الحوار المتمدن - موبايل


تشكل إبداعي للتجربة الأنثوية في ديوان على طريقة بروتس لحنان شافعي

محمد سمير عبد السلام

2015 / 3 / 10
الادب والفن


(على طريقة بروتس) ديوان للشاعرة المصرية (حنان شافعي)، صدر عن دار شرقيات للنشر بالقاهرة سنة 2009، وتتميز كتابة الشاعرة بتأكيد خصوصية وعي الأنثى، وأخيلتها الإبداعية؛ فصوت الذات المتكلمة الفريد يتعدد في حالاتها النسبية، وفي تداعيات الكتابة، كما تتداخل إنتاجية النص الشعري مع الواقع، و الهوية الجمالية الداخلية للصوت في سياق ما بعد حداثي، يؤكد انخراط الذات في الأداء، و اللعب، و التأويل المقاوم للمرجعيات المركزية المهيمنة؛ فهي تستدعي أطيافا ثقافية من التراث، والأعمال الأدبية، والفلسفية؛ كي تعيد إنتاج حالات الذات، والآخر وفق منظور نسبي متعدد، ويسائل الهوية الأنثوية الأولى، بينما يجدد حضورها التمثيلي الجمالي في الكتابة؛ فتداعيات النص تؤكد رؤية (جوليا كريستيفا) حول تعددية النص، و تحويله المستمر للواقع، والتاريخ، والتراث؛ ومن ثم نعاين اكتشافا تحويليا للذات، وشخصيات الأدب من خلال تقنية التناص؛ فهي تستدعي تأويلا متجددا للنص الأول باتجاه تجدد حالات الذات، وتمثيلاتها الشعرية الجمالية فيما يشبه القراءة التنقيحية، أو القراءة الضالة وفق (هارولد بلوم)؛ وكأنها تتناص مع (شكسبير) بصورة فرويدية تؤكد النص الأسبق / الأب، بينما تحاول استبدال حضوره الأول في النص الآخر؛ فبروتوس في ديوان (حنان شافعي) يبدو متحولا في عالمها الداخلي، و يلج حالة من الأداء السردي البكر للمتكلمة؛ وكأنه يستعيد قوة الشخصية في نص (شكسبير)، بينما يجردها من البنية الشاملة للمأساة؛ وكأنها تتجدد في حضور يشبه الحضور الأول، ويفككه في آن.
إننا أمام تداعيات تؤكد وجود فراغات إبداعية لعبية في منطق الاتصال بين العلامات النصية؛ فأطياف الماضي تكتسب قوة جمالية تتجاوز البنى التاريخية، والثقافية الأولى، وتستدعي بكارتها في سياق آخر متجدد، يعيد الوعي الأنثوي اكتشاف نفسه فيه بصور تسائل الهوية، و تجمع بين الأصالة، وإيماءات التحول، والتناقض، والغياب في الأخيلة، والتشبيهات.
المتكلمة تستعيد غياب بروتس كرغبة، لا كحدث، وتكسب فاعليته في التغيير حضورا تمثيليا أدائيا ساخرا؛ فهي تستنزف الغياب من خلال حضور تمثيلي آخر بديل يبدأ من عالمها الداخلي، ومناطق التعدد الكامنة في أصواته الجمالية النسبية، وأطيافه.
وهي تقرأ الآخر / الذكر، والأشياء الصغيرة، وحالاتها المتغيرة في الكتابة من منظور ذاتي أنثوي في التصوير، واللغة، والرؤية المؤولة للتراث، والتاريخ؛ ومن ثم تؤكد التيمات الفنية المتعلقة بالوعي النسوي بالوجود؛ فالآخر ينبع من عالمها الداخلي، وتناقضاتها الإبداعية.
وبصدد خصوصية التجربة الأنثوية، ترى الناقدة الفرنسية (هيلين سيكسو) أن المرأة ينبغي أن تكتب نفسها؛ فذلك يمثل كتابتها الجديدة المتمردة، وحين تتحقق حريتها، سوف تسمح بإكمال الفراغ الرئيسي، والتحولات في تاريخها عبر مستويين؛ الأول يخص هويتها الفردية؛ فحين تكتب نفسها ستعود إلى الجسد الذي يتجاوز فكرة الامتلاك، ويستحيل إلى حالة من تجاوز المألوف في الرؤية، والإحساس بالألم، أو بالشكل الاستعاري للموت؛ أما الثاني فيتعلق بالتحدث عن المهارات الفريدة، والأخيلة الأنثوية الإبداعية في كل من الكتابة، واللغة الشفاهية.
