الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


قراءة في ( فلسفة الطين ) للناقد وجدان عبدالعزيز

عقيل الواجدي

2015 / 2 / 2
الادب والفن





ديوان (فلسفة الطين) للشاعر العراقي ( عقيل فاخر الواجدي ) ، هي امرأة حملها الشاعر بلهفاته وحاول العبور وكانت محطاته مليئة بالانتظار بعد وقبل نشوب الحروب ، وكان يحمل ذاكرة مثقوبة بألم الفقدان والحرمان ، لكنه يمتلك القدرة في انتاج افكار تقترب من الافكار العلمية وتبتعد كونها مُعبّراً عنها بالشعر .. والشعر والعلم يبحثان عن نفس الحقيقة ، الا انهما يفترقان في كون العلم حقيقته مكتملة وممكن الوصول اليها ، اما الشعر يبحث في الاحتمال والممكن وبحثه يأخذ مسار البحث الجمالي ، كونه لا يتعامل مع اللغة المتعارف عليها ، انما يحاول المغايرة ، اضافة لهذا اجد ديوان (فلسفة الطين) استغرق مبدعه عقيل الواجدي بحساسية امتزجت بوعي على التركيب ، ليعطينا قصائدا يربطها خيط الوعي ، غير انها تشظت بمعاني عديدة وانحدرت في مجالاتها الاخرى باللاوعي ، واستطيع ان اشير ان الشاعر جسد حالة البحث عن الاشباع العاطفي ، وكأني به ، يقوم بحالة التعويض خلال ممارسته السرية مع الحرف والكلمة ، حيث قام بحالة التعويض عن حالات الفقدان ، ولهذا سكن الضمير الانثوي في اغلب قصائده ، وتعالت انفعالاته وصرخاته الصامتة، مما خلق لديه صور المفارقة والتكثيف والتقطيع الرقمي احيانا ..فأسلوب الفصل بالأرقام ، أي ترقيم المقاطع ، ابتداءا من الرقم (1)، وحتى آخر رقم، تنتهي به مقاطع القصيدة، ولاشك في أن أسلوب الفصل الرقمي هذا ينهض على دلالة سيميائية عامة، تفترض حالةً شعرية، تقوم على النمو والمضاعفة وتصعيد الحس التكاثري لعناصر التشكيل الشعري بين مقطع وآخر، ودل على ابداع واعي، و(يعرف شتاين الابداع بانه "عملية ينتج عنها عمل جديد يرضي جماعة ما او تقبله على انه مفيد" ويعرفه سيمبسون بانه "المبادرة التي يبديها الشخص بقدرته على الانشقاق من التسلسل العادي في التفكير الى مخالف كلية" ويعرفه كلوبفر بانه "استعداد الفرد لتكامل القيم والحوافز الاولية بداخل تنظيم الذات والقيم الشعورية ، وكذلك تكامل الخبرة الداخلية مع الواقع الخارجي ومتطلباته" ويتفق تورانس وجماعته على تعريف الابداعية بانها عملية يصبح الفرد بها حساسا للمشكلات والنواقص والفجوات في المعرفة والعناصر المفقودة وغيرها)1 ، وبالتالي خلق حساسية بمشاكل وحاجات واتجاهات ومشاعر الاخرين ، تجعله ذا معرفة بالاشياء الغريبة او غير العادية التي تكتنف الحياة ، وحينما تهذب هذه الحساسية ، تبحث عن الجمالي في مساحات ومسارات الحقيقة في عالم الشعر وعالم الفكر معا ، وتصاب بالانفعال الذي يؤدي الى الابداع ، (ويرى برجسون ان جوهر الابداع ، هو الانفعال ، ويعرف الانفعال بانه هزة عاطفية في النفس ، وينبه الى ضرورة التمييز بين نوعين من الانفعال ، انفعال سطحي "تحت عقلي" وانفعال عميق "فوق عقلي" والانفعال العميق هذا لا ينجم عن تصور بل يكون هو نفسه سببا لبزوغ عدة تصورات وهو جوهر الابداع ومنشأ الانفعال العميق هو الاتحاد المباشر بين العبقري وبين الموضوع الذي يشغله ، فاذا وقع هذا الاتحاد تبلور في حدس)1، والحدس هو الشعر .. يقول الشاعر الواجدي في قصيدة (ابواب الرغبة) :

