرأ عليه زيادة أو نقصان ، ولا يمكن أن تتخلف أحكامه على مر العصور والدهور , يقول المولى تبارك وتعالى في سورة الأنعام 38 مؤكدا لنا هذه الحقيقة

وَمَا مِن دَآ-;---;--بَّةٍ۬-;---;-- فِى ٱ-;---;--لۡ-;---;--أَرۡ-;---;--ضِ وَلَا طَـٰ-;---;--ٓ-;---;--ٮ-;---;--ٕ-;---;--ِرٍ۬-;---;-- يَطِيرُ بِجَنَاحَيۡ-;---;--هِ إِلَّآ-;---;-- أُمَمٌ أَمۡ-;---;--ثَالُكُم‌ۚ-;---;-- مَّا فَرَّطۡ-;---;--نَا فِى ٱ-;---;--لۡ-;---;--كِتَـٰ-;---;--بِ مِن شَىۡ-;---;--ءٍ۬-;---;--‌ۚ-;---;-- ثُمَّ إِلَىٰ-;---;-- رَبِّہِمۡ-;---;-- يُحۡ-;---;--شَرُونَ

وفي سورة الحجر9 يقول المولى عزوجل

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ

انّ سعادةالبشرية لا تتحق الا حينما ترتبط هذه السعادة بكتاب الله تبارك وتعالى , وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وتطبيقها في شتى مجالات الحياة، ومن بينها وأهمها: مجال الأمن والأمان ، مجال الحدود والقصاص والمعاملات، فالله جل وعلا ما شرّع لنا الشرائع وحدّ لنا الحدود عبثاً, حاشا لله, بل شرّع لنا الشرائع وحدّ لنا الحدود لأننا خلقه وعبيده , وهو سبحانه وتعالى أعلم بما ينفعنا وما يضرنا, لأجل ذلك جعل الله عزوجل هذا أمراً مشروعاً، بل ومن أعظم المنن علينا وعلى عباده، أن جعل قيامنا به سبباً لرفاهيتنا ونعيمنا.

إنَ مجتمعاً تملؤه العقيدة ويعلم أفراده أنّ هناك جزاءً في الدنيا وجزاءً في الآخرة, فوالله انه لكافٍ في أن يرتدع أفراد هذا المجتمع عن أن يَعتدي بعضُهم على بعض.

فما شرع القصاص والحدود والعقوبات على الجرائم الا لضمان سلامة أفراد المجتمع، ولضمان سعادتهم، ولبقاء علاقاتهم على حد من الثقة والأمانة، ولولا ذلك ما وجدنا أحدٌ يهنأ في الحياة وما وجدنا أحدٌ باع ولا اشترى، وماوجدنا أحدٌ سافر أو ارتحل، وما وجدنا أحدٌ أقام أو سكن, لكن اذاعلم أفراد المجتمع وآمن وأيقن بأنّ الله عزوجل رقيبعلى العباد، وأن العباد يخشون الله تبارك وتعالى فيما يفعلون، وأن الله عزوجل ما شرّع كل هذه العقوبات الا لردع كلمن تسول له نفسه بالظلم والتعدي على حرية وحقوق الآخرين ,عند ذلك فقط يطمئن أفراد المجتمع ويعيشون بسعادة يمارسون حياتهم على اكمل وجه دون خوفٍ أو وجل. اقرأ قوله جلّ شأنه وعلا في سورة البقرة 178: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّبِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُمِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِبِإِحْسَانٍ وقوله تبارك وتعالى في الآية التي تليها من نفس السورة الكريمة : وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ

في هذه الآية يجعل الله عزوجل حياة الأرواح في القتل، في القصاص من القاتل، على مبدأ النفس بالنفس والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن وبالأذن, والسن بالسن، والجروج قصاص، تماما كما مرّ معنا آنفاً في سورة المائدة 45 قوله تعالى: وَكَتَبۡ-;---;--نَا عَلَيۡ-;---;--ہِمۡ-;---;-- فِيہَآ-;---;-- أَنَّ ٱ-;---;--لنَّفۡ-;---;--سَ بِٱ-;---;--لنَّفۡ-;---;--سِ وَٱ-;---;--لۡ-;---;--عَيۡ-;---;--نَ بِٱ-;---;--لۡ-;---;--عَيۡ-;---;--نِ وَٱ-;---;--لۡ-;---;--أَنفَ بِٱ-;---;--لۡ-;---;--أَنفِ وَٱ-;---;--لۡ-;---;--أُذُنَ بِٱ-;---;--لۡ-;---;--أُذُنِ وَٱ-;---;--لسِّنَّ بِٱ-;---;--لسِّنِّ وَٱ-;---;--لۡ-;---;--جُرُوحَ قِصَاصٌ۬-;---;--‌ۚ-;---;-- فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ-;---;-- فَهُوَ ڪ-;---;--َفَّارَةٌ۬-;---;-- لَّهُ ۥ-;---;--‌ۚ-;---;-- وَمَن لَّمۡ-;---;-- يَحۡ-;---;--ڪ-;---;--ُم بِمَآ-;---;-- أَنزَلَ ٱ-;---;--للَّهُ فَأُوْلَـٰ-;---;--ٓ-;---;--ٮ-;---;--ٕ-;---;--ِكَ هُمُ ٱ-;---;--لظَّـٰ-;---;--لِمُونَ

أمّا لماذا شرّع الله عزوجل هذا التشريع ؟ فلأنه إذا قُتل القاتل قصاصاً، قُطُع دابرُ القتل وعاش الناس بأمن وأمان واطمئنان , وأنه إذا عوقب المعتدي ققصاصاً ُقطع دابرُالإفساد والمفسدون ، ولكن إذا تُرك الحبل على الغارب, فعند ذلك ستعمُّ الفوضى ويكون هناك مجالات للانتقام والأخذ بالثأر , ويموج المجتمع بالفوضى لتأكل الأخضر واليابس ، فلا يبقى على الأرض احد مطمئن بمعيشة، ولا متلذذ بأمن وأمان واطمئنان، فمن أجل راحتك وسعادتك وحياتك أيها الانسان شرع الله تبارك وتعالى لك القصاص، وجعله عقوبة للقتل في كل ألوان الجرائم والعقوبات. فعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف رضي الله عنه أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أشرف يوم الدار ، فقال : أنشدكم بالله تعالى تعلمون أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : زنا بعد إحصان ، أو ارتداد بعد إسلام ، أو قتل نفس بغير حق يقتل به" . " فوالله ما زنيتُ في جاهلية ولا إسلام , ولا ارتددت منذ بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا قتلت النفس التي حرم الله ، فبمَ تقتلوني ؟وفي هذا يقول يقول النبي صلى الله عليه وسلم في رواية أخرى وصحيحة للحديث: لايحل دم امرئ إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة، والثيب الزاني، والمارق من الدين مفارق للجماعة).

انّ الله تبارك وتعالى في علاه , قد شرع لولاة الأمر أن يجعلوا القتل من باب السياسة الشرعية لقطع دابر الفساد والمفسدين ,

وما جاءت الشريعة الغراء الا لتحفظ المجتمع بضوابط معينة لا يتجاوزها ولا يتعداها، ومن تجاوزهذه الضوابط وتعداها , فقد أوجدت الشريعة له عقوبات: كرجم الزاني المحصن (والمحصن هو من سبق له الزواج ولو مرة واحدة طيلة حياته)، وبجلد الزاني البكر (الذي لم يسبق له الزواج أبداً) ونهي النساء عن الخروج من بيوتهنّ متبرجات , وأمر الناس بغض أبصارهم واعطاء الطريق حقه، وأمر النساء بغض أبصارهنّ وألا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى ولا يخرجن كاسيات عاريات, و أمر البنات والنساء بالقرار والسكن في البيوت، فمن تعدى هذه الدائرة من القيم ومن يلحق بها من مثل وأخلاق وتشريعات ومبادئ سامية, ومن تجاوز ذلك كان قد استوجب اقامة الحد عليه بنص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة .

انّ نعم الله الخالق تبارك وتعالى علينا والتي لا تعدُّ ولا تُحصى علينا في بلاد الاسلام العظيمة، ولا تهنأ نفوسنا بهذه النعم الا عندما نرى السيف يَجُزُّ رقبةا لقاتل ، فيتدحرج رأسه أمام البشر، وتسيل الدماء من عروقه وبدنه، لكي يرتدع كل من تسول نفسه قتل نفس بريئة بغير حق، وهذه هي نعمة الأمن والطمأنينة.

وإن من نعم الله عزوجل على عباده, أن نجد يد السارق معلقة مقطوعة ليراها الناس فيعلموا انها ما قطعت الا لأنه سرق , فيزدجر غيره ويعتبر ويرتدع عن أخذ أموال االناس بالباطل، فلا يعتدون على منازلهم ولا أموالهم ولا أعراضهم ، ولا يسفكون الدماء البريئة, ولا ينهبون. وإنّ من نعم الله عزوجل على عباده في أن يروا شارب الخمر يُجلد أمام الناس، لكي يرتدع عن التمادي فيها وليعتبر الآخرون بما ينتظرهم ان هم سلكوا مسلكه، فلا يقعون في الآثام أوالعقوبات. وإنّ لمن نعم الله عزوجل على عباده ، أن يُرجم الزاني المحصن، وأن يُجلد الزاني البكر، فإنها لمن أعظم نعم الله عزوجل التي نحمدالله عليها.