(Read / Helen Cixous / The Laugh of The Medusa / Translated by Kieth Cohen and Paula Cohen / Jastor.org with Chicago University 2009 at: http://www.dwrl.utexas.edu/~davis/crs/e321/Cixous-Laugh.pdf)
تتناول (هيلين سيكسو) الهوية الأنثوية كمجاز يتعلق بخصوصية اللغة، والكتابة، والتناول الاستعاري للجسد، وللموت، وتأكيد إنتاجية الأخيلة وفق عالم المرأة الداخلي، وتحولاته المتجددة، والممثلة لهويتها الجمالية.
وسنلاحظ أن حوارية المتكلمة – عند حنان شافعي - مع صورها، أو مع صورة الرجل تنبع من إنتاجية أنثوية تأويلية، ومتمردة على تاريخها التقليدي؛ لتؤكد حضورها الآخر من جهة، وتناقضاتها التي تستعيد الموت؛ لتفككه من جهة أخرى.
وابتداء من عتبة العنوان / على طريقة بروتس، نلاحظ تأكيد الشاعرة لفكرة الحضور التمثيلي للذات، وشاعرية التجربة التي تقع بين الواقع، وتداعيات النص، وعلاماته الأدبية، والتاريخية المحتملة.
أما عتبة الإهداء فتعكس أصالة الذات المتمردة، ومساءلتها المستمرة للحظة الحضور من جهة، ولفكرة التمرد نفسها من جهة أخرى؛ فهي تؤكد ارتباط التمرد بثمن تتحمله، ومن هذه المساءلة المستمرة يتولد الاختلاف، والتعدد في النص.
ويمكننا ملاحظة ثلاث تيمات فنية في الديوان؛ هي الحضور التمثيلي للذات، والتمرد، والسخرية، والتشكل الإبداعي للتجربة الأنثوية.
أولا: الحضور التمثيلي للذات:
تكتسب الأنثى حضورا تمثيليا متجددا من تحولات التراث، ونصوصه، وشخصياته في النص؛ فيجمع صوتها بين أصالتها الممثلة لعالمها الداخلي، والحضور التمثيلي الجديد للهوية؛ وهو يتشكل من تداخل الأنا و الآخر / التمثيلي الذي يقاوم الماضي حين يتحد بالأنثى، ويعيد تمثيله مرة أخرى حين يستدعى من التراث.
وقد تجمع بين إيحاءات الصمت، والتأويل الثقافي المجازي للأنثى المتمردة في قصيدة (بحثا عن منطق للهروب)؛ فأطياف التراث تستعاد في الخبرة الحسية للمتكلمة، وواقعها اليومي في المكان / المدينة، و حواريتها مع الآخر الذي يتصل بعالمها، ويبدو كآخر مختلف في الوقت نفسه.
تقول:
"كونفوشيوس الذي علمه الصبر
هو نفسه الذي أوصاني
ألقنه الجنون
الفرق بيني و بين فرويد
- الذي يحبه أكثر –
أنه ركب القطار مبكرا ......
لن أمانع
أن أترك له يدي
مقابل الصمت
أو أن أعالجه من فوبيا عبور الطريق
مقابل أن يكف عن ترجمتي
إلى أفكار".
تأتي أطياف كونفوشيوس، وفرويد، ولاوتسو ممزوجة بنغمة الصمت، وبدء تشكل لغة صامتة جديدة للجسد، وللهوية الأنثوية، إنها تعيد اكتشاف التراث، وحضور الذات التمثيلي الممكن في الاتصال بصورة فرويد، وإيحاءاته مثلا؛ فهو يستدعي غرائز الموت، والحياة، والتحليل، وأرض اللاوعي التمثيلية للواقع؛ فهل تمثيلات اللاوعي تقرأ حالة الانخراط الأدائي المتجاوز للتخطيط في صيرورة المتكلمة؟
وهي تستدعي (كونفوشيوس) بحكمته السلوكية الإيجابة، وصمته إزاء الحياة، والموت، والمرض، ويشكل تناقضاتها الأنثوية التمثيلية بين الانحياز الإيجابي للأفكار الفلسفية، ورغبتها في الصمت؛ لأجل البحث عن تجاوز للمألوف؛ أما الطاو فيستعيد الدائرية، والتجاوز، ويمثل الهوية الأنثوية التي تبحث عن الاستنزاف المستمر لشكولها التاريخية المحددة باتجاه اللامحدود، أو العالمي.