(التكرار يوصد ابواب الرغبة في ان اجنح
نحو بقاياك بقبلة
ينسج الاف الاميال شتاء
تسّاقط اوراق الامل عنده
ويزكم انف النسيان بذاكرة ما عادت تألف غيره
يا وَشَكاً تَضّاحكُ ايامي اِذْ وَجَدَتْ لاشكَّ
انكِ من اَجلستَ النسيان حضوري
وتماديتَ فاَفرغتم كأسه
الليلة اخرس نهديك شفاها
واورد انفاس النسرين بلهفة
واقايض خيبات العمر كلمات
توشك ان تفضح بعضي اوكله)

جاءت هذه القصيدة تحمل بعضا من رؤية الشاعر التي تشظت عبر "28" قصيدة يلضمها ذلك الخيط الذي يشده بانفعال ، رغم انف النسيان اليها ، هي التي تسكنه وتقايض خيبات العمر بتمثلات الحلم وتساقط اوراق الامل ، والامل في داخل الشاعر يتنامى عن ضمير انثوي يعتاش على رغباته ولهفاته بـ(بنوازع مؤثثة) (يؤثث النوازع برغبة جامحة للسكون)، هذه الرؤية بامكانها اذكاء روح الحياة باوراق الامل ، كي تمطر المواسم بالذاكرة والفحولة .. وكما اسلفت ان الشاعر الواجدي يحاول التعويض عن التصحر العاطفي الذي عمقته مواسم الحروب من خلال الضمير الانثوي الذي يجدد فيه امل الاخضرار ، يعمق هذا من خلال اقواله في قصيدة (سلال النارنج) :
(هما عيناكِ
سلال النارنج
تبلسم ارصفتي بمناديل بيض
فاخيط سواتر هذا الحزن وطنا
يا وطنا ، بات يدحرج اثداء الغيم)

فالكاف المكسورة الضمير الانثوي، ذلك المهيمن الذي يجعل الواجدي يقارع الانتظار (بلهفة الواقفين صوب المرافيء)، ويشذب الوجود من اجل اللقاء المرتقب ، والظاهر هو مصاب بادمان انثى رمز التجليات (كرعشة الشهوات باصلاب المدمنين) والذين (يشحذون الخطى .. بمدية التفاؤل)، وهكذا يتحول الانفعال بداخله الى انفعال معقلن لايخلو من دالة فكرية ، وبهذا يصبح حساسا للمشكلات والنواقص والفجوات في المعرفة والعناصر المفقودة وغيرها ، تجاه المحيط الذي خلقته تلك الحروب والفقدانات المتكررة ، بدالة قول الواجدي نفسه :
(التكرار يوصد ابواب الرغبة في ان اجنح/نحو بقاياك بقبلة)، فتكرار مآسي الحرب يوصد ابواب الرغبة ، ويجعل حتى الآذان تختلس الدعاء .. وفي قصيدة (فلسفة الطين) تبرز انا الواجدي وانوية الشعر ، يقول د. محمد صابر عبيد: (تندرج هذه الثنائية في أدقّ تفاصيل اشتغالات الشاعر وأخطرها، ليس على صعيد الشعريّة العربيّة حسب، بل تمتدّ إشكاليتها إلى مشغل الشعريّة عند كلّ الأمم والحضارات. وينطوي أمر فحصها وتحليلها على مشكل حضاري يتعلّق بلغة الأمّة، وقابلية الشاعر على التصرّف بمادتها وخلق معناها، على نحو يتحقّق فيه منطق الكشف بما يسهم في دمج أنا الشاعر بذات الشعر، بحيث يمكن الاتصال بمقاربة العنوان "شعريّة الأنا وأنويّة الشعر" اتصالاً إشكاليّاً منتجاً، يخضع لآليّة تخصيب متبادلة بين ذراعي المعادلة.) يقول الشاعر الواجدي :

