الحوار المتمدن - موبايل


أمريكا وداعش وإدارة التوحش

مجدى خليل

2015 / 3 / 20
مواضيع وابحاث سياسية



عند الحديث عن داعش يطفو على السطح مباشرة تورم نظرية المؤامرة فى الشرق الأوسط بالإدعاء أن داعش هى صنيعة أمريكا، ويقارن البعض بين مصطلح " الفوضى الخلاقة" عند كوندليزا رايس ومصطلح " إدارة التوحش " عند داعش ويعتبرون أن المصطلحين وجهان لعملة واحدة. ورغم أننى اختلف مع إدارة أوباما فى كثير من الأمور،إلا أن البحث المنصف عن الحقيقة ينفى عن أمريكا تهمة التورط فى صناعة داعش. دعنا نوضح ذلك بصورة أكثر تفصيلا.
أن المصطلح التى ذكرته كوندليزا رايس، بأعتبارها أستاذا مرموقا فى العلوم السياسية، هو " عدم الأستقرار البناء" Constructive Instability، وقد تم ترجمته بصورة مستفزة " وغير دقيقة إلى "الفوضى الخلاقة". والمصطلح يعنى أنه عند التحول من أنظمة مستبدة إلى أنظمة ديموقراطية قد يحدث عدم أستقرار مؤقت فى الدولة،وذكرت المثل بما حدث فى أوروبا الشرقية بعد سقوط الاتحاد السوفيتى، هذا الوضع غير المستقر ترأه طبيعيا وحتميا ولكنه بناء إذ يعقبه تحول ديموقراطى حقيقى نحو الحريات والأنتخابات الحرة، وهى ما كانت ترجوه للشرق الأوسط، إذ أن التغيير التدرييجى من خلال الأنظمة قد فشل، وتجربة نقل الديموقراطية من خلال العراق أفسده دول الجوار والصراع المذهبى فى العراق، وبالتالى لم يتبق سوى سقوط الأنظمة عبر ثورات ديموقراطية سلمية يعقبها فترة أنتقالية قصيرة من عدم الأستقرار ثم إعادة بناء نماذج ديموقراطية تعيد تشكيل الشرق الأوسط إلى شرق أوسط ديموقراطى. ربما الخطأ الوحيد فى تحليل كوندليزا رايس أنها كانت تتصور أن جناح كبير من الإسلاميين، الذين يطلق عليهم معتدلين، سيتعاملون مع هذه الظاهرة بعقلانية ولن يقفزوا لاختطاف هذه الثورات وتدميرها، وربما يرجع ذلك عند كوندليزا رايس إلى خبرتها المحدودة جدا فى دراسة نماذج الإسلاميين حيث أن تخصصها الأكاديمى هو النموذج السوفيتى. معنى هذا أن هناك فرقا جوهريا بين مصطلح الفوضى الخلاقة وبين مصطلح إدارة التوحش، حيث أن إدارة التوحش تعنى بناء نموذج إسلامى متوحش من الفوضى القاتلة عن طريق الدم والهدم والرعب، يتطور إلى دولة متطرفة وإرهابية غير خاضعة لأى قواعد دولية، ثم يتطور إلى خلافة إسلامية متوحشة تبغى السيطرة والهيمنة على العالم بقوة الإرهاب، كما أن المصطلح الأول إيجابى فى معناه والمصطلح الثانى سلبى مدمر.
النقطة الثانية التى يعتمد عليها أصحاب نظرية المؤامرة، هو ترديد مقولة بائسة وهى " أبحث عن المستفيد"، وحيث أن أمريكا وإسرائيل من أكثر المستفيدين من ظهور داعش فهم وراء هذه المنظمة، نسى هؤلاء أن العالم كله مستفيد من حصار الإرهاب والقتال فى الشرق الأوسط بعيدا عن أراضيهم، روسيا مثلا من أكثر المستفيدين فهل هى التى صنعت داعش؟. الهند كانت أكثر الدول التى استفادت من سقوط طالبان، فهل كانت طالبان صنيعة هندية أم باكستانية سعودية؟، الصين أكبر مستفيد من الحرب الأمريكية على الإرهاب من آجل إضعاف أمريكا، فهى هى التى صنعت ظاهرة التطرف الإسلامى أم صنعتها دول إسلامية معروفة بالأسم؟.
إسرائيل وأمريكا مستفيدتان بالفعل من غباء المتطرفين وعنفهم وكراهيتهم التى تعبر عن نفسها فى هذا العنف الهمجى، وكما قال هتلر "لا أكترث بمصير العرب، فهم سيقتلون بعضهم البعض فى يوم من الأيام"، ويقول الفيسوف الفرنسى جوستاف لوبون " أن سيف العرب مرفوع دائما ضد غيرهم أو ضد أنفسهم"، وتقول التواراة عن إسماعيل وابناءه " يده على كل واحد ويد كل واحد عليه"...أى أن أبناء إسماعيل فى حالة حرب دائمة.