فو الله الذي لا اله غيره لا يمكننا أن ننعم بمجتمع هانىءٍ مطمئنٍ الا بتطبيق شريعة الله عزوجل ، وأخصّ منها بالذكر الحدود الالهية والعقوبات الشرعية، وبدونها لعجز بعضنا بعضا أن يذهب بماله من عمله إلى بيته، ولخشي بعضنا بعضا أن نخرج في ظلمة الليل الحالك، ولخاف بعضنا بعضا في ان نترك ابواب بيوتنا مفتوحة ولو للحظة واحدة، ولكن يوم أن ثبت الله عزوجل سلطان الشريعة في الأرض ، ووضع هيبتها في قلوب كثير من البشر، ارتدع كل ظالم عن ظلمه، وارتدع كل من تسول له نفسه بظلم الآخرين، وان بقيت شرذمة فاجرة قليلة "وهذا أمر لا بدّ منه" , عندها ليكون لرجال الأمن دور في تعقب هذه الشرذمة الفاجرة بما حقق الله عزوجل لهم من سلطان الكتاب الكريم والسنة المطهرة.

وقد يأتيك سائل فيسأل : اذا كان الله جل وعلا شرع ألواناً من الحدود ردعاً لكثير من الجرائم، وهيأ ألواناً من العقوبات دفعاً لكثير من المصائب. فالقتل بالقتل في القصاص. والرجم والجلد في الزنا. والجلد في قذف المحصنات، وقذف المؤمنين. والجلد في شرب الخمور. وكذلك القتل بأبشع طريقة في جريمة اللواط، وجريمة الشذوذ. ولكن هناك ألوان من الجرائم تكون قد تشيطن فيها طائفة من البشر، بل وتفننوا في الوقوع فيها، حتى لا يقعوا في تطبيق أركان الحدود عليهم، ويلتمس بعضهم في ذلك أن يُفلتوا من الحد إلى العقوبات التي هي دون الحدود.

نقول لهذا السائل الكريم: بأن الله يوم أن شرع القصاص في القتل، وشرع الرجم، والجلد وكثيراً من العقوبات، شرع باباً عظيماً وبوابة كبيرة في ردع الفساد والمفسدين، ألا هو حد الحرابة، وباب السياسة الشرعية. أما حد الحرابة فهو الذي يدل عليه قول الله جل وعلا: في سورة المائدة 33 إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ

فمن عُرف منه الفسادُ والإفساد في أي لون من ألوان التخريب والتدمير، أو إثارة القلق وزعزعة أمن المجتمع، فإن الله جل وعلا قد شرع لولاة الأمر أن يوقعوا عقوبة تبدأ بغرامة الدينار، ثم إلى الجلد بالسوط، وتنتهي إلى قطع الرقبة، حتى لا يقال: إن مجتمعاً من المجتمعات قتل نفساً لم يرد في القرآن دليل على قتلها، بل إن دليل قتلها وإزهاقها إذا كانت مُفسدة، وأي شيء أبلغ من هذه الآية؟! أن يجعل الله حد الحرابة والقتل وقطع الأيدي والأرجل من خلاف، لردع الفساد والمفسدين.

