الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حرب وأشياء أخرى...قصة قصيرة

جمال حكمت عبيد

2015 / 2 / 2
الادب والفن


السيد الرئيس

كانت اعمدة الغبار المتصاعد فوق الطريق الترابي كأنها عاصفة ،جاءت بها الأرتال من عجلات مصفحة واخرى مقاومة للطائرات؛ حملت جنوداً وأشياء عسكرية أخرى. متوجهة الى مقر جوال قائد الفيلق الرابع ، المكان الأمين لضباط ركن الحركات، حيث تدار به المعارك عن بعد ..محيطه ساتر ترابي دائري بارتفاع اربعة امتار ، مساحته لا تتجاوز كيلومترين مربعين ؛ يتاخمه موقع صغير لوحدة المخابرة فيه غرفة من الطابوق يسكنها ملازم مسؤول عن الموقع، واربعة خيام ، في كل خيمة جهاز لاسلكي وثلاثة جنود اغلبهم مطوعين وبعض المكلفين. عريف خالد احد الجنود المكلفين المسؤولين على احدى الخيم. تخرج من الجامعة قبل ثلاث سنين وهو ما يزال في خدمة الاحتياط بسب الحرب المشتعلة منذ تخرجه ، كان واقفا ورفاقه فوق الساتر ينظرون إلى الأرتال ويعدّونها في ظهيرة يوم كانت شمسه عمودية ساطعة، وقد وصل الرقم الى ثمان وسبعين عجلة.