دعنا نتفق مع هذا الأفتراض الوهمى ونقول أن داعش صناعة إسرائيلية أمريكية ماسونية، فى هذه الحالة نسأل لماذا لا يثور ضدها العرب والمسلمون إذن؟، لماذا لم تخرج مظاهرة واحدة ضد داعش فى جميع أنحاء العالم الإسلامى فى حين توحش الصخب وأدى إلى سقوط عشرات الضحايا ضد كرتون أو مجرد رأى للبابا أو لقطات مصورة تافهة؟، لماذا لا تقوم المنظمات الإسلامية الكبرى فى السعودية ومصر بإعلان الجهاد ضد داعش كما اعلنوه من قبل فى أفغانستان والبوسنة؟، لماذا لا نرى مقاومة شعبية فى المناطق التى تسيطر عليها داعش؟، لماذا رفض الأزهر تكفير داعش ورفض شيوخ الوهابية تفنيد حجج داعش الشرعية؟، لماذا لا يتم تشكيل قوة عربية إسلامية لتحارب داعش أنتصارا للإسلام على الماسونية والصهيونية؟، لماذا لم تصدر فتوى تكفير واحدة ضد داعش فى أى من الدول الإسلامية التى تكفر مجرد الخصوم من المفكرين والمصلحين؟...عشرات الأسئلة ولا مجيب،باختصار لأن داعش صناعة إسلامية مائة بالمائة.
السبب الثالث الذى يعتمد عليه أصحاب نظرية المؤامرة هو أن أمريكا ليست جادة فى الحرب ضد داعش، نعم أمريكا ليست جادة، ولماذا تكون جادة أصلا وهى مستفيدة من وجودها؟. التحالف الدولى بقيادة أمريكا يهدف إلى مجرد هزيمة الطبقة المتوحشة عند داعش وحماية حلفائهم الاكراد وتسهيل هجرة المسيحيين، ولا يرغب فى إرسال جنوده على الأرض يموتون من آجل حرب إسلامية إسلامية هى فى الأساس حرب على تعريف الإسلام وتعريف الجهاد،أى أنها حرب إسلامية بإمتياز وداخل الإسلام ذاته. بل ولن يدخلوا حربا من آجل المسيحيين، وقد سمعنا الكثير من المسئولين الأمريكيين يقولون بأنهم غير مستعدين للحرب من آجل مسيحى الشرق الأوسط، نعم هم متعاطفين معهم...نعم سهلوا الهجرة لهم للغرب بدرجة ما...نعم يحاولون بطريقة غير مباشرة تأمين خروجهم وأمدادهم بالمعونات الإنسانية هم واليزيديين واللاجئين السوريين، ولكنهم لن يدخلوا حرب من آجل مسيحى الشرق.
ويبقى السؤال إذا كانت أمريكا لم تصنع داعش من يقف وراء ظهورها؟.
داعش صناعة إسلامية بإمتياز، والذين ينفون ذلك يحاولون تبرئة الإسلام السياسى من صناعتها دفاعا عن دينهم وتمويها لدورهم. داعش صناعة تركية قطرية سعودية اخوانية إماراتية، كل هذه الدول تورطت بدرجات مختلفة وبادوار مباشرة وغير مباشرة فى صناعة داعش، كما أن هناك عوامل مهمة مهدت وساعدت على ظهور داعش منها:
1-الصحوة الإسلامية التى ظهرت منذ أربعة عقود كانت المفرخ لكل حركات التطرف والإرهاب.
2-فوائض البترودولارات أو دولارات الرعب كما وصفها صحفى سويسرى.
3-غزو العراق وهجوم المتطرفين الإسلاميين عليه حتى تحول لدولة فاشلة.
4-الربيع العربى والصراع على السلطة.
5-إسقاط حلف شمال الاطلسى لنظام القذافى دون وضع تصور لنظام بديل.
6-الصراع الشيعى السنى.
7-التدخلات الدولية فى ىسوريا حتى اصبحت مسرحا للإرهاب.
8-توسيع مفهوم هجرة الإرهابيين منذ حرب أفغانستان عام 1979.
9- تفكيك نور المالكى لعناصر الصحوات السنية التى شكلها الجنرال باتريوس لمحاربة القاعدة وعددها يقترب من 100 الف شخص بعد الوعود بضمهم لقوات الأمن، مما جعلهم يغتاظون وينضمون لداعش.
10-أقصاء وتهميش السنة فى العراق تحت حكم نور المالكى.
11-الدور الإيرانى المخرب فى العراق.
12- فوضى السلاح الناتج عن فشل الدولة فى ليبيا واليمن وسوريا والسودان وحماس.