جريمة البغي
تعريف البغي لغة واصطلاحاً:
البغي في اللغة على معانٍ:
الطلب: كما في قوله تعالى: ﴿-;---;-----;---ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾-;---;-----;---[1]، أو بمعنى الظلم، كما في قوله: ﴿-;---;-----;---خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾-;---;-----;---[2]، ومن معاني البغي أيضاً الفساد كما في قول العرب: بغى الجرح إذا فسد ونتن، وجمعاً بين هذه المعاني قال الأزهري: «هو قصد الفساد»[3]. وعرَّف الراغب الأصفهاني البغي بأنه: «طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى تجاوزه أو لم يتجاوزه.. والبغي على حزبين: أحدهما محمود وهو تجاوز ال إلى الإحسان، والثاني مذموم وهو تجاوز الحق إلى الباطل أو تجاوزه إلى الشبه»[4].
البغي في اصطلاح الفقهاء:
عرَّف الحنفية البغي بأنه «الخروج عن طاعة إمام الحق بغير الحق»[5]. وعرّفوا البغاة بأنهم: «كل فئة لهم منعة، يتغلبون ويجتمعون، ويقاتلون أهل ال بتأويل، ويقولون الحق معنا ويدعون الولاية»[6]. وعرَّف ابن عرفة المالكي البغي بأنه: «هو الامتناع من طاعة من ثبتت إمامته في غير معصية ولو تأولاً»[7]. والبغاة هم «الذين يقاتلون على التأويل مثل الطوائف الضالة كالخوارج وغيرهم والذين يخرجون على الإمام أو يمتنعون من الدخول في طاعته أو يمنعون حقاً وجب عليهم كالزكاة وشبهها»[8]. أما الشافعية فعرَّفوا البغاة بأنهم: «المسلمون المخالفون للإمام بخروج عليه وترك الانقياد له، أو منع حق توجب عليهم، بشرط شوكة لهم وتأويل ومطاع فيهم»[9].
وعرَّف الحنابلة البغاة بأنهم: «قوم من أهل الحق باينوا الإمام وراموا خلعه، أو مخالفته بتأويل سائغ بصواب أو خطأ ولهم منعة وشوكة، بحيث يحتاج في كفهم إلى جمع جيش»[10].
وعند الشيعة الإمامية: «من خرج على المعصوم من الأئمة (عليهم السلام) فهو باغ ويجب قتاله حتى يفيء»[11].
وجمعاً بين هذه التعاريف يمكن اقتراح تعريف جامع للبغاة والبغي وهو: «إعلان فئة أو جماعة مسلمة لها قوة ومنعة وبتأويل مشروع (أي مبرر أو باعث سياسي)، العصيان المسلح على السلطة الشرعية، أو الامتناع عن أداء الحقوق الشرعية لها، بهدف إسقاطها أو تغييرها».
وهذا التعريف كغيره من التعاريف السابقة يثير مجموعة من الإشكالات، منها ما أشار إليه الفقهاء في مبحث البغي وعالجوه بالتفصيل مثل شروط البغي وأحكام البغاة، ومنها ما لم يبحثوه أو أشاروا إليه دون تفصيل؛ لأنه ليس من المواضيع الفقهية مثل: ضرورة الإمامة أو الخلافة والشروط الواجب توفراها في الخليفة الشرعي، فهذه المواضيع عالجها الفقهاء في كتب الأحكام السلطانية أو السياسة الشرعية، وعلماء الكلام في مباحث الإمامة وفصَّلوا فيها القول، لذلك لا يمكن دراسة جريمة البغي دون الرجوع إلى هذه الكتب والمراجع لمعرفة من هو الخليفة الشرعي وشروط الخلافة مثلاً، وهناك مواضيع وقضايا أخرى لم يناقشها الفقهاء أو علماء الكلام؛ لأنها لم تكن محل ابتلاء آنذاك فقصر عنها الاجتهاد الإسلامي ولم يهتم بها.
سنناقش هذه الإشكالات والمواضيع بعد الحديث عن شروط جريمة البغي وأحكام البغاة.
ويفهم من هذه التعاريف أن البغاة هم طائفة أو جماعة من المسلمين رفضوا الخضوع لحكم أو طاعة ولي الأمر الشرعي (أي الخليفة أو الإمام المختار من طرف الأمة أو من يحق لهم اختياره) بحجة مخالفته للشريعة أو أي باعث سياسي قد يكون صواباً أو خطأ، ونظموا أنفسهم وجعلوا عليهم أميراً أو قائداً بحيث أصبحت لهم منعة وشوكة، ثم أعلنوا الحرب أو العصيان المسلح بهدف الإطاحة بالخليفة الشرعي أو عزله واستبداله. هذا المفهوم للبغي في الشريعة يقابله الجريمة السياسية أو الجرائم الماسة بأمن الدولة الداخلي في القوانين الوضعية.
وإذا كان الفقهاء قد اتفقوا على الأركان الأساسية لجريمة البغي -كما هو ملاحظ في التعاريف السابقة- أي: قصد الخروج (القصد الجنائي) والمغالبة (أي الخروج أو الثورة المسلحة)، والتأويل (أي الباعث السياسي)، فإنهم قد اختلفوا في عدد من الشروط التي لابد من توفراها في البغاة كي تتحقق جريمة البغي، ومن ثم يحق للإمام ومعه الأمة مقاتلة البغاة حتى يفيئوا إلى أمر الله.
سنتحدث بعد قليل عن هذه الأركان والشرائط وسبب اختلاف الفقهاء فيها بعد الحديث عن شرعية هذه الجريمة وعقوبتها والحكمة من هذا التجريم والعقاب.
تجريم البغي والحكمة من تشريع العقوبة:
البغي بمعنى قصد الفساد أو تجاوز الحق إلى الباطل مُحرم ومنهي عنه في الشريعة، يقول عز من قائل: ﴿-;---;-----;---إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾-;---;-----;---[12].
أما الأصل في قتال البغاة فهو قوله تعالى: ﴿-;---;-----;---وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْ وَأَقْسِطُوا إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾-;---;-----;---[13]. المستفاد من الآية عدة أمور:
أولاً: تفترض الآية إمكانية الاقتتال أو نشوب الحرب بين جماعتين أو فئتين من المسلمين. فإذا وقع ذلك، فإما أن يقتتلا على سبيل البغي منهما جميعاً أو لا، فإن كان الأول فالواجب في ذلك أن يُمشى بينهما بما يصلح ذات البين، ويثمر المكافة والموادعة. فإن لم يتحاجزا ولم يصطلحا وأقامتا على البغي صير إلى مقاتلتهما.
وأما إن كان الثاني: وهو أن تكون إحداهما باغية على الأخرى، فالواجب أن تقاتل فئة البغي إلى أن تكف وتتوب، فإن فعلت أصلح بينها وبين المبغي عليها بالقسط وال[14]. وهذه قاعدة شرعية عملية لصيانة أمن واستقرار المجتمع الإسلامي والحيلولة دون تفككه وانتشار الاضطرابات السياسية فيه، عن طريق نظام التحكيم وقتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله. سواء أكانت هذه الفئة الباغية خارجة على طاعة إمام شرعي أو طائفة بغت على أخرى في إمامته دون الخروج عليه[15].
أما النهي عن البغي وتحريمه في الأحاديث النبوية، فهناك عشرات الروايات التي تذم البغي بغير الحق وتحرمه وتنهى المسلمين عن محاربة ولاة الأمر الشرعيين وتحث على طاعتهم ما لم يأمروا بمعصية أو منكر، كما تحث على التزام جماعة المسلمين وعدم التورط في الفتن والقلاقل وسفك الدماء المحرمة، أو الاعتداء على الأموال والفروج دون مبرر شرعي، من هذه الأحاديث، ما رواه مسلم والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية»[16].
وعن عرفجة الأشجعي قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه»[17]. بالإضافة إلى القرآن والسنة فقد قاتل الإمام علي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن معه من الصحابة، أصحاب الجمل في البصرة ومعاوية وأهل الشام في صفين، ثم الخوارج في النهروان ومواقع أخرى[18]. باعتبارهم بغاة خارجين على حكم الإمام والخليفة الشرعي. ومن خلال وقائع هذه الحروب ومواقف الإمام علي وأفعاله وأقواله، استخلص فقهاء المذاهب الإسلامية الأحكام التفصيلية المتعلقة بالبغي والبغاة، وهذا ما تؤكده ليس فقط التعاريف السالفة الذكر للبغي والبغاة، ولكن مجمل الأحكام المتعلقة بشروط جريمة البغي وحقوق البغاة.
أما الحكمة من تجريم البغي وتشريع عقوبة قتال البغاة حتى يرجعوا إلى الحق ويخضعوا له، فهي واضحة تماماً؛ لأن من أهم مقاصد الشريعة أن تكون للمسلمين دولة قوية وموحدة يحكمها إمام عادل يُطبق فيها شريعة الإسلام ويسودها ال والاستقرار على جميع الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. الخ.
والبغي من الأفعال المخلة بالانتظام العام؛ لأنه يؤدي إلى شيوع الفتن وما يرافقها من سفك للدماء واستباحة الحقوق وتخريب وتبديد لثروات الأمة، إلى جانب الإضرار بوحدة الأمة السياسية، لذلك فالبغي يعتبر اعتداء على حقوق الله في حفظ أمن الجماعة المسلمة وضمان استقرارها، واعتداءً على حقوق الناس[19].
شروط جريمة البغي:
من خلال التعاريف السابقة للبغي والبغاة يمكن الحديث عن مجموعة من الشروط لتحقق جريمة البغي، أهم هذه الشروط هي:
1- الإسلام: اتفق الفقهاء على اشتراط الإسلام في أهل البغي، وذلك لأن الآية وصفتهم بالمؤمنين ﴿-;---;-----;---وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾-;---;-----;---[20]، وبذلك خرج أهل الذمة من حكم البغاة إذا رفضوا طاعة الإمام الشرعي؛ لأن خروجهم يعتبر نقضاً للعهد وليس بغياً[21]، وكذلك لا يجوز الاستعانة بالكفار والمشركين لقتال البغاة من أهل الإسلام[22]، لاحتمال أن يتعمد الكفار قتلهم، والمقصود كفهم عن البغي وتفريق جمعهم وليس قتلهم على كل حال[23].
