الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


اقتصاد الريع المرض المزمن المحبط بالمغرب

إدريس ولد القابلة
(Driss Ould El Kabla)

2015 / 2 / 14
الادارة و الاقتصاد


من حق الشعوب أن تستفيد من ثروات البلاد التي لا ينتفع منها أغلب الناس، والحق في العيش الآمن، والحق في الدفاع عن قناعاتها وأفكارها وإعلانها بكل صراحة وجرأة، والحق في اختيار من يرونه أهلا لتمثيلها.. وإذا نال الشعب هذه الحقوق التي ستتحول بفعل الزمن والوعي إلى واجبات وثوابت ومسلَّمات، فإنه سيميّز حينها بين حقائق التاريخ وبين ألاعيب ومكر السياسيين . وفي أحيان كثيرة، قد تجنب السياسيون والقائمون على الأمور منح كل هذه الحقوق للشعب، وذلك باللجوء إلى أساليب الخداع والتخدير والمكر السياسي.
منذ العهود الأولى للرأسمالية تصدى الرأسماليون لمختلف الأنشطة الطفيلية. و لقد وجد آدم سميث و ريكاردو، مفكرا الرأسمالية بامتياز، أنه بمقدار ما يتحول الفائض الاقتصادي إلى رأسمال مستثمر بمقدار ما تزداد ثروة الأمة و رفاه المجتمع، ليكشفا وجود صراع ليس بين الطبقة العاملة و البرجوازية، بل و بين هذه الأخيرة و الفئات التي تعيش على الريع معتبرين مصدر عيشها(الريع) انتقاصا من الربح الرأسمالي و بالتالي من التراكم أي من طاقة المجتمع على التقدم.
و اعتبارا للمنظومة الاقتصادية التي سادت ببلادنا على امتداد عقود و طبيعة العلاقات السياسية و الاجتماعية التي طبعت مجتمعنا ، فإن النشاط الريعي (نسبة للريع) عرف انتشارا ساهم بشكل كبير في خنق الاقتصاد الوطني، كما أدى إلى إهدار قدرات المجتمع على تجميع الشروط المواتية لتحقيق تراكم كاف كفيل بإعطاء انطلاقة عجلة صيرورة تنموية فعلية مستدامة. و قد سادت هذه الوضعية أكثر من خمسة عقود. و ها نحن الآن نجني النتائج الوخيمة لهذا المسار، و رغم ذلك مازال النشاط الريعي ضاربا أطنابه في المنظومة الاقتصادية و الاجتماعية و مازال يخنقها خنقا لدرجة الاغتيال.

النشاط الريعي ... ماذا يعني؟
حسب الباحث يحيى اليحياوي، يكمن الريع، بالمعنى السوسيولوجي الصرف، في الحصول على "ثروة" أو سلطة أو إكرامية أو امتياز، دون أن يكون مقابل ذلك استحقاق موضوعي ثابت، أو جهد جسدي أو ذهني مبذول، أو مسوغ قانوني يعطي المرء المستفيد "الحق في التمتع" بذات الامتياز دون سواه. ويكمن، في الاصطلاح العام، في استئثار من لهم قرابة أو قرب من السلطان، أو من لديهم نفوذ ما على صناع القرار، أو من لهم رأي وازن بهذا اللوبي أو ذاك، استئثارهم بغنيمة جزافية تمنحهم مداخل قارة، دون أن تنبني على حق مشروع أو اجتهاد خاص... إنه "مكرمة أتت من السماء".
يشمل النشاط الريعي، علاوة على التصريف الاقتصادي لحق الملكية (وهو الريع بالمفهوم الاقتصادي) مختلف أشكال المداخل الطفيلية المستحدثة غير الناجمة عن استثمار رأسمالي منتج أو عن عمل منتج، أو غير الربح النجم عن استثمار حقيقي منتج أو عن أجر العمل المنتج. علما أن القدرة على تحصيل المداخل الطفيلية مرتبطة بالأساس ببلادنا بطبيعة النظام الاقتصادي و الاجتماعي و طبيعة العلاقات بين الدولة و الأحزاب و النخب.
ويقوم اقتصاد الريع على أساس منح الامتيازات والخدمات وفرص العمل لصالح فئة معيّنة من دون مراعاة أي اعتبارات ترتبط بالمنافسة والكفاءة الاقتصادية.

