الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المثقف والسلطة في المغرب

أحمد الحارثي

2015 / 3 / 24
مواضيع وابحاث سياسية


افتتاحية
تحت وطأة حرارة الأحداث التي هزت وتوالت في منطقة جنوب وشرق المتوسط، وتداعياتها المحلية، شهد المغرب حركة اجتماعية دنيا أرغمته مع ذلك على تغيير لباسه. لكنه ظل يراوح مكانه، موزعا بين تسلطية الفكر الإقطاعي وطفيلية المخزن الاقتصادي، بين صحراء السياسي وواحة الريع.
وفي غياب ثورة سياسية وصناعية عميقة، يستمر فعل التقليد في مقاومة التغيير وفرض الجمودية، والانبساط الاقتصادي في شل التنمية المستقلة وتعميق كل من الفوارق الطبقية والتبعية للخارج. في حين، يخترق الريع كل البناء الاجتماعي، أفقيا وعموديا، لأنه يتغذى من تداخل السلطة السياسية والسلطة الاقتصادية. يتكاثر حجمه وتتنوع منابعه، سواء عبر تواجده في قلب التشكلة الاجتماعية حيث يستحوذ على قسط مهم من الخيرات، أو من خلال اشتغال آلياته الدولتية التي تجعله يستنزف الموارد النادرة أصلا في البلاد. توظفه الدولة-المخزن في إعادة إنتاج ذاتها، بما في ذلك توسيع قاعدتها الاجتماعية بالاستقطاب، وفي تغذية نظام إضفاء المشروعية على الحكم. وإذا كان الريع السياسي (الجاه) يولد الثروة (الانتفاع) لدى المستفيدين، فإن منحدره الاقتصادي لا يتحول إلى سلطة سياسية. بل إنه يتم في المهد سحق أية قوة اقتصادية نابعة من "المجتمع المدني" قد تتطلع إلى التجسد في السياسي.
تضيع لحظة الأمل، ويتجدد اشتغال تلك الآلية الجهنمية من دوامة الافتراس الاقتصادي الشرس والفساد المعمم والاستبداد الشرقي.
إلا أن الحقيقة المرة التي كشفت عنها بوضوح أكثر اللحظة السياسية، في هذه المرحلة التاريخية بالذات، هي جفاف الفكر، غربته عن الكائن الاجتماعي وانفصاله عن الواقع المادي. فهو عاجز عن نسج سرد غائي يثني فيه التاريخ السياسة، والفعل الحدث؛ سرد يكشف حقيقة الحاضر على ضوء الماضي، يستشرف أفق المستقبل الممكن الذي يحبل به الواقع، ثم يجند خطاطته للتأثير الذاتي في الراهن والانصهار في "البراكسيس" الاجتماعي. يبدو كأنه يستعير "حيل العقل" أو "اليد الخفية" لتبرير الأفعال المدمرة التي يحركها شغف الأمير الطاغية وجشع مالكي وسائل الإنتاج، للتستر على التسلطية السياسية والاستغلال الطبقي. يتم إدراك وتصوير هذه الرذائل على أنها، فيما وراء الوجه الظاهري الفاني للأشياء، تؤدي في عمقها الكوني إلى نتائج محمودة تتجاوز المقاصد الأنانية والمصالح الخاصة لفاعليها ومرتكبيها، وبلا وعي منهم؛ إذ بوساطتها تتحقق إرادة الشعب والمصلحة العامة، وتتجسد تطلعات الجماعة إلى التقدم وولوج التاريخ والعدل والتناسق الاجتماعي. وذلك تحت سلطان قوة سحرية (الفكرة، العقل، الرعاية الربانية) تقود التاريخ نحو غايته، وتستعمل جنون الفاعل الوسيط والأفراد كوسيلة لتجسيد العقل الكوني، وبلوغ الوئام الاجتماعي بفعل التعاطف. تنظر الفكرة بتعالي إلى الفاعل المحايث، وتترك الحاكم المطلق يخوض المعارك لبسط جوره وأرباب العمل يتطاحنون من أجل تعظيم الربح والريع، كي تتجسد روح العالم في التاريخ. إن لم يكن اليوم، فغدا، أو بعد قرن...
أما الأتباع وأشباه المثقفين، الذين لا يبذلون أي جهد فكري أو معرفي في محاولاتهم البئيسة لتبرير الوضع القائم، فقد فضلوا الاستسلام للأمر الواقع، أي التواطؤ مع التقليد والتسلطية، على أمل التحصن في واحة الريع. بل لا يترددون في الدعوة إلى الالتفاف حول رمز السيادة والوطن المجسد في الواحد وليس في كائن جماعي لا يتجزأ، لأن الشعب غير مؤهل لهذه الرسالة. تارة بدافع فكرة الدولة، في صفائها الروحي، وبمبرر حفظ إرث التحديث وضمان استمرارية عجلته تحت سقف نظام الحكم الفردي القائم، الذي يعملون جاهدين على تبرير مشروعيته أو وجوده، ويرون من الواجب التفاني في دعمه. فهو وحده في مقدوره تأمين "الحماية" اللازمة لبؤر التمدن والحرية، والسهر على الأمن الداخلي. والهدف المباشر من وراء هذا قطع الطريق على الخصوم، الوقوف في وجه من هم ضد أو خارج التاريخ. وتارة أخرى بدافع الوطنية القطرية أو القومية العربية، وباسم التعبير عن الهوية الوطنية وعدم السقوط في التغريب وفي فخ كل من يتربص بمصلحة "الوطن" من القوى الأجنبية والجوار المباشر.
إن الرهان معقود هنا على كائن الدولة المباشر في صنع التاريخ، عوض الكائن الاجتماعي الواعي أو "البراكسيس" التاريخي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. في الذكرى الثانية لرحيلها.. شيرين أبو عاقة تترك إرثا ما يزال


.. بحضور رئيس البلاد.. الآلاف يهتفون لفلسطين على مسرح جامعة أيس




.. سفن قوات خفر السواحل الصينية تبحر بالقرب من جزيرة تايوانية


.. الشفق القطبي ينير سماء سويسرا بألوان زاهية




.. مصر تلوّح بإلغاء معاهدة السلام مع إسرائيل إن استمرت في عملية