وتجمع بين الفاعلية المجازية الكبيرة في النص، والأداء التمثيلي المسرحي للانتحار أو الفراغ في قصيدة (الموت على طريقة بروتس).
تقول :
"أسمح لمياه القطبين أن تنصهر
وأرغم الأرض
أن تتخلى عن جاذبيتها
بين اللحظة و الأخرى
أقف أمام المرآة
أتحسس أعضائي
أدربها كيف تتبعني في هدوء".
تكتسب الشخصية القوة المجردة لفاعلية بروتس من الماضي في سياق نصي آخر، وحضور تصويري بكر؛ وكأنها تقاوم النص الأول / الأب، بينما تستعيد فاعليته الأدبية الكبيرة، و تمزجها بتقنية المحاكاة الساخرة ما بعد الحداثية؛ فالمتكلمة تعي حضور جسدها من خلال وهج بروتس، وتمزج بين الهيمنة على العناصر الكونية، والسخرية المجازية من الفاعلية في مستواها الكوني في آن، كما تفكك مدلول الإرادة من داخل الوصول إلى مستواها الدلالي الأقصى.
و تستخدم القراءة التنقيحية الضالة طبقا ل (هارولد بلوم) حين تستنزف موت بروتس، والموت بمدلوله الفلسفي باتجاه التحول المرح، أو الغياب في حالة تشبه النيرفانا المتجاوزة للألم، والوجود الشخصي المحدود.
تقول:
"الآن فقط
أشعر بحاجتي
إلى آلاف الأقراص المنومة
وقديس
يعدني بالغفران".
توقع بروتس في (يوليوس قيصر) ل (شكسبير) أن أجله قد دنا حين رأى شبح قيصر يتكرر في أحلامه، ثم قام بالانتحار عقب أسر قوات أنطونيو له، بينما يرى أنطونيو أن بروتس كان نبيلا.
و في نص (يوليوس قيصر):
"بروتس: وداعا يا عزيزي ستراتو. (يلقي بنفسه على سيفه) فلتهدأ الآن يا قيصر. ما كان قتلي إياك بأرضى لي من قتل نفسي.
......
أنطونيو: قد كان هذا الرجل أنبل الرومان .. كل المتآمرين عداه فعلوا ما فعلوه بقيصر العظيم عن حسد له. أما هو فما انضم إليهم إلا عن رغبة مخلصة في خدمة روما و أهلها".
(راجع / شكسبير / يوليوس قيصر / ترجمة: حسين أحمد أمين / دار الشروق بالقاهرة / ص 132 و 133).
لماذا استعارت (حنان شافعي) نبل بروتس، وانتحاره، وتناقضاته؟
إنها تحرف تلك التناقضات لتؤول عالم المتكلمة الداخلي، و تستنزف الموت من خلال الطاقة الجمالية للغياب، إنها تؤدى الموت بصورة سردية استعارية تعيد تمثيل حالة تشبه الفراغ أو الصمت عند (صمويل بيكيت).
أهو إحساس أنثوي استعاري بالألم؟ أم أنه تجاوز لعبي مستمر لمركزية الموت الذي بدا كغياب في عالم النيرفانا، وتجاوز الألم الشخصي.
بدا بروتس عند (شكسبير) متمردا على حتمية موته، وحتمية موت قيصر؛ وكأنه انساق وراء قداسة الفكرة الأكبر من حضوره الذاتي، لقد أراد استنزاف الموت، واستباقه، ولكنه خضع في النهاية لحتميته، بينما استنزفت (حنان شافعي) فراغ النهايات العبثي في حالة موت تمثيلي مؤجل، يعكس السخرية من بنيته المركزية الأولي؛ وهو ما يكسب نصها ثراء دلاليا.
ثانيا: تمرد، وسخرية:
تتجه قصيدة (في الاتجاه المعاكس) ل (حنان شافي) في سياقين يكشفان تناقض الذات الأنثوية، وسخريتها من الفراغ العبثي، ومن التكرار في حالات الصوت المتكلم معا؛ فثمة لحظة تعكس التمرد على الواقع العبثي، وأخرى تعكس حالة من التمرد المضاعف على الصوت الأنثوي نفسه؛ كي تتجه في مسار آخر يستدعي الأصالة، واستدعاء هوية جمالية جديدة محتملة.
تقول في سياق التمرد على مرجعيات الواقع اليومي، والتاريخ الشخصي:
"كل هذا لا يعطيها الحق