2- المنعة والقوة: اشترط جمهور الفقهاء كذلك أن يكون للبغاة قوة وشوكة[24]، أي جماعة كبيرة ذات قدرة على القتال وخوض الحرب والسيطرة، بحيث لا يمكن ردعهم وتفريقهم إلا باستخدام جيش وقوة كبيرة كذلك، أما إذا كانوا مجموعة قليلة أو فرداً واحداً أو فردين، فلا يعتبر خروجهم بغياً، وإنما يمكن اعتبارهم محاربين أو قُطَّاع طريق أو مجرمين يعاقبون حسب الجرائم التي يقترفونها[25]، خصوصاً إذا لم يكن لديهم أي باعث سياسي (التأويل باصطلاح الفقهاء).
وأضاف الشافعية أن يكون لهم رئيس مطاع يأتمرون بأمره ويخوضون الحرب تحت إمرته؛ لأن الشوكة لا تتم إلا بوجوده إذ يصدرون عن رأي واحد ويعملون يداً واحدة، ولأنه لا شوكة لمن لا مطاع لهم[26].
3- التأويل أو الباعث السياسي: أي المبرر والسبب الذي يدفعهم للخروج على طاعة الخليفة الشرعي وإعلان الحرب عليه، مثل رفض الخوارج للتحكيم وقولهم: إن الإمام علي حكَّم الرجال في دين الله، ورفعهم شعار: «لا حكم إلا لله» وكذلك اختلافهم معه في عدم سبي من قاتلهم من أصحاب الجمل وعدم اقتسام أموالهم كمغنم، أو ادعاء أهل الشام بأن الإمام علي يُخفي قتلة عثمان، وغيرها من المبررات.
والتأويل أو المبرر الشرعي للخروج قد يكون صحيحاً (سائغاً) أو فاسداً، لكن إذا كان مقطوعاً بفساده فلا يعتبر خروجهم بتأويل يبرر ذلك الخروج[27]. أما إذا كان الخروج بغير تأويل فمذهب مالك أن عليهم القصاص في النفوس والغرم في الأموال[28]. واعتبرهم الأحناف والحنابلة قُطَّاع طرق ومحاربين وليسوا بغاة[29]. أما حكمهم عند الشافعي فهو حكم غيرهم من أهل ال، يحاسبون على ما يأتونه من أفعال، فإن كُوِّنت جريمة الحرابة عوقبوا على الحرابة وإن كُوِّنت جرائم أخرى عوقبوا عليها[30].
4- الخروج مغالبة: أي تحقق القصد الجنائي بالخروج وإعلان الحرب على السلطة الشرعية أو الامتناع عن أداء الحقوق الواجبة على الرعية للحاكم الشرعي، مثل دفع الزكاة وسائر الحقوق. فإذا لم يُشهر المخالفون السلاح في وجه السلطة لم تتحقق جريمة البغي[31]، وبالتالي لا يجوز للإمام إعلان الحرب عليهم ومقاتلتهم بل يعمل على إرجاعهم إلى الطاعة وتفريق جماعتهم بالمعروف، لكن رأي أبي حنيفة أنه ينبغي للإمام إذا بلغه أن الخارجين عن طاعته يشترون السلاح ويتأهبون للخروج أن يأخذهم ويحبسهم حتى يقلعوا عن ذلك، ويتوبوا؛ لأن العزم على الخروج -على إمام الحق- معصية فيزجرهم عنها. وفي حبسهم قطعهم عن ذلك ويكتفي المسلمون مؤنتهم[32].
وهذا التدبير الاحترازي معمول به في القوانين الوضعية، وفي القانون الجنائي المغربي تعتبر المؤامرة لقلب نظام الحكم جريمة معاقب عليها. وكذلك هناك جريمة الشروع المعاقب عليها في عدد من الجرائم.
5- الخروج عن طاعة الإمام العادل: أو «إمام الحق» بتعبير الأحناف، أي الإمام أو الخليفة الشرعي أولاً ثم العادل ثانياً؛ لأنه قد يكون شرعياً بمعنى أن الأمة قد اختارته بالطرق الشرعية (الانتخاب العام، أو اختيار أهل الحل والعقد له، سواء أكانوا هيئة أو إماما سبقه) لكنه قد ينحرف عن ال ويسلك مسلك الجور في سياسته العامة، أو يعين على الأمة ولاة جائرين يسوسون الرعية بالظلم والجور، ثم لا يسمع تظلم الأمة منهم ولا يعزلهم، فبهذا لا يعتبر عادلاً بل باغياً[33].
وكذلك الخروج أو إعلان الثورة المسلحة على السلطة الشرعية قد يكون بتأويل سائغ أي اجتهاد صحيح ومطالب مشروعة، أو باجتهاد خطأ ومطالب فاسدة مخالفة للشريعة وأحكامها. فإذا كان الإمام شرعياً وعادلاً فالخروج المسلح عليه يعتبر بغياً؛ لأنه يمكن لأي صاحب مظلمة أن يُحصِّل حقه بطرق كثيرة دون الخروج المسلح وإثارة الفتن، أما إذا كان الحاكم غير شرعي وجائر أو شرعي لكنه جائر ومُصرُّ على ظلمه للرعية ومخالفته لأحكام الشريعة فإن الخروج عليه لا يعتبر بغياً. ومذاهب الفقهاء في هذه القضية مختلفة ومتناقضة، بل هناك رأيان مختلفان داخل المذهب الواحد. بين من يرى جواز أو وجوب الخروج على الحاكم الجائر ومناصرة من يخرج عليه خصوصاً إذا كان الخارجون أصحاب حق، وبين من يرى كل خروج بغياً بغض النظر عن أسباب الخروج هل هي خطأ أم صواب.
يقول سحنون من المالكية: إن كان غير ، فإن خرج عليه وجب الخروج معه ليظهر دين الله تعالى، وإلا وسعك الوقوف، إلا أن يريد نفسك أو مالك فادفعه عنهما ولا يجوز لك دفعه عن الظالم[34]. لكن القاضي عياض في إكماله أحاديث مسلم يقول: كلها حجة في منع الخروج على الأئمة الجورة وفي لزوم طاعتهم[35]. وهذا مذهب الحنابلة والرأي الراجح عند الشافعية[36]، لما في الخروج والتحارب من مفسدة وسفك للدماء، وقد تأكد في الأصول «أن أعظم المكروهين أولاهما بالترك»[37].
وسبب اختلاف الفقهاء وتباين آرائهم في هذه المسألة، يرجع -في نظرنا- إلى سببين رئيسيين:
السبب الأول: وجود مجموعة من الأحاديث والروايات التي تحث على طاعة الأمراء والتزام جماعة المسلمين وعدم ابتغاء الفتنة[38]، بالإضافة إلى الواقع الذي عايشه الفقهاء وهم يرون حجم المفاسد المترتبة على الحروب التي خاضها المسلمون مع بعضهم البعض، والتي هلك فيها النسل والحرث، وهذا ما دفع بعضهم إلى تجريم كل خروج مسلح واعتبار الخارجين بغاة يجب مقاتلتهم.
السبب الثاني: الاستبداد السياسي والمظالم الكثيرة التي كان المجتمع المسلم يعاني منها في ظل الحكم الأموي والعباسي، مما كان يدفع الكثيرين إلا إعلان الثورة المسلحة للقضاء على تلك الأنظمة الظالمة والمخالفة لأحكام ومبادئ الإسلام وشريعته التي تدعو لل والمساواة وإحقاق الحق والانتصاف من الظالم.
لذلك لم يعتبر عدد من الفقهاء الخارجين عن ظلم ولاة بني أمية وبني العباس بغاة، بل أفتى بعضهم بالخروج على هؤلاء الولاة ومحاربتهم وتغييرهم؛ لأن ذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل هناك مواقف أخرى تعبر عن مدى استياء الفقهاء وحنقهم على مظاهر الظلم والجور السائدة في أزمانهم، فقد نقل ابن عرفة عن ابن القاسم عن مالك (رضي الله عنه) قوله: إن كان -أي الخليفة أو الحاكم- مثل عمر بن عبد العزيز وجب الذب عنه والقيام معه. وإلا فلا ودعه وما يراد منه، ينتقم الله تعالى من ظالم بظالم ثم ينتقم من كليهما[39].
وهذا الرأي إذا ما اعتبر فتوى شرعية يعمل بها فإن ذلك سيؤسس للفوضى السياسية داخل المجتمع المسلم وسيكثر الهرج والمرج؛ لأن الصراع السياسي لن تكون له أية ضوابط شرعية، إذا ما أطلقنا العنان لأية فئة منحرفة أو ظالمة أن تحارب الحاكم الظالم والمنحرف، فكيف «سينتقم الله من كليهما» مع أن الآية مرتكز الفقهاء في تجريم البغي، يمكن اعتبارها قاعدة أساسية لاستنباط الحكم الشرعي الخاص بجريمة البغي، فكل طائفة أو مجموعة أعلنت الحرب على طائفة أخرى داخل المجتمع الإسلامي أو أعلنت الحرب على السلطة الشرعية دون مبرر شرعي فهي باغية يجب على البقية محاربتها حتى ترجع إلى الحق، فإذا كانت طائفة بغت على أخرى، الواجب على السلطة الشرعية إيقافها، وإذا بغت طائفة على السلطة الشرعية فالواجب هنا على المجتمع المسلم أن يساعد تلك السلطة في إعادة تلك الطائفة أو المجموعة إلى الطاعة، وبذلك يسود الاستقرار المجتمع الإسلامي.
هذه بشكل عام مجمل شروط جريمة البغي كما تحدث عنها فقهاء المذاهب الأربعة، أما كتب الفقه الجعفري فلم تعتبر البغي من جرائم الحدود وقد تحدث الشهيد الأول عن أحكام البغاة في الفصل الرابع من كتاب الجهاد ولم يذكر -بعد تعريفه للبغاة- أي شروط واكتفى فقط بعرض بعض أحكامهم[40].
لكن الشيخ النجفي في جواهر الكلام نقل عن بعض أعلام الشيعة وهم الطوسي وابن إدريس وابن حمزة أنهم اعتبروا في جريان حكم البغاة:
1- المنعة والكثرة.
2- الخروج على الإمام والانزواء في بلدة.
3- تأويل يعتقدونه.
وقد أشار الشيخ النجفي إلى ضعف نسبة الشرط الثالث إليهم. وكذلك استدل على عدم اشتراط الكثرة بما قاله صاحب اللمعة الدمشقية: «من خرج على المعصوم من الأئمة فهو باغ واحداً كان أو أكثر»[41]. وهذا ينسجم مع أصولهم في الإمامة المنصوص عليها، وكذلك اشتراط العصمة في الإمام. وهذا الاعتقاد يثير إشكالات جديدة تنضاف إلى ما ذكرناه قبل قليل، فاشتراط العصمة في الإمام يجعل كل مخالف له في الرأي باغياً ولا مجال هنا للقول بصواب اجتهاد الخارجين عليه، بل هم مخطئون قطعاً، وهذه قضايا ناقشها علماء الكلام في مباحث الإمامة في الماضي، أما الآن فهذه المسألة ليست محل ابتلاء في الفقه الجعفري لعدم وجود الإمام المعصوم[42].
أحكام البغاة:
الحد أو عقوبة البغي هو القتل أو محاربة البغاة حتى يرجعوا عن بغيهم ويتفرق جمعهم، بحيث لاتبقى لهم شوكة أو منعة يستطيعون بها معاودة الحرب على السلطة الشرعية. ومن خلال وقائع الحروب التي خاضها الإمام علي (عليه السلام) مع البغاة عليه، استنبط الفقهاء مجموعة من الأحكام تخص أهل البغي منها:
