الحوار المتمدن - موبايل


احمد مزعل/ ظل وضوء قيد الانجاز في بغداد

قاسم العزاوي

2015 / 3 / 31
الادب والفن


حين صرخ الفنان الفرنسي (كوربيه)بعد انسلاخه من المدرسة الرومانسية ، وهو من اشهر رموز المدرسة الواقعية :(انني لااستطيع ان ارسم ملاكاً،لأنه لم يسبق لي أن شاهدته ..)حينها ايقن أن الواقعية هي الطريق الوحيد للخلاص والتقرّب من الشعب وهمومهم ويومياتهم وواقعهم الاجتماعي ، دون تسقيط مشاعره واحاسيسه ذاتوياً ونقل مشاعره للآخرين ، كما دأبت المدرسة الرومانسية على هذا، وانما عليه أن ينقل واقعيا مشاعر واحاسيس الاخرين كما يلمسها في وجوههم ودواخلهم ،وتسليط الضوء على جوانب هامة وايصالها للجمهور المتلقي باسلوب يسجل الواقع بدقائقه دون غرابة وتهويل ونفور، والتركيز على الاتجاه الموضوعي واتخاذ المنطق الموضوعي اكثر اهمية من الذات- واعني هنا، ذاتوية الفنان واقحام انفه في نقل مشاعره هو على حساب مشاعر ورؤى الآخرين ..
من هذه المقدمة المقتضبة سألج الى عوالم الفنان (احمد مزعل) واستقراء منجزه البصري الواقعي في معرضه الشخصي المعنوّن (ظل وضوء قيد الانجاز Dark and light in progress )الذي عرضه على جدران قاعات دائرة الفنون التشكيلة/ وزارة الثقافة العراقية في 9/2/ 2015،وأول انطباع تركه الفنان احمد مزعل على وجوه المتلقين ، وبجميع مستوياتهم الثقافية والتذوقية والجمالية ، هي الدهشة والحميمية والاقتراب منهم حد الملامسة بل الغور داخلهم ودغدغة مشاعرهم واحاسيسهم ..، وهذا متأتي كما اعتقد من عدة اسباب ، واحدة منها واهمها من انه لامس الحياة اليومية ونقلها كما ينبغي بصدق وامانة حد الحلول والذوبان ، وأحالت المتلقي ان يتفاعل معها لانها ، اي اللوحة الواقعية، تفاعلت هي الاخرى مع المشاهد وجعلته يسترجع من خرين معرفياته ومشاهداته ، وما خزنه ايضا من حكايات عن حياة يومية ومجتمعية وبيئية ، سمعها من ابيه وامه ومن الاخرين، لذا كان التفاعل مابينه وبين المنجز التشكيلي الواقعي للفنان احمد مزعل ،تفاعلا متلاحما ..،والسبب الاخر لهذه الحميمية والتفاعل ، هو افتقاد المتلقي للمدرسة الواقعية بالفن التشكيلي ، بعد اضمحلالها وتحجيمها وسط المدارس والاساليب واللاتجاهات والرؤى الذاتوية الحديثة وبكل اشكالها ، ماعدى بعض التجارب الواقعية الخجولة ، التي نلمسها مغلفة ايضا بأساليب تشكيلية اخرى ومزاوجتها معها، وهناك اسباب اخرى لهذا التفاعل ، لامجال لذكرها ، وانما تحتاج الى مبحث مطوّل لاتستوعبه صفحات مجلة محدودة الصفحات ..،
