الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


دور التنشئة الاجتماعية - السياسية في المشاركة السياسية

وسام حسين علي العيثاوي

2015 / 3 / 29
مواضيع وابحاث سياسية


دور التنشئة الاجتماعية - السياسية في المشاركة السياسية
تقوم التنشئة السياسية بمهمة حيوية تساعد على تكيف وبقاء واستمرار النظام الاجتماعي والسياسي كونها تؤدي وظيفة جوهرية في تنشئة الأفراد تنشئة سوية من الناحية الجسمية والعقلية والنفسية والاجتماعية من أجل أعدادهم لتولي أدوار اجتماعية وسياسية تصب في خدمة الفرد والمجتمع وتسهم بالنتيجة في استمراره واستقراره وقدرته على التكيف مع التحديات التي تواجهه. فتعتبر المشاركة السياسية أحدى الوظائف المهمة والتي تؤدي التنشئة السياسية دور كبير في تنميته . سنتناول هذا الموضوع في هذه الورقة البحثية عبر المحاور التالية:
اولاً: مفهوم التنشئة السياسية.
1- مفهوم التنشة (Socialization)
يمكن أن نعرف التنشئة بأنها عملية تلقين الفرد قيم ومقاييس ومفاهيم مجتمعه الذي يعيش فيه بحيث يصبح متدرباً على أشغال مجموعة ادوار تحدد نمط سلوكه اليومي. وبعبارة اخرى هي العملية التي يكتسب بها الافراد ثقافة مجتمعهم فيكسبون بها المعاني والقيم الخلقية والروحية والاجتماعية والاقتصادية واالسياسية ، التي يدين بها المجتمع بصفة عامة ، وعن طريق هذه العملية يكتسب الفرد الكفاية الاجتماعية والصفات السلوكية التي تؤهله للمعيشة في مجتمعه.
فالتنشئة هي عملية تفاعل بين الفرد والمجتمع الذي يعيش فيه ، يستطيع الفرد من خلال تلك العملية ، أن يتشرب القيم والعادات والافكار السائدة في المجتمع، والتي تساعده على ان يحدد بكل وضوح سلوكه اليومي للقيام بأدواره التي يتطلبها وضعه كعضو في المجتمع، لكي يصبح مواطناً صالحاً يساهم بطريقة جيدة في مجالات التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية..
ثانياً : مفهوم التنشئة السياسية.
ان مفهوم التنشئة السياسية قديم كفكرة تناولها الفلاسفة والمفكرون، حديث كصياغة محددة يمكن دراستها بصورة موضوعية. فقد عرفها (د. احسان محمد الحسن) بأنها تلك العملية التي يكتسب الفرد من خلالها معلوماته وحقائقه وقيمه ومثله السياسية، ويكوُن بواسطتها مواقفه واتجاهاته الفكرية أو الايديولوجية التي تؤثر في سلوكه وممارسته اليومية ، وتحدد درجة تضحيته وفاعليته السياسية في المجتمع وتساعده على بقاء وديمومة واستقرار النظام السياسي.
وعرفها" لانجتون- Langton " على انها الطريقة التي ينقل بها المجتمع ثقافته السياسية من جيل الى جيل ، وهذه العملية تخدم المجتمع، حيث أنها تساعد على حفظ التقاليد والتعاليم والمؤسسات السياسية لذلك المجتمع.
وعرفها "هربرت هايمان" في كتابه التنشئة السياسية: بأنها عملية تعلم الفرد المعايير الاجتماعية عن طريق مؤسسات المجتمع المختلفة، والتي تساعده على ان يتعايش سلوكياً معها.
ويعرف " ريتشارد داوسن " التنشئة السياسية على المستوى الفردي بأنها تعني ببساطة العمليات التي يكتسب الفرد من خلاله توجهاته السياسية الخاصة، ومعارفه، ومشاعره، وتقيماته البيئية، ومحيطه السياسي. وهي عملية تطويرية يتمكن المواطن (أوالمواطن المستقبل)، من خلالها النضوج سياسياً، وخلال هذه العملية يكتسب الفرد معلومات ومشاعر ومعتقدات متنوعة تساعده على فهم وتقييم والارتباط بالبيئة السياسية المحيطة به.