إن داعش مثلها مثل الاخوان مثل بوكاحرام مثل طالبان مثل حماس ...مثل كافة المنظمات الإسلامية، هى منتجات أصيلة للفكر والتراث الإسلامى، كما أنها تتفق جميعا فى أدبيات واحدة وهى:_
1-التكفير والهجرة،سواء للفرار من دول الكفر أو جذب الإرهابيين من أركان المعمورة للألتحاق بالجهاد العالمى فى دولة الإسلام.
2-الشمولية: وتعنى كل الأجابات عن الأسئلة التى يريدها المسلم موجودة فى الإسلام فقط عن طريق السياسة الشرعية.
3-النصوصية: وتعنى لا أجتهاد مع النص.
4- السلفية: وتعنى الاقتداء بالقرون الثلاثة الأولى للإسلام.
5-الزعم بإمتلاك الحقيقة المطلقة.
6-الجهاد والحرب المقدسة ضد العالم.
7-وجوب وحتمية فرض الشريعة كاملة.
وعلى المستوى السياسى
1-رفض معاهدة سايكس بيكو والحدود المصطنعة بين الدول الإسلامية كما يقولون.
2- الزعم بأن أمريكا ستسقط بواسطة الجهاد الإسلامى كما سقط الإتحاد السوفيتى.
3-الكرهية العميقة لليهود ولإسرائيل، والإيمان اليقينى بنهايتها يوما ما بواسطة الإسلام.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - السيد مجدي المحترم
عبد الرضا حمد جاسم ( 2015 / 3 / 20 - 19:47 )
تحية طيبة
تقول ان كوندليزارايزقالت
عدم الاستقرار البناء و ليس الفوضى الخّلاقة
الرجاء ما الفرق بين العبارتين على الارض؟
تقول :
داعش صناعة تركية قطرية سعودية اخوانية إماراتية،
السؤال من يحمي و يدير و يدعم و يتغاضى عن تحركات هذه الدول غير امريكا؟
التمويلات الهائلة التي تصل داعش و اخواتها من اين تمر؟
كيف تتمكن داعش من مواصلة حربها دون امدادات عتاد و سلاح كل هذه الفترة؟
اكرر التحية