أشكال مداخل النشاط الريعي
إن أشكال مداخل النشاط الريعي، التي خنقت و لازالت تخنق الاقتصاد الوطني كثيرة ومتعددة، منها المباشرة المفضوحة ومنها السرية و المتسترة والملتوية .
فهي نتاج لعوائد الاحتكارات المفتعلة و عوائد القرار السياسي الملتوية و عوائد القرار التنفيذي كالرشوة و المصاريف التحفيزية والإكراميات غيرها. و كل هذه الأنشطة ذات منبع غير إنتاجي، والكثير منها يمكن إدراجه في خانة الفساد.
عموما إن عبارة اقتصاد الريع بالمغرب، ارتبطت بشكل وثيق، بمجال توزيع الرخص سواء من أجل استغلال لاكريمات النقل أو مقالع الرمال والأحجار أو استغلال المناجم أو الصيد في أعالي البحار ... فعادة ما تعطى هذه الرخص لأشخاص بدواتهم بناء على اعتبارات، تجعل أصحابها يتوفرون على مداخل مالية دورية مما يرفع من مستوى ثرواتهم ودرجة اغتنائهم من دون بدل أي مجهود يذكر.وذلك عبر انتزاع فوائض اقتصادية مفرطة غير مستحقة خارج كل ما هو معروف في قوانين السوق.
علما أن هناك بعض المواطنين لا دخل لهم استفادوا من لاكريمات التاكسي، ويمكن اعتبار هذه الاستفادة شكلا من أشكال التضامن الاجتماعي، لكن يشكلون فئة قليلة نسبيا. علما أنه كلّما تقدّمت دولةٌ على طريق الديمقراطية وأصبحت السلطة السياسية فيها مُلزَمة بتبرير سياساتها وخاضعة إلى المساءلة والمحاسبة، اتجهت منظومةُ الامتيازات الريعية غير المبرّرة إلى الانهيار، ووحدُها المساعدات والتحويلات التي يعتبرها المجتمع مشروعة في إطار منظومة التضامن الاجتماعي، يمكن أن تحظى بالقبول.
وهناك أشكال أخرى من الريع ، منها الريع المرتبط بالمنصب و الريع المرتبط بالمشاريع العمومية للدولة.
فبخصوص الريع المرتبط بالمنصب، كان العديد من موظفي الدولة الكبار يجدون أنفسهم يحتلون مواقع اقتصادية استراتيجية تدر عليهم الملايير ويصبحون بين عشية وضحاها من كبار أثرياء المغرب. فتحمل المسؤولية مثلا في وزارة التجارة والصناعة وإشراف هذه الوزارة على منح رخص الاستيراد والتصدير ورخص تجار الجملة وصفقات توريد وتوزيع المواد الأساسية جعل الكثير من المسؤولين يستفيدون من موقعهم لمراكمة رؤوس الأموال بطرق شتى عبر شبكة من علاقات الزبونية والمحسوبية. والأمثلة كثيرة ومتعددة تكتسح مختلف القطاعات، الوزارية والمؤسسات العمومية، فكل موقع للمسؤولية كان ينتج شكلا من الريع المرتبط بالمنصب.
أما فيما يخص الريع المرتبط بالمشاريع العمومية للدولة، فكانت جميع المشاريع العمومية الكبرى المنجزة خلال عقدي ستينات وسبعينات القرن الماضي لا تستند على دراسات مفصلة للجدوى الاقتصادية، لذلك كانت هناك مبالغة ـ غالبا مبيتة ـ في تقدير كلفة المشاريع العمومية، وفي ضبابية مكونات هذه المشاريع. وبطبيعة الحال فإن المشرفين على هذه المشاريع كانوا يستخلصون منها فوائض مالية هائلة، تتحول ، تحت الطاولة، إلى رؤوس أموال خاصة وإلى استثمارات رأسمالية خصوصية بين عشية وضحاها.