ومن خلال ماتقدم من تعريفات للتنشئة السياسية نجد ان هناك بعض الخصائص التي اوردها الباحثون أو ما تميزت به تعريفاتهم فنجد أن التعريفات المختلفة قد ركزت على مايلي:
• انها عملية من شأنها اكتساب الفرد معارف وقيم واتجاهات سياسية.
• انها عملية تساعد على تغيير او دعم الثقافة السياسية السائدة.
• انها عملية مستمرة طول حياة الفرد.
• تؤدي التنشئة السياسية ادوار رئيسية ثلاثة : هي نقل الثقافة السياسية عبر الاجيال، خلق الثقافة السياسية، ثم تغيير الثقافة السياسية.
• تقوم بها كافة مؤسسات التنشئة في المجتمع.
رابعاً : مؤسسات التنشئة السياسية.
لا تتم عملية التنشئة الاجتماعية - السياسية بدون وكلاء او هيئات ونظراً لأن التنشئة عملية متصلة طول حياة الانسان ، لذلك تتعدد هيئات التنشئة الاجتماعية - السياسية، ويؤدي كل منها دور وتأثير متباين على الفرد وفقاً للمرحلة العمرية وظروف اخرى. لذلك تتعدد مؤسسات التنشئة السياسية، وتمارس تلك المؤسسات تأثيرات متباينة على الفرد تبعاً للمرحلة العمرية التي يمر بها، ففي السنوات المبكرة تلعب الاسرة دوراً اساسياً في ذلك ، ومع اتساع البيئة الاجتماعية للطفل تبدأ جماعات الاصدقاء والمدرسة في ممارسة ادوراها المفترضة في هذا الشأن كذلك التعرض لوسائل الاعلام ، وقد تختلف او تتفق تلك المؤسسات من حيث المبادئ التي تسعى لتوكيدها من قيم واتجاهات ...,,الخ. وذلك طبقاً لظروف المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومن اهم مؤسسات التنشئة السياسية ما يلي:
• الاسرة
• المدرسة
• الاحزاب السياسية والحركات الاجتماعية
• وسائل الاعلام
• النظام السياسي
• الجماعات الدينية.
• القبيلة.
وفيما يلي عرض مبسط لكل منها.
1. الاسرة : يتفق الجميع على ان الاسرة تعد من اهم وسائل التنشئة السياسية، مما يعطينا افتراضاً وهو أن جذور الحياة السياسية للفرد البالغ توجد في حياة الطفول، وتقوم الوسائل الاخرى للتنشئة بتعميقها أو صقلها وتهذيبها ، وعلى هذا الاساس فإن الأسرة تعد إحدى وسائل التنشئة السياسية والاجتماعية، إن لم تكن أهم العوامل على الاطلاق ، وتلعب العائلة أو الاسرة دوراً اساسياً في تعلم الطفل الروابط الاجتماعية وقيم المجتمع، وتساهم في تطوير شخصيات الأفراد اثناء مراحل تطورهم الاولى ، بالاضافة الى ما تلعبه الاسرة من تأكيد لهوية الطفل الشخصية المميزة.
وتعد الاسرة هي اول المؤسسات البنيوية التي تؤثر في أفكار ومواقف وسلوكيات وأخلاقيات الفرد، فهي تهتم بتنشئة الطفل تنشئة أخلاقية واجتماعية ووطنية، إذ تزرع عنده منذ البداية الخصال الاخلاقية التي يقرها المجتمع ويعترف بها، وتصب في عروقه النظام القيمي والديني للمجتمع، وتوجه سلوكه وتصرفاته في خط معين يتماشى مع مثُل ومقاييس المجتمع ، كما أنها تنمي مهاراته وخبراته وتجاربه، وتدربه على إشغال أدواره الاجتماعية واداء مهامها والتزاماتها بصورة متفقة وجيدة، وهي تشبع حاجاته العاطفية والانفعالية، وتنظم علاقاته الداخلية مع بقية افراد الاسرة ، وتحافظ عليه من الاخطار الخارجية التي تداهمه.
