الحوار المتمدن - موبايل


أطلقوا سراح فانيسّا وغريتّا! أطلقوا سراح أحرار العالم!

خليل عيسى

2015 / 1 / 16
حملات سياسية , حملات للدفاع عن حقوق الانسان والحرية لمعتقلي الرأي والضمير


2015-01-15
ي أوّل يوم من السنة الجديدة، ظهرت الشابتان متشحتين بالسواد محجّبتين، ووجهاهما كالحان من البياض والرعب. غريتّا تقرأ من ورقة بالإنكليزية بلكنة إيطالية: "إننا، غريتا راميللي وفانيسا مارزولّو، نرجو حكومتنا ووسطاءها إعادتنا إلى بلادنا قبل عيد الميلاد. نحن في خطر كبير وقد نُقتل. الحكومة ووسطاؤها مسؤولان عن حياتنا". الفيديو، ومدتّه 23 ثانية، عنوانه "احتجاز جبهة النصرة موظفتين إيطاليتين لمشاركة حكومتهم في التحالف ضدها". وبعد ساعات، أكدت وكالة الأنباء الألمانية أنّ جبهة النصرة هي الخاطفة: "صحيح. نحتجز المرأتين الإيطاليّتين، لأنّ بلادهما تدعم الضربات الجوية علينا في سورية"، على لسان مدعو اسمه أبو فضل، وهو عضو من جبهة النصرة، الفرع الأصلي لتنظيم القاعدة في سورية.
غريتا وفانيسا، الشابتان المليئتان بالحب للشعب السوري المذبوح، تركتا حياتهما في إيطاليا، دراستيهما، أصدقاءهما، عائلتيهما اللتين لم تفهما كيف يمكن أن يحبّ شخص آخرين في بلاد بعيدة لهذه الدرجة، فيقرّر، في لحظةٍ، أنّ يذهب هناك لإغاثتهم، أو كيف يمكن أن يقضي المرء شهوراً، يبيع الكتب والتذكارات لجمع ستة آلاف يورو لأخذها إلى سورية، ثم تذهبان الفتاتان للمظاهرات المطالبة بحقّ السوريين في الحريّة، بوجه يسار يدّعي "معاداة الإمبريالية" ويمين متطرف ينزلان في مظاهرات واحدة دعماً للنظام السوري. لقد كذبت "النصرة" في الفيديو، عندما ادّعت أنّ غريتا وفانيسا "موظفتان"، فيما هما متطوعتان في الإغاثة.
تمّ خطف غريتا (20 عاماً) وفانيسّا (21 عاماً) في حلب يوم 31 يوليو/تمّوز 2014.
وتقول مصادر إنّهما كانتا برفقة رجال من "جيش المجاهدين" (تحالف كتائب من الجيش الحرّ وكتائب إسلامية مناهضة لداعش) لحمايتهما، قبل أن يخطفهما 30 مسلّحاً، بعد ثلاثة أيام من دخولهما سورية من الحدود التركيّة. وتردّد منذ 20 سبتمبر/أيلول خبر لم يتأكد، أنّه تمّ "بيع الرهينتين" مرّتين إلى جهات خاطفة جديدة. لا أحد يعلم بالضبط كيف انتهتا عند "النصرة". لكن، ما نعلمه جيّداً أنّ الفتاتين وحيدتان للغاية اليوم، ليس فقط كأجنبيتين قدمتا إلى بلادنا لتضميد جراح السوريين، منذ أول رحلة لهما في مارس/آذار 2014، وفي ثانية بعدها لإيصال مؤن ومساعدات طبية، بلسماً طفيفاً لجراح أهلها وأطفالها، بل قدمتا كإنسانتين، أولاً وأخيراً، ومن ثمّ كإيطاليتين من بلدٍ الرأي العام فيه منحاز للنظام السوري منذ اليوم الأول، تقف أحزابه اليسارية واليمينية مع هذا النظام "الممانع". بلد لديه البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان الحالي، بقّده وقديده، لا يعنيه سوى "الأقليّات"، ويدعم النظام. ويبدو أن الفاتيكان هذه الأيام، لا يعنيه سوى "عنف الإسلاميين"، بينما مئات القتلى بالبراميل المتفجرة لا يحرّكون فيه أي إدانة للنظام السوري ("ديلي ميل"، 30 نوفمبر/تشرين ثاني 2014). أما استجابة الحكومة الإيطالية في مسألة الخطف، حتى الآن، فكانت حذرة، وهي مهتمة بنجاح التفاوض مع الخاطفين. لكنْ، لا شيء مضمون، كما لم يكن الأمر مضموناً بشأن الأب باولو في الرقّة الذي لا نعرف عنه شيئاً منذ عام ونصف.