وظلت رخص بيع الخمور خلال عقدي ستينات وسبعينات القرن الماضي تدر على أصحابها الملايير بدون القيام بأي جهد. ولا يمكن تفسير ذلك سوى بالقرب من السلطة والتعاون معها في الكثير من المجالات، وفي هذا السياق يتجلى ما جاء في اعترافات عميل المخابرات السابق البخاري وكيف كانت رخص بيع الخمور والحانات والمواخير تمنح للمتعاملين مع هذه المخابرات وكيف كانت هذه المواخير نفسها تمول الصندوق الأسود للمخابرات.
ومن الأشكال المتسترة للريع م جاء في إحدى مقالات الباحث يحيى اليحياوي... لا يختلف الريع (والفساد المترتب عنه) المتأتي من قطاع الإعلام والاتصال، لا يختلف كثيرا عن ريع النقل والمقالع والمناجم وأعالي البحار. إنهما ينهلان معا من نفس الإناء، ويتقاطعان بعمق في الصفة والطبيعة... فعندما تمنح مؤسسة الإذاعة والتلفزة الوطنية مثلا، لشركة في الإنتاج قائمة أو وهمية، عندما تمنحها عقودا بملايين الدراهم لتصميم منتوج ما أو صياغة برنامج ما، ولا تفي الشركة إياها بالمهمة أو تفي بها دون الحد الأدنى من الشروط، ويقبل منها العمل دون تدقيق، فإنما يدخل ذلك في نطاق الريع الخالص، في شكله كما في مضمونه. الشركة هنا تكون قد استفادت من المال العام، لكنها لم تنجز ما يبرر الاستفادة، أو تنجزه بمستويات في الجودة متدنية... وعندما تعطى مؤسسة دون غيرها امتياز احتكار اللوحات الإعلانية بالشارع العام وبالأماكن العامة الإستراتيجية، أعني المرتادة بكثافة، ولا تلتزم المؤسسة إياها بأداء واجباتها الجبائية لفائدة الدولة أو الجماعة فإن هذا ريع أيما ريع... إنها كلها حالات ريع بامتياز، لا يبذل فيها أصحابها ذرة جهد لشرعنتها أو تبييضها بمنطوق الشرع والقانون.
إن رصد تطور اقتصاد الريع ابتداء من عقد الستينات إلى أواخر عقد السبعينات ينطلق من الريع المرتبط بحجم تدخل الدولة عبر قطاعها العمومي في جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية. وانطلاقا من الهيمنة البيروقراطية والتقنوقراطية الواسعة لموظفي الدولة على الوحدات الإنتاجية تطور الشكل الجديد لاقتصاد الريع والمندمج بالأداء الاقتصادي الرأسمالي. مثل الريع المرتبط بالاقتراض الخارجي والريع المرتبط بالمضاربة العقارية.
عموما يأخذ الريع أشكالاً عدة، منها ما هو واضح جداً للعيان، مثل الرخص و الممنوحة المذكورة أعلاه. وهناك أشكال مستترة، إذ تُستخدَم العديد من السياسات العامة بهدف توجيه المنافع الريعية إلى فئات محددة. وهذا ما كانت عليه الحال فيما مضى مع سياسة المغربة، ومنح تراخيص الاستيراد أو الحماية التجارية لبعض المنتجات من دون غيرها، أو حتى إعطاء القروض المدعومة لقطاعات معينة. وهذا ما يُترجم نفسه اليوم من خلال الإعفاءات الضريبية الجزئية أو الكلية التي تستفيد منها بعض الأنشطة أو بعض المناطق. هذه أيضاً هي حال بعض المساعدات الحكومية النقدية أو العينية، من قبيل توفير دعم حقيقي لبعض المشاريع الخاصة في قطاع الصناعة أو الزراعة أو السياحة ضمن سياسات ما يُسمّى بتشجيع الاستثمار.