1- لا تعلن الحرب عليهم إلا بعد دعوتهم إلى الرجوع للطاعة وكشف ما يدعونه من شبهة، ومعرفة أسباب خروجهم، فإن كانت هناك مظالم وجب على الحاكم رفعها عنهم؛ لأن ذلك مصداق لقوله تعالى: ﴿-;---;-----;---فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾-;---;-----;---، فإن أصروا على الخروج والبغي قُوتلوا حتى يرجعوا إلى الحق(43).
2- إذا قُوتلوا فانهزموا، لا يتبع منهم منهزم ولا يُجهز على جريح، إلا أن يُخاف رجوعهم أو تجمعهم من جديد أو كانت لهم فئة يرجعون إليها، فقد أجاز الفقهاء اتباع الفار منهم والإجهاز على جريحهم. وقتل أسيرهم لأن الواجب أن يقاتلوا حتى يعودوا إلى الحق(44).
3- إذا تمكن الحاكم الشرعي منهم، لا يقتلهم ولا يقيم عليهم حد الحرابة ولا يقتل منهم أسير، بل يؤدب ويسجن حتى يتوب(45).
4- لا تسبى لهم ذرية، ولا يغنم لهم مال؛ لأنهم مسلمون، والإسلام عاصم، وإنما تحبس عنهم أموالهم لما فيه مصلحة المسلمين، فإذا تابوا رُدت عليهم أموالهم(46).
5- يسقط عنهم ضمان ما أتلفوه أثناء الخروج والمحاربة من نفوس وأموال بشرط أن يكون خروجهم بتأويل، وإلا كان حكمهم حكم قطاع الطرق أو المحاربين(47).
6- اجتمع فقهاء المذاهب الخمسة على تغسيل المقتول من أهل البغي والصلاة عليه، لكن اختلف في الخوارج فهناك من العلماء من يكفرهم أو يعتبرهم مرتدين، لذلك أفتى بعدم الصلاة عليهم(48).
وهناك أحكام أخرى متفرقة ذكرها الفقهاء في متونهم فلتراجع.
إشكالات متعددة تثيرها جريمة البغي وعقوبتها:
هناك مجموعة من الإشكالات يثيرها تعريف الفقهاء لجريمة البغي وعقوبتها، أهمها في نظرنا:
1- أهمية تحديد مفهوم شرعية السلطة، أي من هو الحاكم الشرعي ومن أين يستمد شرعيته بحيث يصبح الخروج على هذه الشرعية بغياً محرماً؟
2- تحديد مفهوم الجور أو الظلم السياسي، أي من هو الحاكم الجائر أو الظالم؟ وما هي الأفعال التي تجعل منه جائراً، بحيث يصبح هو كذلك باغياً، وبالتالي لا يعتبر الخروج عليه بغياً بل رفضاً للظلم وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر؟
3- تحديد مفهوم التأويل السائغ، أي المطالب السياسية المشروعة؟
4- اعتبرت التعاريف الخروج مغالبة (أي إعلان الحرب المسلحة) ركناً أساسياً في اعتبار جريمة الخروج جريمة بغي، فما حكم المعارضة السياسية السلمية أو التي لا تحمل السلاح، والتي قد تسعى لتغيير النظام السياسي؟
الجواب عن هذه الأسئلة وغيرها يدفع بنا لمعالجة قضايا النظام السياسي الإسلامي، مثل كيفية الوصول إلى السلطة؟ مصدر مشروعية السلطة وطبيعة الحكم الإسلامي؟ آليات ممارسة السلطة؟ وحدود مشاركة الشعب؟ وغيرها من القضايا المتعلقة بالحكم والسلطة، وهذه قضايا شائكة لا يمكن الحديث عنها بالتفصيل في هذا المبحث، لكن ذلك لن يمنعنا من إطلالة سريعة لمعرفة كيف عالج الفكر السياسي الإسلامي هذه القضايا، ولنقدم في الأخير بعض المقترحات النظرية لمعالجة قضية الصراع حول السلطة في الدولة الإسلامية.
1- عالج الفكر السياسي الإسلامي هذه القضايا من خلال آراء مدرستين سياسيتين، المدرسة الأولى مدرسة الخلافة أو مدرسة «أهل السنة والجماعة» ومفكروها يرون أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يستخلف ولم يُعيّن أحداً لخلافته، بل ترك أمر الخلافة للأمة، ومن خلال الوقائع التاريخية التي عايشها المسلمون استنبط كُتاب «الأحكام السلطانية» أو كتب «السياسية الشرعية» ثلاثة مستويات للشرعية السياسية، المستوى الأول يخص الطرق الشرعية لاختيار الخليفة، وتنحصر في:
1- اختيار أهل العقد والحل.
2- عهد الإمام من قبل.
3- الغلبة والقهر[49].
وهذه الطرق مستنبطة من الواقع فقد اختار المهاجرون أبا بكر للخلافة وعهد بها هو لعمر بن الخطاب الذي عهد بها -بدوره- لأهل الشورى، أما الغلبة والقهر فهو الطريق الأكثر شهرة للوصول إلى السلطة في تاريخ الإسلام.
المستوى الثاني: ويتعلق بالشروط المعتبرة في الإمام أو الخليفة، وهي كما ذكر المارودي سبعة، أهمها في نظرنا العدالة على شروطها الجامعة والعلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام[50]. وهذه الشروط ظلت حبراً على ورق، فكم من خليفة توافرت فيه هذه الشروط؟ مع أن انعدام شرط أو أكثر في أي متغلب أو متصدٍّ للخلافة يفسح المجال للطعن في شرعيته، ومن ثم يجد الخارجون عليه المبرر أو التأويل -بتعبير الفقهاء- لإعلان الثورة المسلحة عليه.
المستوى الثالث: لتحقق الشرعية يتعلق بواجبات الإمام أو الخليفة وهي عند الفراء الحنبلي عشرة أشياء:
1- حفظ الدين. 2- تنفيذ الأحكام.
3- حماية بيضة الإسلام. 4- إقامة الحدود.
5- تحصين الثغور. 6- الجهاد.
7- جباية الأموال. 8- تقدير العطايا.
9- استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء. 10- أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور[51].
فإذا قام الإمام أو الخليفة بهذه الواجبات وجب على الأمة الطاعة والنصرة إلا فلا.
أما بخصوص الأسباب الموجبة لعزل الخليفة فهي منحصرة في: الفسق والجور، فقد اعتبر الماوردي الجرح في العدالة (أي الفسق) يمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها[52]. وكذلك تلبسه بالظلم والجور، فالسلطان الظالم -كما يرى الإمام الغزالي- إن لم يكف عن ظلمه فهو إما معزول أو واجب العزل، وهو على التحقيق ليس بسلطان[53]. وكذلك إن ظهر منه ما يكشف عن ضلاله أو كفره فللأمة خلعه وعزله. وبالتالي فالخارجون على الخليفة الفاسق أو الضال أو الكافر، أو من لم تتوافر فيه شروط الإمامة أو الخلافة المعتبرة، ليسوا بغاة، خصوصاً إذا كانوا من أهل ال والصلاح وكانت مطالبهم من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحقاق الحق، وليس طلباً للدنيا والملك.
أما المدرسة الثانية فهي مدرسة الإمامة (وتضم مجمل الفرق الشيعية)، وأصحابها يرون أن الخلافة أو الإمامة أصل من أصول الدين، تثبت بالنص والتعيين الإلهي وليس باختيار أحد، ويؤكدون أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قد نصب وعيّن الإمام علي بن أبي طالب خليفة من بعده[54].
وعليه فلا مجال لاختيار الأمة للخلفاء، وإنما عليها السمع والطاعة للأئمة من أهل البيت المنصوص عليهم[55]. وأهم صفة يجب أن يتصف بها الإمام -وخصوصاً عند الإمامية الاثني عشرية- هي العصمة؛ لأن الإمامة امتداد للنبوة. يقول محسن الأمين: «يجب أن يكون الإمام معصوماً، حافظاً للشرع، فلو لم يكن معصوماً لم يؤمن من الزيادة فيه -أي الشرع- والتنقيص منه، ولأنه مُعلّم للأمة ما يجهلون من أحكام الشرع، وصدور الذنب منه يؤدي إلى عدم الوثوق بأقواله، وذلك ينافي الغرض المطلوب من إمامته»[56].
وإذا كان الإمام معصوماً عن الخطأ والزلل فلا مجال هنا للحديث عن الاجتهاد أو احتمال الخطأ في فهمه أو تفسيره للشريعة أو كيفية تطبيقها، فما يراه أو يفعله هو الحق الذي يجب أن يُتبع، وعليه، فالخارجون على هذا الإمام المعين من طرف الله سبحانه وتعالى والمعصوم عن الخطأ يعتبرون بغاة ومنحرفين، كان خروجهم بتأويل أو بدونه، لذلك فأتباع هذه المدرسة وجميع الفرق الشيعية بشكل عام لم يعتبروا الخروج على غير أئمتهم بغياً؛ لأنهم يعتقدون أن الأنظمة السياسية التي قامت بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أنظمة سياسية غير شرعية بل مغتصبة لحق أئمتهم. وهذا ما يُفسر لنا كثرة الثورات الشيعية المناهضة للحكمين الأموي والعباسي.
والجدير بالإشارة إليه هنا هو أن الكثير من القضايا التي عالجتها الأدبيات السياسية القديمة لدى كل من المدرستين لم يعد لها موضوع الآن، فليس هناك خلافة إسلامية، وقد انتهى عصر الأئمة المعصومين لدى الشيعة منذ قرون، بالإضافة إلى الهوة العميقة التي فصلت بين الواقع الإسلامي كما عاشه المسلمون وبين ما تحدثت عنه الأدبيات السياسية من شرائط الإمامة، فلم يكن هناك دستور مكتوب يُعمل به، يحدد طرق الوصول إلى الحكم وواجبات الحاكم وحقوق الرعية، وطرق انتقال السلطة، وإنما كان كل خليفة في الغالب يفعل ما يتماشى مع مصالحه الشخصية مُعتبراً السلطة مُلكاً شخصياً له ولعائلته، وهذا ما يبرر له التعامل بقسوة شديدة مع المعارضة السياسية، مسلحة كانت أم سلمية؛ لأنها في نظره تحاول انتزاع ملكه الخاص، وهذا المفهوم الذي كان سائداً للسلطة هو الذي جعل الأمة تضيع وتستهلك ثرواتها وإمكاناتها المادية والبشرية في حروب ادعت فيها كل من السلطة الحاكمة والمعارضة، الشرعية والأحقية؟!