فانيسا وغريتا وحيدتان، اليوم، إلى درجة أنّ التعليقات من مواطنيهما الإيطاليين بشأن ما حصل لهما مشينة في معظمها، من قبيل "كانتا معتوهتين منذ البداية لتذهبا وتساعدا الإرهابيين، فلتتحمّلا مسؤولية ذلك"، "لا أريد لدافعي الضرائب أن يخسروا المال من أجلهما. فلتذهبا إلى الجحيم"، "عندما تحب الإرهابيين هذا ما يحصل"، "آسف، لكن لا أتعاطف معهما، بل مع أهلهما. هذا درس لكل من يريد أن يقف مع الإرهابيين". وقد حاول والد فانيسا، المفجوع والخائف جدًا على مصيرها، أن يستعطف الرأي العام الذي يزدري، في أكثريته ما قامت به الفتاتان، فقال إنه رجا ابنته ألا تسافر إلى سورية لكنها أصرّت، وأضاف "فانيسا بالغة، فتاة ذهبيّة، شجاعة ومسؤولة. حاولت أن أقنعها بكل ما أستطيع ألا تفعل ما كانت تنوي فعله. لكن، عندما تكتشف أنّ كل كلامك وأفكارك، وبالنتيجة صلواتك، إنّما تُتلى أمام آذان صمّاء، ماذا ينبغي أن تفعل؟ لم أستطع أن أمنعها. ليس الأمر في أنّك تستطيع أن تأخذ الشخص وتربطه. هل كنت مخطئًا؟ هل كان عليّ أن أربطها؟"
فانيسا وغريتا الآن محصورتان بين فكيّ إرهابَيْن: إرهاب "النصرة" المهتمّة بالفدية، التي قد تبلغ ملايين الدولارات، أكثر من أيّ شيء، وكذبتها أنّ الشابتين "موظفتان" أبلغ تعبير عن ذلك. ولا يخرج ما قامت به "النصرة" عن سياق تحولاتها في قراراتها منذ شهور، كما تشهد محاولاتها الحثيثة، أخيراً، لإقامة "إمارة إسلاميّة" في إدلب ووسط سورية، بعد أن قضت، في الأشهر الفائتة، على وجود "جبهة ثوار سورية" (الجيش الحرّ) هناك، والأخيرة كانت قد حرّرت إدلب من تنظيم "الدولة الإسلامية". والنصرة تقضي، كل يوم، على فرق أخرى من الجيش الحرّ، أو فصائل إسلامية أخرى محايدة، تتهمها "بالفساد"، ثمّ تحاول إلغاءها عسكريًا، وهي فجرت، أخيراً، مرقد الإمام النووي في درعا يوم 7 الجاري. أصبحت "النصرة" التي أعدمت شابين فلسطينيين من مخيم اليرموك المحاصر لأنهما "كفرا"، تستبدّ بالسوريين في حياتهم اليوميّة، إلى درجة أنّ المظاهرات ضدهم في مناطق عديدة، والتي بدأت منذ أشهر بشعار "لا للنصرة ولا للأسد" لم تتوقف، كما نادت بذلك، أخيراً، أكبر مظاهرة جرت في سورية منذ 2103 في "بيت سحم" يوم 6 الجاري جنوب دمشق. هناك، من جهة ثانية، إرهاب الرأي العام العالمي والإيطالي المنحاز إلى دعاية نظام الأسد، والذي يدينهما بسبب التزاماتهما الإنسانيّة، وهي التزامات يجب أن نتمنى أن تكون لدى كلّ شخص منا بمقدار ما تجلّت عند فانيسا وغريتا، اللتيْن ذهبتا لإغاثة شعبٍ اختفى فيه نصف مليون في السجون، مئات آلاف السوريين، مثل فانيسا وغريتا، حالياً في الزنازين والأقبية، و50 ألف استشهدوا تحت التعذيب، 150 ألف اختفوا، 3 ملايين ونصف من اللاجئين و9 ملايين من المهجّرين في الداخل، وأكثر من مليون جريح وأكثر من 650 ألفًا من المشوّهين.