السلبيات الوخيمة
أضفى الطابع الريعي للدولة وللاقتصاد و المجتمع صفات سلبية على الحياة العامة و قوّى عوامل ودوافع الانحلال و التفسخ واللامسؤولية والاستهتار، كما ساهم في اغتيال النزاهة و روح الخلق والإبداع و المبادرة والشعور بالمواطنة الحق.
لقد ضرب النشاط الريوعي معدل التراكم الرأسمالي ضربات مؤلمة على امتداد عقود، ممّا حرم البلاد و العباد من الاستفادة النسبية من ثمرات فترات الازدهار الاقتصادي التي عرفها المغرب، إلى حد أن الثروات الوطنية أصبحت حكرا على أقلية تكاد تبين. و هذا ما عرقل آليات التراكم الرأسمالي المنتج أو ترقي التنمية البشرية، وانحصرت الاستفادة من خيرات البلاد على فئات طفيلية متسلطة على ميزانية الدولة و القطاع العام و القطاع الخاص، ساهمت في تضييع الفرص و كرست الانحلال و التفسخ و تهميش القانون و الدوس على الأخلاق المهنية، مم انعكس على الأجيال على امتداد أكثر من 5 عقود.
كما أن جملة من المبادرات والإصلاحات على الصعيد الاقتصادي سرعان ما فقدت مدلولها بفعل اقتصاد الريع و الإكراميات عبر شبكة من الزبونية وعلاقات الولاء النفعية والانتهازية.
فقد ظهر مع الوقت أن الريع والفئات المستفيدة منه شكلا دائما عِـبئا على السلطة بعجزهما عن القيام بدور اقتصادي في سيرورتها، بل إن ارتباطه بالسلطة ظل مطبوعا بالطفيلية والظلم والجشع مما أفقده الاحترام والامتداد الاجتماعي وجر الحقد الشعبي على السلطة. إن اقتصاد الريع في المغرب انعكس على المجال الاقتصادي والاجتماعي، عبر ضياع ملايير الدراهم وتكريس اختلال مستدام لمعادلة التوزيع العادل للثروات. وذلك لأنه يستنزف ميزانية مهمة من الاقتصاد الوطني وبالتالي يحرم العديد من المواطنين المحتاجين والمعوزين من الاستفادة من خيرات هذه البلاد. فهو في آخر الأمر انتقاص من الرأسمال الوطني وليس زيادة فيه، و بذلك يخلق خللا في آليات ومنظومة التنافس وتطوير الثروة الوطنية.
فقد أجمع الاقتصاديون أن الريع يعتبر مُقوّم ومرتكز أساسي للفساد الاقتصادي وحتى السياسي. ويساهم الريع في تشكيل فئات اجتماعية تمثل الرأسمال الاجتماعي للسلطة القائمة، لأنها ستظل تسعى للإبقاء واقع الحال مقابل الاستفادة والانتفاع. ومن هذه الزاوية، يأخذ شكل وسيلة للإذعان والقبول بالوضع القائم.
فلا يخفى على أحد الآن أن ضعف الطبقات الوسطى وارتهالها يشكل معضلة كبيرة لن تستقيم معها أي استراتيجية للتنمية مستدامة فعلية. والريع بفعل قيامه بتوسيع الهوة بين الفئات الاجتماعية يساهم بشكل كبير في نسف شروط وعوامل بروز طبقة وسطى التي يمكنها أن تحفظ نوعا من التوازنات الاجتماعية. فسيادة الريع وآلياته، ساهمت بشكل كبير في حشد الوصولية. وتأكد هذا المظهر بشكل جلي في المجال الثقافي والمعرفي، حيث عاينا كيف ساهم منطق الريع في صناعة نخبة من المثقفين الوصوليين الذين تخصصوا في تمجيد وشرعنة واقع الحال المزري، ولو باعتماد التضليل والتبرير.