إن أول مرحلة من مراحلة التنشئة تقوم بها الاسرة أو جماعة الاقرباء، ومن هذه المرحلة يبدأ الطفل في تعلم اللغة وبعض انماط السلوك، ومن خلال هذه العملية الاولية تأخذ التنشئة السياسية مكانها في سلوك الطفل، بل إن ما يتعلمه الطفل في تلك الفترة قد يتحول الى ما هو سياسي او قد يندمج فيه على الاقل، ألأهمية النسبية للأسرة في عملية التنشئة الكلية قد تتغير، ولكن تأثير الاسرة يبدو واضحاً بصفة عامة في كل من المجتمعات التقليدية والمجتمعات المركبة والمتشابكة.
ورغم أن معظم المناقشات حول دور الاسرة في التعلم الاجتماعي تركز على تأثير الوالدين على اطفالهم الصغار، فإن الاسرة يمكنها ان تستمر في التأثير على نظرة الفرد السياسية والاجتماعية طيلة حياته، فالاتصالات والارتباطات العاطفية القوية بين افراد الاسرة لا تتوقف بعد سنوات الطفولة والشباب، حيث أن الانسان ككان طبيعي يولد ويحيا ويعيش في اسرة او زمرة ، فيتشرب ثقافة مجتمعه، ويتشبع بقيم الحياة.
2. المدرسة: تمثل المدرسة المؤسسة الرسمية الاولى التي توظفها النظم السياسية في بث وترويج قيم معينة تتفق وأهدافها لدى صغار النشئ، ففي معظم النظم السياسية – في الدول النامية بصفة خاصة- يناط بهذه المؤسسة غرس القيم والاتجاهات التي تراها ملائمة لأهدافها، من خلال المقررات الدراسية التي تقدمها للنشئ، وتكتسب المدرسة أهمية خاصة في ذلك لاعتبارات عديدة منها طول الفترة التي يقضيها الفرد في التعليم، وارتباط النظام المدرسي بالدولة وخضوعه للسلطة السياسية، فالتعليم هو الاداة الرئيسية لاحداث التغير الاجتماعي، ويتأثر التعليم بالفلسفة السائدة في المجتمع وغالباً ما يعمل على تدعيمها، فالتعليم في يد الدولة الديكتاتورية اداة لإعداد مواطن يتفق في صفاته مع نظامها وأهدافها، حيث الامتثال والخضوع، ويختلف الامر عنه في الدولة الديمقراطية حيث يعتبر السبيل لخلق قيم الديمقراطية والحوار.
وهكذا فإن التعليم في كل الاحوال هو السبيل الى التنشئة لسياسية الملائمة للنظام السياسي. ويتم من خلال نقل المعارف السياسية بصورة مباشرة او بصورة غير مباشرة وتأكيد الشعور بالوطنية والولاء وبث القيم والاتجاهات الايجابية للافراد نحو بلدهم ونظامهم السياسي.
وبصورة عامة فأن المدرسة تعد من المصادر الاساسية في التنشئة السياسية سواء كان ذلك بطريقة مباشرة او غير مباشرة، وان اختلفت أهمية الدور طبقاً لمدى فاعلية عناصرها (المققررات- الانشطة - المعلم) في ذلك، او بعض المتغيرات كالمستوى التعليمي للوالدين.
