الحوار المتمدن - موبايل


الوجه الآخر لعملية -سليمان شاه-

جاك جوزيف أوسي

2015 / 3 / 17
مواضيع وابحاث سياسية


في عملية عسكرية كبيرة، ليلة 21 شباط 2015، اخترقت القوات التركية الحدود السورية بعمق 35 كيلومترا مستخدمة مئات الدبابات والآليات العسكرية والطائرات وجنود الجيش والقوات الخاصة لنقل ضريح سليمان شاه، جدّ مؤسس الدولة العثمانية عثمان بن أرطغرول، من موقعه قرب مدينة منبج في محافظة ريف حلب شمالي سوريا، إلى موقع جديد في الأراضي السورية في منطقة "أشمة" غرب مدينة عين العرب المتاخمة للحدود التركية ورفعت العلم التركي عليه.
صحيح أن للضريح رمزية كبيرة لدى الأتراك، إلا أن عملية قبر سليمان شاه لم تكن مجرد عملية عسكرية الهدف منها إنقاذ الرفات، بقدر ما كانت عملية سياسية أمنية مدروسة لتحقيق جملة من الأهداف السياسية والأمنية الاستباقية والمستقبلية، داخلياً وخارجياً.
الاعتبارات السياسية الداخلية لهذه العملية جائت بسبب استخدام المعارضة التركية لموضوع الضريح للترويج لضعف حكومة العدالة والتنمية وعجزها عن تبديل جنودها المكلّفين بحمايته، واندفعت الأوساط نفسها بعد العملية إلى انتقادها، فاعتبر حزب الشعب الجمهوري أن ما حدث ليس "عملية إنقاظ لقبر الشاه" بل عملية "شاه مات"، في إشارة لحركة لعبة الشطرنج عندما يقع الملك في المصيدة، معتبراً أن ما حدث يعد "فقداناً لأرض تركية دون قتال ولأول مرة منذ 90 سنة من تاريخ الجمهورية"، ومؤكداً أن ذلك الأمر "يبعث على الحزن الشديد".
بينما اعتبر حزب الحركة القومية إن العملية ليست أكثر من عملية تخل وإخلاء لأرض تابعة للوطن، واتهم الحكومة بأنها "تواصل في الفترة الأخيرة ارتكاب الخطأ تلو الآخر". واعتبر الحزب أن القوات المسلحة أجبرت على العملية، لأن وظيفتها هي حماية الحكومة والأراضي التركية، وأن عليها الآن التفكير بجدية بشأن "أي أرض تركية سيتم فقدانها مستقبلا".
أما السبب الثاني لهذه العملية فيعود إلى ظهور بوادر شقاق في صفوف حزب العدالة والتنمية حيث بدأت تظهر للعلن الصراعات بين أردوغان وأوغلو حول عدة ملفات حساسة داخلياً وخارجياً وكان الهدف منها في حال فشلها رمي المسؤلية على الآخر وتحويله إلى كبش للمحرقة وتحميله تبعات الإخفاق سياسياً في الانتخابات التي ستجرى في حزيران المقبل. أما في حال نجاحها فأن الطرفيين سيسعيان للظهور بمظهر الأبن البار الذي أنقذ رفات والده وأعادها إلى أرض الوطن. وما أن انتهت العملية بنجاح حتى سارع الطرفان إلى القول أنها تمت بأوامره ومتابعته الدقيقة من البداية إلى النهاية.
ثالثاً، جاءت العملية في وقت أظهرت كل المؤشرات واستطلاعات الرأي على تراجع شعبية حزب العدالة والتنمية داخلياً مع احتفاظه بتقدم على باقي الأحزاب السياسية في تركيا. هذه النسبة ستمكن حزب العدالة والتنمية من الفوز في الانتخابات البرلمانية القادمة لكنه لن يحصل على النسبة التي تمكنه من إجراء التعديلات الدستورية التي يطالب بها أردوغان كي يتحول نظام الحكم في تركيا من جمهوري برلماني حيث القول الفصل لرئيس الوزراء إلى جمهوري رئاسي تكون السلطات جميعها بيد رئيس الجمهورية مما قد يمنح أردوغان عشر سنوات قادمة من الحكم. ونجاح العملية قد يؤدي إلى ربح مزيد من أصوات الناخبين الأتراك قد تعينه في تحقيق مشروعه.
أما على الصعيد الخارجي فأن العملية جاءت بعد أن اعتبرت أنقرة إن لعبة الأمم في الشرق الأوسط تجري على حسابها، و7ë7ا1هدف منها إيقاف تقدم تركيا. حيث يرى العثمانيون الجدد إن كل دولة تلعب لعبتها في المنطقة الممتدة من السودان إلى سورية، فالولايات المتحدة في كل مكان وبريطانيا تدير لعبتها الخاصة، فرنسا موجودة في شمال أفريقيا، وألمانيا تبيع الأسلحة، وإيران تسيطر على المدن التي كانت عثمانية، مثل دمشق وبغداد. لكن عندما يصل الأمر إلى تركيا يعتبر الجميع إن ما تقوم به هو مشروع امبريالي. لذلك هي تؤمن أن ما يجري إنما هو تصفية لحسابات تاريخية معها ومن هذا المنطلق لا مجال للعودة إلى الخلف، وتركيا ستواصل طريقها نحو تحقيق مخططاتها في المنطقة، وخصوصاً في شمال سورية حيث يجري العمل على تأسيس المنطقة العازلة بعد أن شكل وضع الضريح في بلدة "أشمة" حجر الأساس لانطلاق المشروع، أو في شمال العراق حيث الأطماع التركية التاريخية وخصوصاً في مدينتي كركوك والموصل.
عملية سليمان شاه وما رافقها من تصريحات أطلقتها الحكومة التركية كشفت النقاب عن الشخصية السادية التي تحكم صانع القرار في أنقرة. فتدرج تصريحات الحكومة التركية منذ بدء الأزمة السورية حتى الآن أظهر للعلن عن الوجه المستبد والمتسلط والطاغي للعثمانيين الجدد الذين لا يعترفون بالمساواة بين البشر وإن استخدموا هذه العبارة بكثرة إبان الفترة الماضية لأنها كانت تخدم مصالحهم ومخططاتهم في المنطقة، وكشفت أيضاً عن طبيعة تقسيم شعوب المنطقة من وجهة النظر العثمانية إلى شعوب قوية وقادرة "العثمانيين" وشعوب ضعيفة لا حول لها ولا قوة "العرب". هذه الشعوب الضعيفة بحاجة إلى قائد يسهر على حمايتها ويعينها على مصاعب الحياة والذي يجب أن يكون أحد أحفاد السلاجقة والعثمانيين.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مقتل فتاة من أصول إفريقية بإطلاق نار للشرطة في كولومبس | #را


.. سيد النقشبندي.. صوت نقش المحبة الإلهية في قلوب الملايين


.. دوري السوبر أوروبي: كيف بدأ وكيف انتهى؟




.. أبو جميع القنابل


.. ملف سد النهضة.. هل تنجح مصر والسودان بتدويله؟