الريع وتماسُك النسيج الاجتماعي
في اقتصادٍ يهيمن عليه النشاط الريعي، غالباً ما ينزع أصحاب الشأن إلى الانحراف والفساد. فتلقاهم يهدرون وقتهم وأموالهم سعياً وراء المنافع الريعية والاستفادة منها. ويبتعد المستثمرون عن الأنشطة الخاضعة إلى قواعد المنافسة التي تتطلب جهود ابتكار وإنتاجية، مؤثِرين عليها الأنشطة التي توفر الوصول إلى فرص الربح الريعي دون مجهود ومخاطرة. وهم غالباً ما يكونون على استعداد لانتهاك القانون أو اللجوء إلى الفساد لاستحداث ربح ريعي أو الحفاظ عليه أو الاستفادة منه بأي وسيلة. وبذلك يتحول اقتصاد الريع إلى معقل للزبونية والمحسوبية والولاء الأعمى والتبعية والاحتكار. وظل الاقتصاديون يعتبرون أن اقتصاد الريع باتت يشكل حجر عثرة أمام التنمية السوسيواقتصادية.
إن انتشار اقتصاد الريع يقوّض على نحو خطير تماسُكَ النسيج الاجتماعي. فالأفراد يمكن أن يقبلوا برحابة صدر أن يغتني البعض على أساس الجهد والجدارة، غير أنهم يكونون أقلّ تسامحاً حيال أولئك الذين ينجحون من خلال التلاعب بالقواعد والتحايل عليها وعبر استغلال امتيازات تُمنَح لهم دون سوهم من المحتاجين.
وتتطلب مكافحة اقتصاد الريع بالمغرب ، رؤيةً شمولية واضحة المعالم ومحددة الأهداف والمرامي ودقيقة المقاصد، وكذا نهج تدبير رزين وجهوداً حثيثة. فلن تكون المهمة سهلةً، ولاسيما أنه يتعيّن على الجهات الراغبة في الإصلاح والتغيير أن تواجه مقاومة المستفيدين الذين سيعملون كل ما أوتوا من قوّة وحيلة لحماية مصالحهم والإبقاء على الوضع الراهن على ما هو عليه. وفي هذا السياق سبق لحسن حداد الخبير الدولي في مجال التدبير الاستراتيجي وتدبير المشاريع والموارد البشرية، أن أقرّ أن هناك لوبيات في المغرب لها مناعة كبيرة، حيث لا يطالها الإصلاح الذي يتوخاه أغلب المغاربة، ويمكن القول إنه من مظاهر مقاومة الإصلاح. فعلى الرغم من الإرادة السياسة لدى الدولة لمحاربة اقتصاد الريع، فإن قوة هذه اللوبيات ومراكز النفوذ الاقتصادية كبيرة جدا. كما أنه على الرغم من العمل على إزالة بعض مظاهر الريع، فقد تم إحداث عدد آخر منها، وفي ظل غياب سياسة عامة حول إصلاح الاقتصاد والشغل، حتى يمكن الخروج من مظاهر الريع فيما يخص النقل أو الصيد البحري، لا يمكن محاربة هذا الريع، ما دام هناك بعض دوائر النفوذ لها من القوة لضرب الاقتصاد المغربي إذا لم تستفد من الريع، وهناك أفراد ، استفادوا من اقتصاد الريع لعقود من الزمن، ولا يريدون أن يتم انتهاج مبادئ الشفافية والتنافسية.
أما الراحل إدريس بنعلي، المحلل الاقتصادي، سبق أن قال في أكثر من تصريح، إنه بات ضروريا إعطاء مجلس المنافسة مجموعة من الصلاحيات لكي تفرض قواعد اللعبة على الجميع، وتفرض قبل كل شيء الشفافية على الجميع، على اعتبار أن الشفافية هي الأمر الأساسي للقضاء على الريع. مؤكدا أن الجهات التي تستفيد من الامتيازات ما زالت هي المسيطرة على الاقتصاد بصفة عامة بالمغرب.
وينبّه الباحث يحيى اليحياوي قائلا ... طالما لم يتدارك النظام نفسه، ويتخلص من ذات المنظومة ـ أي اقتصاد الريع ـ فإنه قد يذهب بجريرتها آجلا أم عاجلا، ويدفع بالتالي ثمن سذاجته وعدم إدراكه لمقاصد المنظومة المحيطة به.
فمنذ مدة طرحت بقوة مسألة اقتصاد الريع على الساحة السياسية المغربية، على اعتبار أنها قضية معيقة للتنمية، ومعيقة للديمقراطية، وبالتالي معيقة للمواطنة وحقوقها في دولة الحق والقانون.