عند وصول الارتال الى مقر الجوال، علت السماء ثلاث طائرات سمتيه، حامت حول الجوال حطت واحدة منها ثم هبطت الآخرتان بعدها.
عريف خالد ورفاقه المقاتلين توقعوا وزير الدفاع قد قدم من بغداد!! فهو لمْ يعتدْ رؤية هكذا حدث؛ منذ ان نقلت خدماته الى هذا المكان منذ ستة اشهر، كل التوقعات تشير الى معركة قادمة هذا اليوم.
كان رتل القوات الخاصة ، منذ الصباح قد مر باتجاه الوحدات الأمامية حاملاً جنوداً أبطالاً ، اولاد الأمهات السمراوات اللاتي ارضعتهم من ملح الارض. بوجوههم مسحة الخوف والحزن والكبرياء الممزوج بابتسامات كاذبة،
كل منهم لا يعرف من سيروي قصة بطولته و بطولة رفيقه عند انتهاء المعركة.. بعضهم يلوّح بيده بخجل مجاملاً عريف خالد ورفاقه الذين كانوا يلوحون لهم بعلامة النصر .
فجأة اعتلى ساتر الجوال جنود ممتلئين، ملابسهم خضراء مرقطة ، اختلطت علامات البداوة والريف في سحنتهم؛ طالبين من الجميع دخول خيمتهم . وأكد اهمية الحدث ظهور ضابط المخابرة مسرعاً وخلفه العقيد آمر الكتيبة ورائد جواد ضابط التوجيه السياسي، كانا قد جاءا من المقرات الخلفية.
كان عريف خالد مسؤولاً عن تأمين اتصال لاسلكي للفرقة العاشرة بقائدها والويتها مع قيادة حركات الفيلق، بواسطة جهاز لاسلكي بحجم التلفاز الصغير يخرج منه سلك ربطت نهايته بهاتف وضع في غرفة ضباط حركات الفيلق ،وقع الاختيار على خيمته ...المعركة اذن ستدور عند الفرقة العاشرة، عمد عريف خالد مسرعاً بإزالة الغبار عن جهازه اللاسلكي بقطعة قماش لكي يظهر نظافته، فهذا عرف عسكري.
دخل العقيد آمر الكتيبة الخيمة تبعه رائد جواد والملازم ضابط الموقع. نهض عريف خالد مؤدياً التحية العسكرية، قال له العقيد: هل جهازك وعدَّته كاملة يا ابني؟ اجاب عريف خالد: نعم سيدي كل شيء جاهز.
كانت الخيمة تحتوي على طاولة خشبية صغيرة وضع عليها جهاز لاسلكي بحجم التلفاز الصغير وثلاث أسرّة خشبية صنعها عريف خالد ورفاقه الجنود من صناديق العتاد الفارغة. جلس الضباط على السرير المقابل لخالد ، قال رائد جواد للجنديين: اخرجا فهذا العريف يكفي . كان غالبية الجنود يكرهونه ويكرهون صلعته كأنه( دُب) وأنفه المفروش وشفته الممدودة العريضة العارية السطح كشفة بعير.
جميع من في الخيمة كانوا ينتظرون جرس تلفون الحركات، لحظات ودق الجرس ؛قال عريف خالد: مجيباً ضابط الحركات تفضل سيدي.. قال الضابط: احضر لي امراء الوية الفرقة العاشرة والمتجحفلين معهم من الألوية الأخرى السيد رئيس الجمهورية يريد التحدث معهم!! وبحركة لا ارادية من رائد جواد فزع و نهض من مكانه واخذ يرفع حزامه بيديه ساحباً كرشه الى الأعلى متوجهاً صوب الجهاز؛ وكأن الرئيس نده عليه! بينما العقيد وضابط الموقع كانا اكثر هدوءاً منه. اخذ عريف خالد وبكل ثقة ينادي بجهازه اللاسلكي امراء الالوية للتهيوء للحديث مع السيد الرئيس.
استعد الأمراء منتظرين الحديث مع الرئيس.. بينما كان رائد جواد يأمر عريف خالد بتحويل المكالمة فوراً دون تأخير ، اعتقاداً منه ان المعركة ليست وطنية فقط بل حزبية وعلى الأرجح كان يقصد الأخيرة من موقعه وتصرفاته وتجاوزه العرف العسكري بينه وبين العقيد بحركاته الغير منضبطة باحترام الأقدم رتبة عند الكلام والحركة.
شرع السيد الرئيس بالتحدث مع امراء الألوية بالتحية عليهم وعلى جنودهم ، يشد هممهم والأمراء يستعرضون استعدادهم واستعداد جنودهم للدفاع عن شرف الرئيس والذود عنه متناسين اسم الوطن ، والسيد الرئيس يقهقه ويقول لهم انا انتظر منكم البشارة؛ بينما رائد جواد يقترب من عريف خالد، ورأسه ينضح بولاً كانه اصيب بحمى؛ فالعرق ملأ صلعته التي كانت من المفترض ان تكون حكيمة لا لئيمة، ورائحته بدت تثقب انف عريف خالد فقد يفرز افرازات نتنه.
تابع امراء الالوية الواحد تلو الآخر يعلنون الولاء للسيد الرئيس . والعقيد ورائد جواد وضابط الموقع يبتسمون بابتسامة الرئيس اما عريف خالد كان حذراً ان يظهر ابتسامته خوفاً من خرق العرف العسكري .
ضوء زاد النهار ضياءاً مع اصوات رعد تتبعه.. كانت ثلاثة صواريخ ارض ارض تبعد قاعدتها مسافة ليست ببعيدة من الخيمة قد اطلقت معلنةً بدء المعركة واستبشرت انهار الدماء بفتح مجاريها ، وقتام الحرب بان في الافق من بعيد ، بغبار معركة كان سمع طلقاتها قد هزّ الخيمة فكيف مكان وقعها.. اشتبكَت الجنود بحرابها ، تاركةً احلامها في ارض المعركة، التي استنفذ السيد الرئيس بها كل القوات التي ملأت مواضعها وعرباتها التي نقلتها. ووصلت هدفها المقرر ببحر من دماء الابطال ابناء الفقراء، الذين باتت امهاتهم يعجن بالدموع خبزهن ويصبغن بطين الحزن جدائلهن .
ثلاث ساعات متتالية معركة دموية سريعة تعالت بها اصوات التقدم والانسحاب ثم التقدم. كلها مسموعة بالجهاز اللاسلكي حتى وصلت الى هدفها وكانت( تلة ترابيه في قاطع الطيب تشرف على مخفر حدودي) سببت ازعاجاً لبعض القطعات المتواجدة امامها.