لقد ظل التنظير في المجال السياسي بعيداً عن واقع السلطة، وهذا ما يفسر لنا ضعف وضمور الفكر السياسي الإسلامي، فمدرسة الإمامة انشغلت بترتيب الأدلة على أحقية أهل البيت للخلافة، ومدرسة أهل السنة والجماعة اقتصرت على وصف الواقع وتبريره، وقد انعكس ذلك على التفكير والتنظير السياسي الإسلامي المعاصر، فمع التراكم الذي حققه خلال قرن في محاولاته لتأصيل النظام السياسي الإسلامي، إلا أنه لم يبتعد كثيراً عن اجترار وإعادة صياغة النظريات السياسية التي تحدثت عنها كتب الأحكام السلطانية أو السياسة الشرعية، بلغة معاصرة فقط، مع بعض الإضافات على شكل مقارنات أو انتقادات، فالشروط التي يجب توافرها في رئيس الدولة الإسلامية المعاصرة وواجباته وكذلك طرق اختياره وحالات عزله، هي نفسها الشروط والواجبات والطرق والحالات التي ذكرها الماوردي الشافعي أو الفراء الحنبلي.
وهذا ما يضفي على هذه الكتابات الطابع التاريخي ويعمق الهوة بينها وبيت الواقع المعاصر، ويجعل منها كتابات عديمة الفائدة في نظر البعض. لكن ذلك لا يعني عدم وجود اجتهادات مهمة في هذا المجال، فهناك الآن سجال كبير بين المفكرين الإسلاميين حول تأصيل مبدأ الشورى[57]، وجعله القاعدة الأساس في اختير رئيس الدولة وفي علاقة السلطة بالمعارضة، ومنهم من يدافع عن آليات الديمقراطية الغربية ويدعو لاقتباسها باعتبارها نظاماً سياسياً توصل إليه العقل البشري بعد معاناة طويلة مع الحكم الاستبدادي المطلق، نظاماً يقوم أساساً على احترام حرية الرأي ويُؤمِّن مشاركة الشعب في السلطة وتسيير شؤونه العامة، كما يُشرعِن التعددية السياسية، ويُمكِّن جميع التيارات والفئات الإيديولوجية من تداول السلطة بشكل قانوني وسلمي، ويجنب المجتمعات أسلوب الصراع الدموي على السلطة.
هذه الجوانب الإيجابية هي التي يحاول المدافعون عن الديمقراطية إبرازها والتأكيد عليها، والتخفيف من حدة الهواجس والنظرة السلبية التي يتشبث بها الرافضون للديمقراطية[58]. يقول الدكتور يوسف القرضاوي في معرض رده على تساؤل يرى أن الديمقراطية من قبيل الكفر: «الغريب أن بعض الناس يحكم على الديمقراطية بأنها منكر صراح، أو كفر مباح، وهو لم يعرفها معرفة جيدة، تنفذ إلى جوهرها وتخلص إلى لبابها، بغض النظر عن الصورة والعنوان.. إن جوهر الديمقراطية -بعيداً عن التعريفات والمصطلحات الأكاديمية- أن يختار الناس من يحكمهم ويسوس أمرهم، وألا يُفرض عليهم حاكم يكرهونه، وأن يكون لهم حق محاسبة الحاكم إذا أخطأ، وحق عزله إذا انحرف، وألا يساق الناس إلى اتجاهات أو مناهج اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو سياسية لا يعرفونها ولا يرضون عنها، فإذا عارضها بعضهم كان جزاؤه التشريد والتنكيل، بل التعذيب والتقتيل..» هذا هو جوهر الديمقراطية الحقيقية -في نظر الدكتور القرضاوي- التي وجدت البشرية لها صيغاً وأساليب عملية، مثل الانتخاب والاستفتاء العام، وترجيح حكم الأكثرية، وتعدد الأحزاب السياسية، وحق الأقلية في المعارضة، وحرية الصحافة، واستقلال القضاء.. الخ.
فهل الديمقراطية، في جوهرها الذي ذكرناه -يتساءل الدكتور القرضاوي- تنافي الإسلام؟ ومن أين تأتي هذه المنافاة؟ وأي دليل من محكمات الكتاب والسنة يدل على هذه الدعوى؟ ويجيب: الواقع أن الذي يتأمل جوهر الديمقراطية يجد أنه من صميم الإسلام[59].
وسواء أكانت قاعدة النظام السياسي الإسلامي الشورى أو الديمقراطية، فالمهم بالنسبة لجريمة البغي أو الجرائم السياسية بشكل عام هو إيجاد دستور مكتوب تتضمن مواده بالتفصيل طبيعة السلطة ودورها، وكذلك مجموع الحقوق والواجبات الأساسية للمواطنين، ويضبط نمط ممارسة السيادة أو تخويلها، أي شكل الحكم والحكومة، واختصاصات سلطات الدولة وعمل وظائفها، والحقوق الأساسية للأفراد، وكيفية مشاركة المواطنين في ممارسة السلطة بواسطة الانتخاب أو المشورة وغيرهما من الوسائل المؤدية لهذا الغرض[60].
دستور يحدد بدقة كيفية الوصول إلى السلطة وكيفية انتقالها سلمياً وقانونياً من شخص لآخر ومن حزب لآخر، والحالات التي يعزل فيها الرئيس أو يقال من منصبه، كما يحدد مواصفات المعارضة السياسية المشروعة وحقوقها، والحالات التي تصبح فيها المعارضة السياسية بغياً تجب محاربته من طرف السلطة الشرعية والمجتمع الإسلامي معاً. ومن خلال الآية 9 من سورة الحجرات والتي هي مرتكز الفقهاء لتجريم البغي والعقاب عليه، يمكن استنباط قاعدة التحكيم بين مختلف الفئات المتصارعة داخل المجتمع الإسلامي، وضرورة وجود جهة قانونية متمثلة في محكمة دستورية عليا -كما اقترح الدكتور محمد أبو حسان[61]- ترفع إليها القضايا محل الخلاف بين الحكومة والمعارضة لتبت في مدى شرعيتها القانونية والشرعية، ومن ثم تعلن كلمة الفصل، فإذا كان الحق إلى جانب الحكومة فعلى المعارضة أن تفيء إلى الحق وتلتزم بالشرعية، وإذا أبت فهي باغية وعلى المجتمع الإسلامي أن يواجهها بالوسائل القانونية المنصوص عليها في الدستور، وإذا كان الحق إلى جانب المعارضة فعلى الحكومة الرضوخ إلى مطالب المعارضة أو التنحي عن السلطة، فإن أبت تصبح سلطة غير شرعية في نظر المجتمع ككل، وبالتالي يجب العمل على إسقاطها لأنها باغية، وبذلك نجنب المجتمع الإسلامي مساوئ الصراع المسلح على السلطة.
الجرائم الماسة بأمن الدولة الداخلي في القوانين الوضعية:
تقابل جريمة البغي في الشريعة الإسلامية، الجرام الماسة بأمن الدولة الداخلي في القوانين الوضعية، ولابد من الإشارة -قبل الحديث عن العقوبات الوضعية لهذه الجرائم- إلى أن الجرائم السياسية اعتبرت منذ الأزمنة الغابرة ولدى جميع الأمم في المرتبة الأولى من الجنايات؛ لأنها تزعزع النظام الاجتماعي في أسسه، لذلك اتصفت عقوباتها بالقسوة والشدة، ففي القانون الروماني اعتبرت هذه الجناية من قبيل التجديف، وكان عقابها يتراوح بين الحرمان من بعض الحقوق الأساسية وبين التعذيب والإعدام عن طريق رمي المتهم لتفترسه الحيوانات المتوحشة، بالإضافة إلى مصادرة ممتلكاته، وقد أخذ القانون الفرنسي القديم عن القانون الروماني مُجمل هذه الأحكام واحتفظ بعقوبات في غاية الفظاعة، فقد كانت عبارة عن شد الأعضاء وتمزيقها بواسطة أربعة جياد. وكانت المصادرة هي العقوبة المكملة لتلك العقوبة الأصلية، ثم جاءت التعديلات الإصلاحية (سنة 1791م، 1832م) لتتخلص من هذه العقوبات ولتبقي على عقوبة الإعدام لجريمة الاعتداء، والسجن لجريمة التآمر[62].
وكما قلنا سابقاً، فمجمل القوانين الوضعية المعمول بها في الدول العربية مصدرها القانون الفرنسي مع بعض التعديلات وهذا هو سبب التشابه الكبير بين هذه التشريعات -المصرية والمغربية على سبيل المثال- والقانون الجنائي الفرنسي.
وقد ضم الباب الأول من الجزء الأول من الكتاب الثالث في القانون الجنائي المغربي أحكام الجنايات والجنح ضد أمن الدولة الداخلي (الفصول 163 - 180). وتشمل هذه الجرائم: المؤامرة، والاعتداء، والعصابات المسلحة: عرَّف المشرع المغربي المؤامرة في (الفصل 175 ق.ج) بأنها: «هي التصميم على العمل متى كان متفقاً عليه ومقرراً بين شخصين أو أكثر». وعقاب المؤامرة يختلف باختلاف صورها، فبالنسبة للتآمر ضد حياة الملك أو شخصه، فالعقوبة هي السجن من خمس إلى عشرين سنة (فصل 172). وإذا تبع التآمر القيام بعمل أو البدء فيه، من أجل إعداد تنفيذ الهدف من الجريمة فإن العقوبة هي السجن المؤبد[63].
أما التآمر على حياة ولي العهد أو شخصه فيعاقب عليه بالسجن من خمس إلى عشر سنوات (الفصل 173) وإذا تبع التآمر القيام بعمل أو البدء فيه فالعقوبة تصل إلى السجن المؤبد كذلك. أما إذا استهدف التآمر شخصه فقط فإن العقوبة هي من 10 إلى 20 سنة (الفصل 173).
أما بالنسبة للعقوبة المقررة للمؤامرة التي يكون هدفها «الاعتداء الذي يكون الغرض منه إما القضاء على النظام أو إقامة نظام آخر مكانه أو تغيير الترتيب لوراثة العرش، وإما دفع الناس إلى حمل السلاح ضد سلطة الملك» (الفصل 169) فهي السجن من 5 إلى 10 سنوات (الفصل 174) وإذا تبعها القيام بعمل أو البدء فيه فإن العقوبة تكون هي السجن من 10 إلى 30 سنة[64].
أما بالنسبة لجريمة الاعتداء[65]، فتتفاوت العقوبة المقررة لها تبعاً لجسامة النتيجة المترتبة عن فعل الجاني، فتصل إلى الإعدام إذا استهدفت حياة الملك أو شخصه (الفصل 163) أو حياة ولي العهد (الفصل 165). وتكون العقوبة هي السجن المؤبد إذا لم ينتج عن الاعتداء مساس بحرية الملك ولم يسبب له إراقة دم ولا جرح ولا مرض (الفصل 164) وهي العقوبة نفسها المقررة في حال الاعتداء على شخص ولي العهد (الفصل 166) وأيضاً في الحالة التي يكون فيها الغرض من الاعتداء القضاء على النظام أو إقامة نظام آخر مكانه أو تغيير الترتيب لوراثة العرش، وإما دفع الناس إلى حمل السلاح ضد سلطة الملك (الفصل 169).