2 - السيد مجدي المحترم
عبد الرضا حمد جاسم ( 2015 / 3 / 20 - 19:47 )
تحية طيبة
تقول ان كوندليزارايزقالت
عدم الاستقرار البناء و ليس الفوضى الخّلاقة
الرجاء ما الفرق بين العبارتين على الارض؟
تقول :
داعش صناعة تركية قطرية سعودية اخوانية إماراتية،
السؤال من يحمي و يدير و يدعم و يتغاضى عن تحركات هذه الدول غير امريكا؟
التمويلات الهائلة التي تصل داعش و اخواتها من اين تمر؟
كيف تتمكن داعش من مواصلة حربها دون امدادات عتاد و سلاح كل هذه الفترة؟
اكرر التحية


3 - لبس لديهم الوقت الكافي
john habil ( 2015 / 3 / 21 - 06:57 )
استاذ مجدي
تحية وسلام
الأخوة المسلمين رجال الحكم والسياسة ليس لديهم وقت للخروج بمظاهرات ضد داعش أو بوكو أو القاعدة في كل من
1- السعودية : مشغولين في المزاد العلني لشراء جهاديين يفجرون أنفسهم في سوريا والعراق والآن في اليمن بالإضاقة إلى الأعباء المترتبة عليهم في تدريب المعارضة الإسلامية ( من اختراع (الرئيس اوباما
قطر : لم تنتهي من تدمير ليبيا بعد وباقي بعض الناس المختبئين فيها وعن قريب سوف تصفيهم ، ثم تعود لأتمام مهمتها في بلاد الأخوة العرب بعد أن تستكمل تدريب المعارضة الأويامية المصروف عليها والمقطوعة من أفواه الشعب الأمريكي الطيب بموافقة الكونغرس
أما تركيا :قفد صفت 2 مليون أرمني من مواطنيها .. والمسيحيين والأقليات في سوريا
ولم يبقى إلا شوية شيعة قي العراق واليمن ... وتنتهز الفرصة للإقتصاص من مصر
التي قلٌمت أظافر أحبائها الإخوان .. وهي الآن مصنع تخريج الأبطال للمعارضة المعتدلة


4 - أمريكا .. فعلا دولة غبية ؟
س . السندي ( 2015 / 3 / 21 - 19:30 )
بداية تحياتي لك ياعزيزي مجدي وتعليقي ؟

1: بالمنطق والعقل لايمكن أن يدير التوحش هذا إلا متوحش ؟

2: الدليل القاطع على سذاجة وغباء الكثيرين من الأمريكيين هو إنتخابهم لرئيس مثل أوباما مجهول الأصل والفصل ( قل لي من أخوه .. أقول لك ما نواياه ) ؟

3: ما لا يدركه الكثيرون الأمريكيين أن رئيسهم أوباما هذا هو كورباتشوف أمريكا ، بدليل نتائج سياساته المخزية بحق العالم وشعبه ؟

4: وما لا يدركه الكثيرون أيضاً أن الانقلاب الذي حدث في مصر ضد عصابات مرسي والإخوان كان بضوء أخضر من قادة في البنتاغون ومن خلف أوباما الذي صعقه ماحدث لهم ؟

5: وأخيرا .. ؟
في قناعتي المتواضعة لا أعتقد أن هذا الرئيس أوباما سينهي مدته بسلام ، سلام ؟


5 - أصبت كبد الحقيقة
كمال يلدو ( 2015 / 3 / 22 - 03:04 )
شكرا لك استاذ مجدي، وما تفضلت به يرسم الصورة الواقعية للمشهد، وأتمنى عليك ان تمنح قرأك بصيصا من الأمل حينما تضع تصوراتك للحلول، حتى وأن كانت بعيدة. الأنسان لا يستطيع الأستمرار دون مشروع للحياة، دون أمل ودون بديل.

اخر الافلام

.. باكستان: فرنسا تدعو رعاياها للمغادرة وسفارتها تحت الحماية ال


.. فرنسا: محادثات بين ماكرون وميركل ورئيس أوكرانيا حول التوتر م


.. مفوض الاتحاد الأوروبي يشرح لـCNN خطط جواز سفر اللقاح الجديد




.. عودة الصراع بين الرئيسين الموريتانيين الحالي والسابق للواجهة


.. رأي أسامة النجيفي في سعي العراق للعودة للمحيط العربي والأطرا