الخطف في كل الأزمنة والأمكنة، ومهما كان الفاعل، عمل إرهابي منحطّ. وهو، هنا، استهدف شابتين تطوّعتا من إيطاليا للعمل الإغاثي في سورية. تقفان، قولاً وفعلاً، ضدّ سياسة حكومتهما المساندة للنظام السوري، وأن يعلن الخاطف أنّ ذلك كان بحجّة أنّ "الدولة الإيطالية تدعم التحالف الصليبي". يكون الإرهاب حينها أخسّ وأسوأ. قبل غريتا وفانيسا، كان هناك الأب باولو الذي لا يُعرف عنه شيء بعد أن اختطفه تنظيم "الدولة الإسلامية" في الرقّة منذ 29 يوليو/تمّوز 2013، وهو الذي لم يترك أطفال حمص الذين كانوا يُقتَلون، ثم جال في أوروبا ناشرًا الحقيقة عما كان يحصل في سورية. وجود فانيسا وغريتا والأب باولو بيننا يذكّرنا بأننا كلنا بشر، وبأنّ رابطة إنسانية يجب أن تجمعنا على هذه الأرض في الفعل والقول، وبأنّ الثورة السورية ليست مسألة "سوريّة" بحتة، بل هي ثورة الإنسانية الأصليّة، وأننا كلنا معنيّون في المطالبة بحريّة الشعوب وبحريّة من يعمل لها. وأودّ أن أعيش لأرى، اليوم، الذي تذهب شابات عربيّات من دون استشارة أحد، من دون أدلجة فائضة لدين أو عقيدة سياسية، ليتطوعن للإغاثة في بلد آخر، في قارة أخرى يمحق فيها نظام شعبه. هكذا. مجرّد قرار. حينها فعلاً تكون النساء عندنا حُرّات، تماماً كما سيكون الرجال. حينها سيكون وطننا العربي بخير.
كان هذا آخر ما كتبته فانيسا مارزولّو في "فيسبوك" يوم 16 يوليو/تمّوز 2014، أي قبل أسبوعين من خطفها مع رفيقتها:
"أحمر مثل السرير الصغير، وعلى السرير الجسد الشهيد للطفلة الحلبية التي سحق رجليها تفجير.
أحمر مثل النقاط التي تغطّي الآن الحيطان والأرضيّة، في زاوية من الغرفة، حيث تمّ تعذيبهم لدرجة تجعلك تتشهى الموت، إلى أن تموت بطريقة لا يمكن تخيّلها.
أحمر مثل سواعد أبٍ من دوما، أب يلطم وجهه ويصرخ لماذا، لماذا عليه أن يقبّل الجسد المذبوح لابنه، كان يقف أمام المنزل عندما أتت الطلقة، كان حيًّا هذا الصباح، هذا ما سيقوله للأم.
أحمر مثل الدم، أحمر مثل السجادة التي مشى عليها القاتل النذل اليوم".
نتعلّم الكثير منكما، يا فانيسا وغريتا وأب باولو، ويا كلّ سجناء سورية ومختطفيها: الحريّة لكم. الحرّية لكل أحرار العالم.
ملاحظة: لقد تم تحرير الشابتين من الخاطفين ليل 15 كانون الثاني الماضي مقابل قدية قدرها 12 مليون دولار. كتب المقالة عدة أيام قبل حصول ذلك ونشرت فجر تحريرهما بسلامة
(العربي الجديد، panarablenin.wordpress.com)








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - العالم المنحط
فؤاد النمري ( 2015 / 1 / 17 - 04:18 )
منذ أكثر من نصف قرن لم أتوقف عن الصراخ محذراً من رحلة طويلة من الإنحطاط لدأها العالم كل العالم ولم يصدقني أحد
اليوم بلغ العالم حداً من افنحطاط يسمح معه بإبادة الشعب السوؤي الأبي من قبل قطيع من الوحوش لها شكل الآدميين

اخر الافلام

.. تأجيل زيارة رئيس الوزراء الفرنسي للجزائر | #النافذة_المغاربي


.. لبنان.. الخبز يباع في المخابز فقط وطوابير للحصول عليه


.. موجز الأخبار - التاسعة صباحا 11/04/2021




.. -آتون المبهرة- مدينة أثرية تنضم للأثار المصرية


.. ارتفاع اسعار الطماطة والمواد الغذائية في كربلاء