(دامع كالعوز في عين يتيم صباحي!
مؤجل فيه الندى والنسيم ووجهك
فانا من زرع السرفات على ذاكرته
وتوجس من عينيكِ ان تهزمه !!
انا، فلسفة الطين والمتعبين
ولحظة التدوين على نهديك
انا، من اوصد البحر دون نوارسه
واومأ للنسيان بذاكرة مثقوبة
الى أي
ايتها الافئدة الخواء
تشاطرين الارض موضع اقدامهم
على قلبي!!)

فهذا الصراع بين انا "الذات" والانا "الشاعرة" تجلى واضحا على اعتاب قصيدة النثر التي قامت على التركيز والتكثيف واعتمادها الايحاء والمفارقة ، بحيث غادرت النمطية النثرية ، حتى في ايقاعها المعتمد على خلخلة الانظمة الوزنية ، والاتجاه الى ايقاع الافكار والمعاني ، وهنا فان قصيدة النثر تمارس الاتصال بالكون والانسان والاشياء على نحو جريء وانساني ، يتسامى فيها الشعر فوق اللغة والمادة ولا يخلو هذا التسامي من تعالق رومانسي له غرض تأسيسي انساني مستثمرا علاقته بالمحيط، وليس هروبا كما تقره الرومانسية في بواكير بداياتها ... وظلت ذات الشاعر الواجدي متعلقة بقلقها وانفعالها بالوجود ، لهذا اتجهت الى التمسك بالانثى التي تلد له احلاما وامالا ، وهو يردد في قصيدة (طلاسم قلب) :

(وحدكِ
من يفك طلاسم هذا القلب
فأنتِ من ساق العشق اليه
وحدكِ
من سيجلد هذا الليل
بسياط أنوثتكِ
ويعرّي أزمنة الصمت
بلسان النشوة
أنتِ
ايتها العابرة نحو ركامي
لتوقد آخر اغصان اليأس
بربيع قادم
...
...
أنتِ
وحدكِ من سينسج أحلامي غبشا
وحمائما وسماءا)

وهنا تحققت رؤية الشاعر في ان سفينته لعبور المحنة ، هي تلك الانثى التي تنسج له الاحلام وتوقد آخر أغصان اليأس بربيع قادم ، وحملت قصيدة (رجما بالغيب) تناصات مع قصة اهل الكهف ، واشير ان هناك تناصات اخرى تستحق دراسة اي في قراءات لاحقة للديوان ، وجاءت قصائد (لافتات)، و(قصائد) مثلا بتقطيعات رقمية ، وسيبقى ديوان (فلسفة الطين) يتحمل اكثر من قراءة ، مما يعطيه شرعيته الشعرية ...



مصادر البحث :
1 ـ كتاب (الإبداع في الفن) قاسم حسين صالح دار الشؤون الثقافية العامة بغداد ط2 1986م ص 14 و76

2 ـ ديوان (فلسفة الطين) للشاعر عقيل فاخر الواجدي/تموز ـ دمشق /الطبعة الاولى 2015م








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فقرة غنائية بمناسبة شم النسيم مع الفنانة ياسمين علي | اللقاء


.. بعد تألقه في مسلسلي كامل العدد وفراولة.. لقاء خاص مع الفنان




.. كلمة أخيرة - فقرة غنائية بمناسبة شم النسيم مع الفنانة ياسمي


.. كلمة أخيرة - بعد تألقه في مسلسلي كامل العدد وفراولة.. لقاء




.. كلمة أخيرة - ياسمين علي بتغني من سن 8 سنين.. وباباها كان بيس