الرجوع إلى التاريخ
يجمع المؤرخون على أن ظهور اقتصاد الريع بالمغرب، يعود إلى عشرينات القرن الماضي، على يد إدارة المقيم العام الفرنسي الجنرال اليوطي، الذي منح المنافع الريعية بداية للمستعمرين من أجل دعم إدارته عسكريا وزراعيا واقتصاديا، والعمل معه من أجل تحقيق أهدافه السياسية.
ثم بعد ذلك توجه بهذه المنافع إلى شيوخ القبائل وكبار رجال الدين، وشيوخ الطرق الصوفية، إضافة إلى مجموعة من رموز المخزن من قواد وباشوات وموظفين كبار وتجار وأعيان وعملاء سلطة، مقابل ولائهم ودعمهم السياسي ، وهذا ما ساهم في تراكم ثروات فئات جديدة، تحولت إلى طبقة إقطاعية، من دون بدل أي مجهود، سوى دعم إدارة الحماية، بالنفوذ القبلي أو العائلي أو السياسي.
وكان الريع هو الثمن الذي دفعته إدارة الحماية في بداية عهدها للمستعمرين الفرنسيين، وللعملاء المغاربة لقاء خدماتهم المتمثلة في فرض سيطرة الإدارة الاستعمارية على البلاد وإخضاع قبائلها ومدنها ونخبها بكافة الوسائل.
وحافظ المغرب في عهد الاستقلال على هذه البنيات التي غدّاها الاستعمار بقوانينه وأساليبه، من خلال تركيز ثقافة الريع التي أصبحت سائدة بموازاة الهيمنة السياسية والاجتماعية ، حيث اعتمدت دولة الاستقلال على هذه الثقافة، بخلق طبقة ثرية جديدة من ضباط الجيش والأعيان والبيروقراطيين ورجال السلطة، وهي ذات الفئات التي استفادت من تأميم ممتلكات المعمرين الفرنسيين من ضيعات ومصانع وعقارات و رخص نقل وصيد ومقالع ومناجم...
وظل القرب من دوائر صناعة القرار والقرابة والموالاة، أهم وأوضح السبل للاستفادة من الريع. وهذا السبيل أبرز بجلاء علاقة الريع بالتسلط. وفي هذا النطاق اعتبر الكثيرون أن الريع يمثل قوّة ناعمة لإبقاء الحال على ما هو عليه دون المطالبة بتغييره. وظل أقصر السبل وأجداها للاستفادة من الريع ببلادنا، التودد والتملق للقائمين على الأمور. وبقي نوع من أنواع الصراع والمنافسة لنيل حظوة القرب، فالقرب أو التقرب هو أوسع بوابة للانتفاع بالريع وآلياته. وبات القرب من السلطة ونيل رضاها الطريق السيّار للفوز من حصة من كعكة الريع.
فأشكال الريع وتمظهراته الكثيرة والمتنوعة،، العينية منها و المعنوية ـ الريع على شكل مناصب ووظائف واحتكار وهبات وإكراميات وامتيازات اقتصادية وإعفاءات ـ لا ترقى إلى حق، إذ يمكن سحبه في أي وقت وحين، وهنا يتجلى جانب الريع كقوّة ناعمة للإخضاع أو ما يسمى بــ "قبلة الموت الاعتباري".
وقد ساهم الريع بدرجة كبيرة في هدم مسار التنمية. فبعد الاستقلال بقليل استفحلت أمراض الحزبية والوصولية والمحسوبية والرشوة استفحالا عظيما ، لتصير بذورا لما نحصد ثماره اليوم من الويلات والمعضلات المستعصية عن الحل.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إسبانيا تبلغ المربع الذهبي بعد انتزاعها فوزا ثمينا من البرتغ


.. لأول مرة في التاريخ.. وكالة ناسا للفضاء تعلن نجاحها في تغيير


.. ماذا حققت تجربة ناسا عبر اصطدام مركبة بكويكب؟




.. لميس الحديدي: أتوقع حل مشكلة استيراد مستلزمات الإنتاج خلال


.. منها الثقة وحل مشكلة استيراد مستلزمات الإنتاج..لميس الحديدي