3. الجماعت الدينية : ان الاديان بصورة عامة تعتني كثيراً بتأسيس أرضية راسخة للعلاقات داخل المجتمع، بسبب أن الدين يسعى الى تربية وجدان الفرد ودفعه الى ترجمة التعاليم الدينية ( التي تحث على النقاء والتكافل والتسامح والصدق والامانة....الخ ) الى سلوك في الحياة ، وبذلك فإنها تمد الفرد بالسلوكيات المرغوب التي تهدف اليها التنشئة الاجتماعية. اما وسائل اكتساب التنشئة الدينية : فتتم غالباً عن طريق المؤسسات والحركات والجماعات الدينية المرتبطة او المتاثرة بها الى العديد من الوسائل من اجل ضمان التنشئة الاجتماعية السياسية المبتغاة، ولعل من بين هذه الوسائل يذكر ما يأتي: ( مراكز العبادة، الكتاتيب، المدارس الدينية، ، رجال الدين ).
4. وسائل الاعلام : من المتعارف عليه بأن وسائل الاتصال والاعلام الجماهيرية قد اصبحت في العصر الحديث على درجة كبيرة من التقدم والفعالية، وذلك بسبب النهضة التكلنوجية التي سادت الدول وخاصة الدول الصناعية المتقدمة، وتبعاً لذلك فقد اصبحت الاتصالات بين مختلف المجتمعات اكثراً يسراً وسهولة، مما يجعلها اكثر مصادر التنشئة خطورة ، وذلك تبعاً لأستغالها، اي اذا ما استغلت سلباً او ايجاباً مما جعل الحكومات تحاول السيطرة على تلك الوسائل لكي تضمن سير التوجه السياسي والايديولوجي في الاتجاه الذي تريده، وبما يحافظ على الأبقاء على النظام القائم والبناء الاجتماعي الراهن.
اذا تستطيع وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمقروءة بان تخلق رأياً عاماً لدى افراد المجتمع بما يجعلهم يعتنقون وايديوجية معينة، وترتبط الايديولوجيات الرأي العام ارتباطاً عضوياً وثيقاً، فالرأي العام هو الفكر الشائع والنمط العقلي السائد الذي يحدد نوع الافكار والميول والاتجاهات، بل ويكشف تفضيلات الناس الاجتماعية والسياسية.
وتلعب وسائل الاعلام دوراً لا يقل أهمية عن دور الاسرة او المدرسة في عملية التنشئة السياسية والاجتماعية ، فالصحف والمذياع المسموع والمرئي وغيرها من وسائل الاعلام تدعم الاتجاهات السياسية وتدعم القيم التراثية، وفي الوقت ذاته فهي التي تنقل المعلومات والاخبار من المواطن الى الدولة وبالعكس، حتى ان وسائل الاعلام قد امتد أثرها لنقل أخبار ومعلومات عن مجتمعات العالم ككل . وعليه تركز الدول الحديثة على وسائل الاعلام كأساسيات للتنشئة السياسية، وتركز من خلالها على تعميق شعور انتماء الافراد للوطن وولائهم للدولة.
وقد اكدت العديد من الدراسات والبحوث ان تعرض الانسان لوسائل الاعلام يترك، أثراً واضحاً على سلوكه الفردي والاجتماعي. وهذا يسهم في صقل وتكوين شخصية الفرد من خلال ما تغرسه وسائل الاعلام في نفوس المتلقيين (المستقبلين للرسائل الاعلامية) من قيم ومبادئ او تعديل قيم يحمله الفرد بما يخدم مصالحها.
5. النظام السياسي: يعمل اي مجتمع بشري على استمرار التجانس الفكري بين افراده من خلال مجموعة من القيم والمعارف والعادات والتقاليد الذي يسعى النظام السياسي الى غرسها ضمن وسائل عملية التنشئة السياسية. والتالي تشكل نسقاً خاصاً من انساق الثقافة السياسية لدى ذلك المجتمع او لدى فئاته. والتنشئة هي وظيفة النظام السياسي وكل النظم التي تحاول الحفاظ على ثقافته، وهي عملية تطبيع المواطن على الثقافة السياسية السائدة في ذلك النظام السياسي، ونتاج هذه العملية هو خلق قيم ومعايير واتجاهات نحو النظام السياسي بمختلف مستوياته المحلية والقومية، وفي هذا الصدد تقوم النخب الحاكمة بنشر هذه هذه القييم والمعايير بواسطة التعليم ووسائل الاعلام وغيرها من الوسائل المتاحة. ويالتالي يعمل النظام السياسي ومن خلال وسائله المتاحة على خلق ثقافة سياسية تتلائم مع استمرار ذلك النظام السياسي، فكل نظام سياسي يساهم في انتاج الثقافة السياسية التي تحافظ عليه.