شكر ألآمر عريف خالد على حسن التعامل مع الموقف مربتاً بيده على كتفه قائلا لعريف خالد: بارك الله بك يا ابني .
اختفى الجنود الممتلئين فوق الساتر، غادرت السمتيات مدرجها وعادت اعمدة الغبار وهي تبتعد عن المكان راجعة من حيث أتت.
كان العقيد والملازم يتحدثان وهما يبعدان عن الخيمة، بينما بقى رائد جواد يتحدث مع نائب الضابط الحزبي المسؤول الثاني عن هذا الموقع الصغير وهو في داخل الخيمة..
ذهب عريف خالد يقضي حاجة، بعد توتر دام ثلاث ساعات بل اكثر؛ وحينما عاد فوجئ من قِبل رائد جواد بعدم السماح له البقاء في هذا المكان!! معللاً أهميته ولا بد من وجود موثوق بهم وبماضيهم...اندهش عريف خالد مستهجنا هذا القرار الثوري المفاجئ!!
وقال سيدي: ما الذي فعلته انا؟ ألم أكن موفقا؟ قال رائد جواد: هذا لا يعنيني ، حياة قيادتنا الوطنية أهم شيء وانت لا تصلح في هذا المكان !!.
ابتسم عريف خالد ابتسامة استخفاف قائلاً: ماذا تقول سيدي هل عندك شك بوطنيتي، هذا بلدي وبلد اجدادي، اذا نحن لا نفتديه ..من يفتديه..؟؟
قال رائد جواد: انا اريدك ان تفتديه هناك عند خط النار لكي يفرغ الوطن منك ومن امثالك الذين يدعون الوطنية.
ارتفع الجنون برأس عريف خالد وانطلق لسانه يطرح حديث قلبه وبشكل لا أرادي قائلا بوجه الرائد :
انا غير وطني كيف تقول هذا يا سيدي الوطن بشعبه.. والحزب شيء اخر.
قاطعه رائد جواد بالسكوت ولكنه استطرد قائلا:اذا كنت تشكك بوطنيتي وماضيها فهذه مدينة الحلفاية التي تبعد عشرين كيلومتراً خير شاهد على تاريخي. اتعلم ان هذه المدينة شهدت زواج أمي وأبي وما زال عبق عطرهما يفوح بخيمتي. أتدرى ما فعلته اشجار القصب يومها: كانت تزّين نفسها بشرائط الذهب ،ترقص على وقع الطبول والدفوف كلما مرت بها مشاحيف (زوارق) العرس وهي ذاهبة الى مدينة الكحلاء حيث بيت جدي... انا غير وطني لا ياسيدي ...ماذا اقول لأبي وأمي واجدادي.. أتريدني ان افسد عليهم ليلة عرسهم .
اذهب وانظر الى قصب مدينتهم فستراه واقفا رافعا حرابه ليمزق بها من يحاول ان ينتزع كرامته...ثم عاد يقول انا غير وطني.
جن جنون رائد جواد واخرج مسدسه وقال له اذا لمْ تذهب الآن سأرميك قتيلا، كاد ان يفعل شيئاً ! لولا يد سحبت عريف خالد؛ وكانت يد النائب الضابط، ابعده عن المكان وهو يلتفت الى رائد جواد كانه ضابط من المرتزقة لا يعرف تاريخ هذه الارض...
صرخ خالد مهضوماً وهو يقول هل الوطن هو الحزب؟ والدمع ينهمل من عينيه فقد خوّنه بوطنيته هذا الكلب المسلوخ ؛ لأنه غير منتمٍٍ الى حزب السيد الرئيس. والنائب الضابط احتار بأمره وهو يحاول ابعاده عن الخيمة ؛ واذا بعريف خالد يفلت من يده ويسرع باتجاه الساتر الترابي واقفاً رافعاً يده اليمنى الى جبهة القتال التي لمْ تجف دماء شهدائها بعد.. ورفاقه ينظرون اليه بألم وحسرة وفخر .. صرخ بصوت عال قائلاً: ( هناك يموت الأبطال ابناء الفقراء .. كي يحيا الجبناء).
وقف صامتاً ثم عاد الى خيمته بعد خروج رائد جواد منها،يلملم اغراضه وجراحه، يتصفح بذاكرته كل الاحداث... آه قالها عريف خالد انه ( حسن) كاتب التقارير الحزبية حقا : (ذيل الكلب لن يعدل) ، غالبية زملائه في الجامعة كانوا يكرهونه و سجن على يده كثير من الطلبة حينها رآه عريف خالد صدفة قبل ثلاثة اسابيع بينما كان عائداً من اجازته الشهرية جالساً معه ببدلته الزيتونية في احدى السيارات العسكرية التابعة لمقرات الفيلق الخلفية. لمْ يره منذ تخرجهم من الجامعة قبل ثلاث سنوات . لقد استدرج خالداً في الكلام بكل هدوء وخبرة سنين وحاز على كل ما يريد من معلومات تخص خالد فاستدل على وحدته ومكانها؛ لكن خالد كان يعتقد ان الحرب تغسل النفوس ويكون عدوها واحد،وعند وصولهم قال لخالد : انا اعمل جندي في مكتب التوجيه السياسي للفيلق الرابع لو احتجت أي شيء سأساعدك..
كان نائب الضابط جالساً في سيارة (الواز) العسكرية الواقفة قرب الخيمة ينادي : أأنت جاهز يا عريف خالد ؟قال عريف خالد: نعم وضع بندقيته و فراشه وحقيبته في السيارة.. وانطلقت الى حيث لا يدري في اية معركة سيكون...








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - محبتي
هاتف بشبوش ( 2015 / 2 / 3 - 20:47 )
تحياتي الى المبدع الجميل على وصف العسكرتارية والمآسي التي حفرت في أكبادنا آلام لم تنسى , وطمست في عقولنا كل حقارة صدام وجلاوزته ,,,,, هاتف بشبوش


2 - شكر
جمال حكمت عبيد ( 2015 / 2 / 8 - 23:30 )
محبتي لك ايها الصديق والشاعر والناقد الجميل هاتف بشبوش

اخر الافلام

.. صباح العربية | الفنان السعودي سعود أحمد يكشف سر حبه للراحل ط


.. فيلم تسجيلي عن مجمع هاير مصر للصناعات الإلكترونية




.. جبهة الخلاص الوطني تصف الانتخابات الرئاسية بالمسرحية في تونس


.. عام على رحيل مصطفى درويش.. آخر ما قاله الفنان الراحل




.. أفلام رسوم متحركة للأطفال بمخيمات النزوح في قطاع غزة