في رسم خريطة جديدة للعالم،
أو وضع خطة رومانسية
لقضاء يومين
في الغابات الاستوائية".
تبدو الذات في حالة من الرغبة في الخروج النصي على العوالم القديمة، وهي تسخر من تحقق الحد الأقصى من التمرد في التجربة، بينما ترغب في تجربة الخروج، و التمرد في حالاتها الجمالية؛ وهو ما يذكرنا بالتوجهات الفكرية لماركيوز، وغيره ممن أعادوا قراءة فرويد في سياق حضاري، وثقافي مختلف من التمرد.
أما السياق الآخر فيمثل المحاكاة الساخرة للصوت المتمرد نفسه؛ فهو مزيج من أصالة البدايات، والبحث المستمر عن التجاوز في تشكيل الهوية الجمالية للمتكلمة.
تقول:
"رغم ذلك ...
أقاوم رغبتي في التبرؤ
من كل الذين أعرفهم،
ورغبتي في التردد معه
على صالات الديسكو
والجري خلفه في شوارع المدينة
وفي الاتجاه المعاكس".
يتحد حضور المتكلمة النسبي بالأداء السردي المتمرد المرح في النص، بينما يحاول العودة إلى ما قبل الأداء اللعبي، أو يحاول استشراف صورة جمالية تنقيحية للذات تجمع بين بهجة التمرد، والبحث عن تاريخ يجمع بين الماضي، والأخيلة الإبداعية المؤولة للكينونة.
ثالثا: تشكل إبداعي للتجربة الأنثوية:
تجمع كتابة (حنان الشافعي) بين إنتاجية اللغة الأنثوية الفردية في النص، والتحدث حول الأفكار، والذات، والأخيلة كما وصفته (هيلين سيكسو)؛ فقد يبدو الآخر / الرجل هامشيا ،ومجازيا في العوالم الخيالية الأنثوية، أو تتجلى الأشياء الصغيرة كعلامات استعارية تحمل دلالات الطاقة الإبداعية للأنثى؛ وكأنها تكتسب حضورا آخر، أو حياة أدبية جديدة في تداعيات النص.
تقول في قصيدة (مراوغة):
"كلما أفكر في حتمية الثورة كما يقول السياسيون
أخطط للتخلص منه
مثلا إهدائه إلى إحدى أرامل الحرب
الكثيرات في بلادنا
أو رهنه لدى سيدة أموال عربية
ثم أجتهد في طرد تلك الأفكار الشريرة
بابتسامة خبيثة".
لقد نبعت صورة الرجل، وتطورت في دائرية الأخيلة الأنثوية، ومحاكاتها الساخرة للتمرد؛ وكأنها تلتحم به، بينما تبدو كآخر له؛ وهي تذكرنا بتصور (سيمون دي بوفوار) عن آخرية المرأة، وتشكل خصوصيتها من تلك الغيرية؛ أي من الاختلاف الذي تجلى هنا كرغبة غير واعية.
ونعاين تشكل حضور الأنثى من خلال ارتباطها بالأشياء الصغيرة، وحياتها المجازية الداخلية في أخيلة الوعي المبدع في قصيدة (أن أمحوك من ذاكرتي).
تقول:
"آه يا صديقي
كيف لي أن أصبح من أشيائك الحميمة؟
لوحة المفاتيح،
قداحة السجائر،
عجلة القيادة،
هاتفك المحمول،
وكيف لي
أن أمحوك من ذاكرتي
-كما نصحتني –
بضغطة زر".
تبدو الطاقة الأنثوية هنا ممزوجة بأشياء الآخر / الرجل، ولكنها تؤكد خصوصية الأنثى، وتمثيلها لحضور آخر مختلف من حالاتها الإبداعية؛ ومن ثم تعيد المتكلمة إنتاج الآخر، وأشيائه الصغيرة في سياق الأصالة الأنثوية، وبحثها المستمر عن لغة مختلفة.
د. محمد سمير عبد السلام – مصر








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تفاعلكم | 25 سؤالا مع الفنان حمادة هلال


.. تفاعلكم | الفنان خالد الشاعر غير راض عن مارغريت ويدافع عن دف


.. تفاعلكم | الفنانة هبة الحسين: البطولة من نصيبي وهذا ردي على




.. جناية وحكاية.. شاهد مسرح جريمة مقتل المخرج نيازى مصطفى وكيف


.. مسرحية جورج خبّاز: بكونوا عم يبكوا بس يخلقوا، ونحن عم نضخك ف