6. القبيلة : تعرف القبيلة على انها وحدة اجتماعية تجمع عدة عشائر او مجتمعات محلية وتتميز بوحدة المكان واللغة والثقافة، ويرأسها رئيس القبيلة ومجلس القبيلة. ان للقبيلة دور مهم في عملية التنشئة الاجتماعية السياسية يتمثل مايلي:
-;- التنشئة على الولاء للمجتمع السياسي او عكسه وهنا يعتبر التنشئة على الدفاع عن املاك وافراد القبيلة احد اوجه الولاء لها، وقد يمتد هذا الولاء من القبيلة الى الولاء للدولة في مرحلة لاحقة. او عكس ذلك يمكن ان تساهم القبيلة في التنشئة على عدم الولاء للمجتمع السياسي في بعض الاحيان، ويعود السبب في ذلك الى تنشئة الفرد في القبيلة على انها ابن قبيلته قبل ان يكون ابن وطنه، وهذا النوع من التنشئة تشجع على اضعاف الولاء للوطن .
-;- واكساب بعض القيم والخبرات الاجتماعية ذات الابعاد السياسية، تقوم القبيلة بتنشئة الافراد على بعض القيم الخبرات على سبيل المثال المشاركة في النقاش واتخاذ القرارات الحاسمة. والذي له دور في تنمية مشاركته السياسية في الدولة.
-;- الولاءات الحزبية والايديولوجية، والطاعة للسلطات أو عدمه، وتحديد الهيئات الاخرى التي يتصل بها الفرد، واستمرار تأـثيرها على باقي هيئات التنشئة الاجتماعية السياسية الاخرى. يتضح دور القبيلة خصوصا في المجتمعات التي لم تعرف الاستقرار السياسي، ومرت بحروب كثيرة (اغلب بلدان دول عالم الجنوب ) ولم تنفتح على معالم الحضارة، تأثيرها على سلوك الفرد وتنشئته.
وعليه تعتبر القبيلة هيئة تنشئة اجتماعية سياسية ثانوية مهمة اقرب الى الفرد وهيئات التنشئة الاولية من حيث قوة العلاقات الشخصية والمباشرة والارتباط الدموي. لها تأثير كبير على سلوك الفرد.
ثالثاً: دور التنشئة السياسية في توسيع المشاركة السياسية.
تتوقف مشاركة المرء في الحياة السياسية جزيئاً على طبيعة وحجم ونوع المؤثرات السياسية التي يتعرض لها، غير ان مجرد التعرض للمؤثر او المنبه السياسي لا يكفي وحده لدفع الفرد الى المشاركة السياسية، وانما ايضاً لا بد ان يتوفر لديه قدر معقول من الاهتمام السياسي، وهو ما يتوقف على نوعية خبرات تنشئته المبكرة، فالتنشئة السياسية تقوم بتعميق روح الاقدام والمبادرة والعمل الجماعي في بنية الانسان من خلال بناء المؤسسات وتطوير قنوات للتعبير السياسي، وتنمية دوافع الفرد للمشاركة في الحياة السياسية ووضع مناهج تقلل من ظاهرة الاتجاهات الانعزالية او السلبية في الحياة السياسية.
وهكذا فإن المعارف والقيم والاتجاهات التي تتجمع لدى الفرد نتيجة لعملية التنشئة المبكرة تسهم في تطوير استجابته لمختلف المؤثرات السياسية وبالتالي تؤثر على مدى مشاركته في الحياة السياسية فالشخص الذي ينشأ في بيئة قوامها التحاور والمشاركة في اتخاذ القرارات يكون اكثر ميلاً للمشاركة السياسية من الشخص الذي يخضع لتنشئة اجتماعية سلطوية. ذلك لأن السلوك السياسي امتداد للسلوك الاجتماعي وكلما كان كان المرء على الصعيد الاجتماعي كلما كان احتمال مشاركته في الانشطة السياسية اكبر والعكس بالعكس.