أما عقوبة العصابات المسلحة فقد نص (الفصل 203) على أن: «يؤاخذ بجناية المس بالسلامة الداخلية للدولة، ويعاقب بالإعدام كل من ترأس عصابة مسلحة أو تولى فيها وظيفة أو قيادة ما، وذلك إما بقصد الاستيلاء على أموال عامة، وإما بقصد اكتساح عقارات أو أملاك أو ساحات أو مدن أو حصون..».
«وتطبق نفس العقوبة على من تولى تسيير العصابة الثائرة أو تأليفها، أو أمر بتأليفها، أو قام بتنظيمها، أو زودها أو أمدها -وعن علم- بأسلحة أو ذخيرة أو أدوات الجناية أو بعث لها إمدادات من المؤن أو قدم مساعدة بأي وسيلة أخرى إلى مسيري العصابات أو قوادها».
ونصَّ الفصل 205 على أنه «في حالة التجمع الثوري الذي يكون الغرض منه أو ينتج عنه إحدى الجنايات المشار إليها في الفصل 203، فإن الأشخاص الذين انخرطوا في تلك العصابة دون أو يباشروا فيها قيادة ولا وظيفة معينة، ولكن قبض عليهم في مكان التجمع يعاقبون بالسجن من خمس إلى عشرين سنة».
وبشكل عام فالعقوبة في جرائم المس بأمن الدولة الداخلي تتراوح بين خمس سنوات والإعدام. ويلاحظ أن المشرع المغربي نحا باتجاه تشديد العقوبة في هذه الجرائم عندما جرّم المؤامرة وعاقب عليها (من 5 إلى 20 سنة في حالة التآمر على حياة الملك)، وبتجريمه هذا يكون -كما يقول الأستاذ العمراني- قد خرج عن القواعد العامة في القانون الجنائي التي لا تعاقب مجرد الاتفاق إذا لم يقترن بالبدء في تنفيذ ما اتفق عليه، وهذا التشديد يُرجح الأستاذ العمراني سببه إلى كون الاتفاقات الجنائية تتجاوز بطبيعتها حدود التفكير والتصميم على تنفيذ الجريمة، وتنطوي على خطر حقيقي على أمن المجتمع وسلامته، وهذا من شأنه أن يشيع القلق والاضطراب وعدم الاستقرار في المجتمع، خصوصاً إذا تعلق الأمر بجرائم من هذا القبيل[66].
الجرائم السياسية بين الشريعة والقوانين الوضعية:
في الواقع من الصعب مقارنة جريمة البغي بمجموع الجرائم الماسة بأمن الدولة الداخلي كما نصت عليها القوانين الوضعية للإشكالات التالية:
1- الاختلاف في مفاهيم الشرعية السياسية، فأغلب الدول التي تحتكم للقوانين الوضعية لديها دساتير مكتوبة تنص على كيفية الوصول إلى السلطة وانتقالها من شخص إلى شخص، وقد نصت كذلك بالتفصيل على الجرائم المخلة بالأمن الداخلي وشرّعت من العقوبات الرادعة ما يضمن حماية النظام السياسي الحاكم واستمراريته، بعيداً عن مفاهيم الشريعة أو الأحقية والعدالة كما هي في المنظور الإسلامي، لذلك نقترح أن يسلك الفكر السياسي الإسلامي هذا المسلك في محاولاته للتنظير في هذا المجال عن طريق إيجاد دستور ينص في مواده على طبيعة النظام السياسي الإسلامي والكيفية الشرعية للوصول إلى السلطة وطرق انتقالها سلمياً وقانونياً، وحقوق المعارضة السياسية، كل ذلك من خلال اعتماد المبادئ والقيم الإسلامية وأحكام الشريعة المتفق عليها، من الاستفادة من الإيجابيات التي احتضنها التراث السياسي الإسلامي، والعمل على تدوين قانون جنائي إسلامي يستمد أحكامه من الشريعة الإسلامية واجتهادات الفقهاء، وحث العقل الإسلامي على الاجتهاد لسد الفراغات التشريعية وخصوصاً في مجال التنظير لأحكام المعارضة السياسية.
2- نلاحظ أن القوانين الوضعية لم تميز في الجرائم المخلة بأمن الدولة الداخلي بين البغاة والمحاربين كما هو الحال في الشريعة.
3- نصت القوانين الوضعية على عقوبة الإعدام في جرائم المس بأمن الدولة الداخلي، ويقابلها في الشريعة عقوبة القتل، كما يحق للسلطة الشرعية أن تشرع عقوبات تعزيرية مثل الحبس ومصادرة الأموال في عدد من الحالات[67]، فإذا ما دُوّن القانون الجنائي الإسلامي على شكل فصول ومواد فمما لا شك فيه أن عقوبات البغي ستختلف باختلاف حالات البغي، وستكون هناك أحكام العفو العام أو الخاص، وبالتالي فلن يكون هناك حكم واحد فقط هو القتل أو المقاتلة، وإذا كان كذلك فبالإمكان أن تتفق القوانين الوضعية مع أحكام الشريعة في عدد من العقوبات، ما دام الهدف هو الردع الخاص والعام للحفاظ على أمن المجتمع واستقراره.
------------------------------------------------------------------------------------
[1] سورة الكهف، آية 64.
[2] سورة ص، آية 22.
[3] مفردات الراغب، ص53. وابن منظور، لسان العرب، المجلد 14، ص75 - 76، مادة: بغى.
[4] مفردات ألفاظ القرآن، ص55.
[5] حاشية ابن عابدين، ج3، ص426.
[6] الشيخ أسعد الصاغرجي، الفقه الحنفي وأدلته، ج2، ص375.
[7] الحطاب، مواهب الجليل، ج6، ص323، والشيخ محمد عليش، شرح منح الجليل على مختصر العلامة خليل، ج9، ص195.
[8] ابن جزي، القوانين الفقهية، ص355.
[9] نهاية المحتاج، ج7، ص382 نقلاً عن فقه العقوبات، ص197. والشيرازي، المهذب، ج5، ص192.
[10] البهوتي، كشاف القناع على متن الإقناع، ج5، ص139.
[11] الشهيد الأول، اللمعة الدمشقية في فقه الإمامية، بيروت: دار التراث والدار الإسلامية، ط1 - 1990م، ص83. والمحقق الحلي، شرائع الإسلام، بيروت: مؤسسة الوفاء، ط3 - 1983م، ص254.
[12] سورة الشورى، آية 42.
[13] سورة الحجرات، آية 9.
[14] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج16، ص208.
[15] السيد قطب، في ظلال القرآن، ج26، ص513.
[16] صحيح مسلم، ج2، ص135.
[17] الشوكاني، نيل الأوطار، ج7، ص195، وصحيح مسلم، ج2، ص137.
[18] انظر حول هذه الحروب وما وقع فيها، ابن الأثير، الكامل في التاريخ، بيروت: دار صادر، ط - 1979م، ج3، ص201 وما بعدها، حوادث سنة 36. وقد كانت لهذه الحروب آثار سلبية كثيرة على وحدة المجتمع الإسلامي السياسية والفكرية والمذهبية ليس هذا مكان الحديث عنها. لكن هناك شبه إجماع لدى المؤرخين بأن الفرق الإسلامية الكلامية والسياسية (الخوارج، المرجئة، الشيعة...) وبعد ذلك المذاهب الفقهية المختلفة قد وُلدت من رحم الحروب التي خاضها الإمام علي مع مخالفيه الذي سماهم: القاسطين، والمارقين، والناكثين.
[19] د. هلا العريس، م. س، ص115.
[20] اختلف الفقهاء في حكم الخوارج فذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وطائفة من أهل الحديث إلى أنهم كفار مرتدون حكمهم حكم المرتدين، قال في الترغيب: وهي الأشهر، وذكر ابن حامد أنه لا خلاف فيه. انظر كشاف القناع، ج6، ص139 وهو مذهب الشيعة الإمامية كذلك، حكموا بكفرهم وعدم الصلاة على أمواتهم، انظر، الشيخ علي خازم، البغاة: تعريفهم وأحكامهم، مجلة الثقافة الإسلامية، دمشق، ص52.
[21] واختلف الفقهاء في حكم من يقاتل من أهل الذمة مساعدة لأهل البغي، وفرقوا بين الخارج لشبهة أو مكره وبين العالم بأن خروجه بغي. فالشوافع يرون أن خروجهم لشبهة لا يخرجهم عن الذمة وكذلك إذا ادعوا الإكراه عند الحنابلة، أما عند الأحناف فإنهم ناقضون للعهد يقتلون ويسبون وهو رأي الإمامية كذلك. انظر: الشيخ علي خارم، م. س، ص2.
[22] جاء في كشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي الحنبلي: «ويحرم أن يستعين أهل ال في حربهم -أي قتالهم للبغاة- بكافر...» ج5، ص41 والحطاب، مواهب الجليل، ج6، ص322.
[23] وخالف الشيعة جمهور الفقهاء: يقول الشيخ الطوسي: «يجوز للإمام أن يستعين بأهل الذمة على قتالهم. أي البغاة». علي خازم، م. سن ص51.
[24] المعتمد في فقه الإمام أحمد، ج2، ص440، والفقه الحنفي وأدلته، ج2، ص475.
[25] كما فُعل بعبد الرحمن بن ملجم قاتل الإمام علي (عليه السلام) فقد قُتل قصاصاً. ويرى الحنابلة أنا لو أثبتنا للعدد اليسير كالعشرة حكم البغاة في سقوط ضمان ما أتلفوه أفضى ذلك إلى أتلاف أموال الناس. انظر: البهوتي، كشاف القناع، ج6، ص138.
[26] عبد القادر عودة، م. س، ج2، ص680. والشيرازي، المهذب، ج5، ص191.
[27] د. محمد أبو حسان، الجريمة والعقوبة في الشريعة الإسلامية، ص387.
[28] ابن جزي، القوانين الفقهية، ص355.
[29] البهوتي، كشاف القناع، ج6، ص138، والشيخ أسعد الصاغرجي، الفقه الحنفي وأدلته، ج2، ص376.
[30] عبد القادر عودة، م. س، ج2، ص618.
[31] يقول الشيخ محمد عليش المالكي: «من خرج عن طاعة الإمام من غير مغالبة لم يكن باغياً، ومثال ذلك ما وقع لبعض الصحابة (رضي الله عنهم) أنه سها فلم يبايع الخليفة ثم بايع..» انظر: شرح منح الجليل على مختصر العلامة خليل، ج9، ص195.
[32] أسعد الصاغرجي، م. س، ج2، ص378.
