الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


لوحات ياروسلاف كوكوفسكي

يحيى البوبلي

2015 / 2 / 21
الادب والفن


يتطلب الأمر أكثر من مجرد بضع كلمات لوصف أعمال ياروسلاف كوكوفسكي. أحد العناصر الأكثر تكراراً في أعماله هي الأشكال الجسدية المنحَلّة والمعدَّلة. في لوحاته قد تجد سرعوفاً له جلد إنسان، دبابة بمدفع على شكل قضيب، أو ملاكاً ممسوخاً. كل هذه الأشكال تعبّر عن سخرية من عبادة الجسد التي تسيطر على عالمنا الحديث.

يعتبر ياروسلاف كوكوفسكي أحد أهم الشخصيات الفنية، ليس فقط في بولندا وإنما في العالم. ولد هذا الفنان المعاصر عام 1972 في مدينة تتشيف شمال بولندا. خلال مسيرته، شارك بالعديد من المعارض، ابتداء من بولندا ومن ثم أوروبا والولايات المتحدة.

إن الصفات الأساسية لأعمال كوكوفسكي هي وجود درجة عالية من الحِرَفية واستخدام تقنية الخداع البصري في لوحاته. هذا الخداع يتيح للرسام إضافة مقدار كبير من الواقعية للشخوص والأشياء، وخلق عمق للصورة أيضاً. ثلاثية الأبعاد هذه في التصوير ودقة الإعداد لأدق التفاصيل تعطي المشاهد الفرصة لأن ينغمر بمستوى جديد من الواقع، كأنه يلمس ما لا يمكن لمسه! بالإضافة لأعماله الواقعية وما فوق الواقعية، لدى كوكوفسكي نمط آخر أكثر "اقتصادية" من اللوحات. النمط عند كوكوفسكي يعتمد بشكل كبير على محتوى اللوحة؛ فهو يعمد لإبراز مواضيع اجتماعية وثقافية في العديد من لوحاته، كما أن هناك عدداً لا بأس به من اللوحات تتحدث عن مواضيع أكثر خفة، كرسم لوحات عما يراه في أحلامه.

المُخرَج الفني لكوكوفسكي يتمثل بعدد قليل من السلاسل. إحدى هذه السلاسل تسمى "اللا أحلام". تسيطر على اللوحات في هذه السلسلة شخصيات مبسّطة يتخيلها المشاهد مصنوعة من البلاستيك، تتحول أحياناً إلى مجسمات غامضة لوحوش أو أجنّة مشوّهة. هناك علاقة جدلية آسرة بين نمط رسم هذه المخلوقات وطبيعة محدوديتها وانحرافها. إن التشوه الحاصل فيها هو نتيجة للألم الداخلي. يقول كوكوفسكي: إن الشخوص المشوهة في سلسلة "اللا أحلام" لا تظهر القبح البشري بالطريقة التي يتم بها بالعادة تفسيره. ولا يخفى أن هناك مخلوقات في المملكة الحيوانية أكثر حيوية من الإنسان. تشوه الشخوص هو في النهاية نتيجة للمعاناة.

قد يكون التشوه الحاصل في شخصيات كوكوفسكي نوعاً من السخرية من عبادة الجسد، كما ذكرنا سابقاً. إن معايير الجمال كما تنقل لنا عبر الإعلام تتمثل بالنساء النحيفات ذوات الصدور الكبيرة والشفاه المنتفخة بالسيليكون، وكذلك الرجال ذوي الأجسام العضلية. يقارب كوكوفسكي هذا الموضوع بكثير من السخرية والدعابة. في لوحة عنوانها "انتظار حبيب"، عرض الرسام جسداً مشوهاً لامرأة حورية. جسدها العارم المستند على كوعها وسيقانها المنحنية يندلق على الأرض بفعل وزنها. ساقاها تتحولان لزعنفة من الركبتين وأسفل. رأسها صغير جداً بالنسبة لحجم جسدها. يركز الرسام على ملامح المرأة مبقياً على عنصر الإثارة الجنسية. الربّة المثيرة هنا هي امرأة سمينة، قد لا تبدو جذابة لمعظم الناس!

في سلسلة "لوحات جصيّة"، تظهر صورة مغايرة للمرأة؛ الرسم هنا أكثر رقة. تسيطر الأحداث على هذه السلسلة موضوعياً، كما نستطيع إيجاد صور وجوه، صور طبيعية، وطبيعة ميتة. ما يربط بين هذه اللوحات هو نمطها الجصّي وتقنية خروج صورة من صورة أخرى. خلق كوكوفسكي من خلال هذه التقنية فضاءً على سطح ثنائي الأبعاد. تتمثل هذه الطريقة برسم لوحة قد سقطت وكشطت بعض أجزائها لتظهر تحتها لوحة أخرى. النظر لهذه اللوحات يخلق إحساساً بمرور الوقت، وبتداعي الجمال الإنساني. هذه التراكيب التي تذكرنا بالاضمحلال والتلاشي تخلق مزاجاً سوداوياً.

في كثير من الأحيان، يوصف فن كوكوفسكي بأنه مثير للجدل. في عصرنا للأسف أي شيء يخالف السلطة السياسية يوصف بأنه مثير للجدل، وأحياناً تستخدَم أوصاف أكثر قساوة (من قبل جوقة من المنافقين) لإدانة ما يخالف السلطة. كل ما يوافق السلطة يُمدح ويُهلل له على أنه إبداعي وممتاز على الرغم من عدم إتقانه. يحترم ياروسلاف كوكوفسكي الدقة والنظام والتقنيات في رسم الأشكال، وهذا واضح في أعماله. هذا بطبيعة الحال يعاكس "الفن" الذي ينشر في المعارض الفنية الحديثة وينقل لنا من خلال وسائل الإعلام، ذلك "الفن" الذي أسقط التقنية والمهارة في سبيل البهرجة والهراء والفلسفة الزائفة لتغطية حقيقة عدم امتلاك الموهبة.

يمتاز كوكوفسكي بحساسية كبيرة تجاه الطبيعة البشرية، الداخلية والخارجية. يمتاز كذلك بالخيال الخصب جداً والمهارة العالية، وهو دائماً يبحث عن إبداع أنماط وصور غير مسبوقة. إن فن كوكوفسكي، بعديد من الطرق، ليس للجميع، وبالتأكيد ليس لمن يتخذون نقد الفن وظيفة لهم، وهذه ميزة عظيمة لكوكوفسكي.

أرفق هنا رابط موقع الفنان لمن يحب مشاهدة لوحاته:
http://kukowski.pl/
كما أن معظم ما ورد في المقال هو ترجمة لمواد موجودة في الموقع.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هام لأولياء الأمور .. لأول مرة تدريس اللغة الثانية بالإعدادي


.. اعتبره تشهيرا خبيثا.. ترمب غاضب من فيلم سينمائي عنه




.. أعمال لكبار الأدباء العالميين.. هذه الروايات اتهم يوسف زيدان


.. الممثلة الأسترالية كيت بلانشيت في مهرجان -كان- بفستان بـ-ألو




.. مهرجان كان 2024 : لقاء مع تالين أبو حنّا، الشخصية الرئيسية ف