فعملية التنشئة الاجتماعية السياسية لها دور كبير في تحديد عملية المشاركة السياسية من خلال ما تغرسه من قيم في نفوس الإفراد وسلوكهم السياسي الذي يتحدد في ضوئها، إذ طبيعة القيم التي يحملها الأفراد تنعكس في وعيهم السياسي، ونوعية ثقافتهم السياسية التي يحملونها وكيفية استجابتهم للموضوعات السياسية ومن خلال هذا يتضح دورهم ومشاركتهم في الحياة السياسية، فدرجة مشاركة الفرد في الحياة السياسية يتوقف على نوعية التوعية السياسية التي يتعرض لها، غير أن التوعية السياسية لا تكفي لدفع الفرد للمشاركة السياسية، وإنما لابد له أن يتوفر لديه قدرُ معقولُ من الاهتمام السياسي وهذا يتوقف على نوعية التنشئة السياسية المبكرة، فالتجارب والخبرات التي تحدث في مرحلة الطفولة تؤدي دورا مهماً في تشكيل اتجاهات الأفراد وتوجيه سلوكهم السياسي.( ) وبالنتيجة فان مدى عزوف الفرد عن المشاركة السياسية أو الاشتراك بها يتوقف على التنشئة الاجتماعية السياسية، فالقيم والاتجاهات والمعارف التي تتجمع لدى الأفراد من خلال عملية التنشئة الاجتماعية السياسية المبكرة أما تشجع على الاهتمام وممارسة النشاط السياسي أو تكون ضد ذلك.
صفوة القول أن عملية التنشئة الاجتماعية السياسية لها دور كبير في المشاركة السياسية من خلال ما تغرسه من قيم بواسطة مؤسساتها المختلفة المتمثلة في ( الأسرة، المدرسة، دور العبادة، وسائل الأعلام...الخ) في الأفراد. والتي يتحدد في ضوئها السلوك السياسي من خلال توعية الثقافة السياسية التي تغرسها، والتي في ضوئها تتحدد مدى استجابة الأفراد للموضوعات السياسية، وبالنتيجة يتحدد دورهم في العملية السياسية بوصفهم مشاركين أو غير مشاركين فيها في ضوء ثقافة الأفراد السياسية والتي تتغذى و تنتقل بواسطة مؤسسات التنشئة الاجتماعية السياسية، بوصف أن التنشئة الاجتماعية السياسية تقوم بنقل القيم والمعتقدات من جيل لآخر.
كما أن نوعية المشاركة السياسية تتوقف على نوعية القيم التي تغرسها التنشئة الاجتماعية السياسية، فقيم الحوار، والحرية، والديمقراطية التي تغرسها الهيئات الاجتماعية السياسية لابد أن تؤدي إلى مشاركة سياسية ديمقراطية.
في حين أن قيم الخضوع والطاعة للنظام السياسي والخوف لابد أن تعكس مشاركة سياسية غير فعالة وليس لإرادة المواطن دور فيها وإنما هو مجبر عليها أو مدفوع نحوها فهي مشاركة غير مؤثرة في عملية صنع و اتخاذ القرارات السياسية، مشاركة (غير ديمقراطية).








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. السلفادور تنقل 2000 سجين إلى معتقل ضخم جديد


.. حاج مصري: جئت لأدعو لغزة فهي جرحنا النابض




.. نفاد الوقود يهدد بتوقف محطة الأكسجين الأخيرة بمدينة غزة وشما


.. مسؤولون أمريكيون: إدارة بايدن تشعر بقلق بالغ من العنف المتصا




.. نار هبّت بعد انفجار 12 صهريجا.. حريق هائل في مصفاة نفط بأربي