[33] يرى ابن حزم الظاهري أن كل مسلم بغى على أخيه فهو باغٍ، لذلك يجوز أن يكون السلطان باغياً كغيره، والحكم الشرعي هو مقاتلة البغاة أفراداً كانوا أم جماعة حتى يفيئوا إلى الحق. انظر: عبدالقادر عودة، التشريع الجنائي، ج2 ص685. والمحلى ج11 ص99.
[34] محمد عليش، شرح منح الجليل على مختصر خليل، ج9، ص195.
[35] المواق، التاج والإكليل، بهامش الحطاب، ج6، ص321.
[36] انظر: المعتمد في فقه الإمام أحمد، ج2، ص442، لأنه الأصل عند الحنابلة -خلافاً للقاضي- أن الخليفة لا ينعزل بالفسق، أولاً للمفسدة، وثانياً: لما روي عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «إلا أن تروا كفراً بواحاً، عندكم فيه من الله برهان» الحديث أخرجه البخاري ج4، ص367، ومسلم ج6، ص17، وانظر كذلك عبد القادر عودة، م. س، ج2، ص685.
[37] المواق، م. س، بهامش الحطاب، ج6، ص321.
[38] الكثير من هذه الأحاديث معلولة إما سنداً أو متناً، وهناك من الباحثين من يرى أن أغلبها موضوع ومختلق من طرف السلطات الأموية خصوصاً، لدفع المجتمع الإسلامي إلى الاستسلام والخضوع، كما أن عدداً منها يمكن تفسيره بالخضوع وطاعة الخلفاء ممن تتحقق فيهم الشروط الشرعية للخلافة وليس غيرهم.
[39] الشيخ محمد عليش، م. س، ج9، ص195.
[40] الشهيد الأول، اللمعة الدمشقية، منشورات جامعة النجف الدينية، ط1 (د. ت) ج2، ص407، والمحقق الحلي، شرائع الإسلام، ص254.
[41] انظر: النجفي، جواهر الكلام، ج21، ص331. والشهيد، اللمعة الدمشقية، ج2، ص407، نقلاً عن الشيخ علي حسن خازم، البغاة تعريفهم وأحكامهم، مجلة الثقافة الإسلامية، دمشق، العدد 20 - 1988م، ص110.
[42] في قانون العقوبات الإسلامية المعمول به في إيران نصت المادة 186 على اعتبار كل جماعة ناهضت الحكومة الإسلامية بالسلاح في حكم المحاربين والمفسدين في الأرض. وانظر كذلك المادة 504 الخاصة بالجرائم المخلة بالأمن الداخلي. وهذا الرأي يوافق رأي الأحناف والحنابلة الذين اعتبروا الخروج دون تأويل أو باعث سياسي محاربة وقطعاً للطريق. انظر الشيخ أسعد الصاغرجي، م. س، ج2، ص376، والبهوتي، م. س، ج6، ص138.
[43] ثبت تاريخياً أن الإمام علي أرسل إلى الخوارج من أهل حروراء ابن عباس لمناظرتهم وكشف شبهاتهم، مثل ادعائهم أن الإمام علي حكَّم الرجال في دين الله، وأنه قاتل أصحاب الجمل ولم يسب ولم يغنم، كما أنه تنازل عن لقب أمير المؤمنين في وثيقة مع أهل الشام، وقد رد ابن عباس على هذه الشبهات وكشف وجه الحق فيها، فرجع منهم ألفان وبقي سائرهم فقوتلوا.
انظر نص المناظرة في: الشيخ أسعد الصاغرجي، الفقه الحنفي وأدلته، ج2، ص378، وكذلك ثبت أنه راسل أهل البصرة قبل وقعة الجمل، انظر، المعتمد في فقه الإمام أحمد، ج2، ص442.
[44] انظر: ابن جزي، القوانين الفقهية، ص355، والشيخ أسعد الصاغرجي، الفقه الحنفي وأدلته، ج2، ص378 والمعتمد في فقه الإمام أحمد، ج2، ص443، والشهيد الأول، اللمعة الدمشقية، ص83. والشيرازي، المهذب، ج5، ص194.
[45] ابن جزي، م. س، ص355.
[46] الصاغرجي، الفقه الحنفي وأدلته، ج2، ص379، ابن البنا، كتاب المقنع، ج3، ص1106، والمواق، التاج والإكليل، ج6، ص322.
[47] ابن جزي، م. س، ص355، والشيخ الصاغرجي، م. س، ج2، ص379. والشيرازي، م. س، ج5، ص199. والمواق، م. س، ج6، ص322.
[48] انظر أقوال المذاهب في تغسيل المقتول من أهل البغي والصلاة عليه، الشيخ علي خازم، البغاة تعريفهم وأحكامهم، ص52.
[49] الشرطان الأول والثاني ذكرهما الماوردي الشافعي في: الأحكام السلطانية، ص6، أما الشرط الثالث فذكره البهوتي الحنبلي. الذي روى عن الإمام أحمد قوله في رواية عبدوس ابن مالك: «ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين، فلا يحل لأحد يؤمن بالله يبيت ولا يراه إماماً، براً كان أو فاجراً» ولأن عبد الملك بن مروان خرج عليه ابن الزبير فقتله واستولى على البلاد وأهلها حتى بايعه طوعاً وكراهاً ودعوه إماماً. ولما في الخروج عليه من شق عصا المسلمين وإراقة دمائهم وذهاب أموالهم. انظر: كشف القناع، ج5، ص137.
[50] أما الشروط الأخرى فهي: سلامة الحواس، سلامة الأعضاء، الرأي المفضي إلى سياسة الرعية، الشجاعة والنجدة، النسب القرشي. انظر الأحكام السلطانية، م. س، ص6، والمعتمد في فقه الإمام أحمد، ج2، ص441.
[51] انظر: ظافر القاسمي، نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي، ج1، ص352، والماوردي، م. س، ص15.
[52] الأحكام السلطانية، ص17، وقد ذكر أن الفسق على ضربين: أحدهما ما تابع فيه للشهوة، والثاني ما تعلق فيه بشبهة. وانظر: ظافر القاسمي، م. س، ص354.
[53] د. أحمد محمود صبحي، النظريات السياسية لدى الفرق الإسلامية، الكويت: مجلة عالم الفكر، المجلد 22 العدد 2 سنة 1993م، ص143.
[54] قدم الإمامية مجموعة من الأدلة على تعيين الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) للإمام علي بن أبي طالب وصياً وخليفة له من بعده، من بينها حديث الغدير الذي رواه أحمد بن حنبل في مسنده، ج5، ص182، فقد روي عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: «إني تارك فيكم الخليفتين من بعدي، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض».
[55] انظر: هاشم معروف الحسيني، سيرة الأئمة الاثنا عشر.
[56] انظر: ظافر القاسمي، نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي، ج1، ص336.
[57] انظر: محمد دكير، من الاستبداد إلى الديمقراطية، مجلة الكلمة، ص54.
[58] يرى الرافضون للديمقراطية أنها بضاعة غربية محرمة لا يجوز استيرادها بل هي من قبيل الكفر؛ لأنها جزء من مشروع غربي يهدف إلى أمرين: أولهما علمنة الدولة الإسلامية ونشر التحلل والفساد الأخلاقي والقيمي، وثانيهما: تمكين التيارات العلمانية من الوصول إلى الحكم، انظر حول السجال القائم بين الرافضين والمناصرين للديمقراطية، فهمي هويدي، الإسلام والديمقراطية، بيروت: مجلة المستقبل العربي، عدد 166 (12/1992).
[59] انظر: محمد دكير، تطور الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، ضمن: الدين والسياسة، نظريات الحكم في الفكر السياسي الإسلامي، بيروت: الغدير، ط1 - 2003م، ص23.
[60] محمد دكير، من الاستبداد إلى الديمقراطية، بيروت: مجلة الكلمة، عدد 18 السنة الخامسة، شتاء 1998م، ص58.
[61] يرى الدكتور أبو حسان أنه لابد من إنشاء محكمة دستورية تختص بالبت بقضايا شرعية الحكام وتصرفاتهم الفعلية والقولية والخطية، وتمنح هذه المحكمة جميع الضمانات التي تكفل استقلالها، انظر: الجريمة والعقوبة في الشريعة، ص395.
[62] باختصار عن: جندي عبد الملك، الموسوعة الجنائية، ج3، ص109 - 110 وقد قسم القانون الفرنسي الجنايات المخلة بأمن الحكومة من جهة الداخل إلى قسمين:
الأول: خاص بالاعتداءات والمؤامرات الموجهة إلى الإمبراطور وأسرته.
والثاني: خاص بالجرائم التي ترمي إلى الإخلال بأمن الدولة بواسطة الحرب الأهلية أو استعمال القوة الجبرية استعمالاً غير قانوني أو النهب أو التخريب. انظر ج3، ص111.
[63] وظرف التشديد هنا عيني يسري على المساهمين في المؤامرة والمشاركة فيها حتى ولو كان الإعداد لتنفيذ الهدف من المؤامرة قد قام به بعضهم دون علم الباقين. انظر (الفصل 130 ق. ج) ونور الدين العمراني، شرح القانون الجنائي الخاص، ص18.
[64] نور الدين العمراني، شرح القانون الجنائي الخاص، ص19.
[65] «يتحقق الاعتداء بمجرد محاولة معاقب عليها» (الفصل 170 ق.ج.م).
[66] شرح القانون الجنائي الخاص، ص12.
[67] مثلاً إذا علم الإمام بأن الخارجين عليه يشترون السلاح ويتأهبون للخروج، فله الحق في أخذهم وحبسهم حتى يقلعوا عن ذلك ويتوبوا. انظر: الشيخ أسعد الصاغرجي، الفقه الحنفي وأدلته، ج2، ص378.
يتبع








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - تنبيه هام
إسلام بحيري ( 2015 / 1 / 17 - 19:41 )
تنبيه
هذا المقطع ليس من كلام السيد محمد علاء أبو العزايم
أنّ الله تبارك وتعالى في علاه , قد شرع لولاة الأمر أن يجعلوا القتل من باب السياسة الشرعية لقطع دابر الفساد والمفسدين ,
حتى قوله: فإنها لمن أعظم نعم الله عزوجل التي نحمدالله عليها.
فو الله الذي لا اله غيره الخ اهـ


اخر الافلام

.. لحظات غير متوقعة لم يكن الناس مستعدين لها تمامًا , شاهد ماذا


.. ليه لا؟ - الحلقة الرابعة | وصفة البراونيز مع الشيف ليلى فتح


.. ليه لا؟ - الحلقة الخامسة | وصفة السينامون رولز مع الشيف ليلى




.. ليه لا؟ - الحلقة السادسة | وصفة الفتة مع الشيف ليلى فتح الله


.. ليه لا؟ - الحلقة السابعة | وصفة الكنافة مع الشيف ليلى فتح ال