من عنوان معرضة( ظل وضوء قيد الانجاز) يحلينا هذا العنوان ، ان لوحاته لم تكتمل بعد ، وان الظل والضوء مازالا يتصارعان في الحلبة اللونية على قماشة اللوحة وانهما ينتظران صافرة الحكم ليستقرا على أرضية اللوحة لاهثين متحفزين لانتظار صافرة بدء الصراع من جديد ، وهكذا ..، وكأن الفنان اراد ان يبوح للمتلقي ، شاركني في اكتمال لوحتي ، باضافاتك وتصوراتك ورؤاك ، فانت جزء مهم في هذا المنجز وهو عمل خصيصا لك سيدي المتلقي، هذا اولا وثانيا ، هو – اي الفنان- يعرف ان الاكتمال يعني نهاية الشيء، فلا جديد بعده ولا استمرار ، كمبدأ ديالكتيكي ، متأت من صراع الاضداد لولادة جديدة تتصارع هي الاخرى مع اضدادها وهكذا يكون الاستمرار والتطوّر والخلق الجديد ، وان وصل لحالة الكمال والاستكمال ، يعني هذا توقف الخلق ، وموت الفنان ..،
الفنان احمد مزعل ،استرجعنا بقوة ،بواقعيته الجديدة الى السبيعينيات وما قبلها من رموز واعلام الفن التشكيلي العراقي المعاصر ، ومنطقة اشتغالهم الواقعية والانطباعية ايضا، بألوانها الحارة والباردة وضربات فرشاته الساحرة بغنائية واقعية وانطباعية تعكس مدى تمكنه ودرايته باللون ومدى تأثيره على عين المتلقي واستقطابه صوب عوالمه الجمالية المؤسسة لمنجزه البصري هذا، والمنسرحة على قماشة اللوحة بهدوء واسترخاء تام على طول وعرض وعمق اللوحة ومشهديتها الواقعية البصرية والانطباعية الفخمة ، بعيدا عن التشتت والتشظي البصري لعين المتلقي ،رغم امتلاء رقعة اللوحة وفضاؤها بمشهديتها البصرية ، اي ان عين المتلقي واحساسه ايضا لاتنجذب لبؤرة واحدة وتترك البؤر الاخرى في المنجز التشكيلي ، وإنما تختزن المشهدية البصرية كاملة دون تجزيء وتفتيت ، ضاربا بهذا بؤروية العمل التي يضعها الفنان لاستقطاب عين المشاهد..،لذا يتفاعل المتلقي معها وتتفاعل معه حد الحلول والامتصاص ، يتفاعل معها بغنائية واقعية انطباعية وحلميّة مشتركة حد الحلول والذوبان بعضهم ببعض..،
تحيلنا مشهدية الفنان احمد مزعل الى المنجز الواقعي للفنان والملوّن الكبير فائق حسن ، والى انطباعية الفنان حافظ الدروبي ومشهدية الفنان نجيب يونس وابراهيم العبدلي و بقية الفنانين المشتغلين على هكذا منطقة فنية ، وهذا لايعني انه اقتبس منهم واستنسخ ، لكنه نهل من اساليبهم هذه ، خاصة بتعامله مع اللون والانشاء ..، رغم واقعية اسلوبه الطاغية ،لكننا نلمس ونؤشر على انطباعية راقية تتزاوج مع واقعية الفنان احمد مزعل..،كما نلاحظه في لوحة الاوز او البط ، وأقترح تسميتها (سقي الاوز) ولوحته( جامعي الملح) رغم اني اقف بالضد من عنوّنة اللوحات ، كي لانحرم المتلقي من اقتراح العناوين ومشاركته مع الفنان في منجزة التشكيلي..،بيد انها احالتني الى اقتراح هكذا عنوانين باعتباري متلقي ايضا..
خامات الفنان احمد مزعل والتي استخدمها لانجاز اعماله الفنية ، هي الكانفاس والا لوان الزيتية والفرش باحجامها المختلفة ، لكن الضربات العريضة تؤشر على انه يميل الى استخدام الفرش الكبيرة لتعطي انسيابية متجانسة للون على مساحة القماشة ، تماما كما كان العملاق فائق حسن يفضّل الفرش الكبيرة لانجاز لوحته ..،
ورغم غربة الفنان عن بلده، لكنه بقي مخلصا لبيئته وما تحمله من موجودات ، ماغادرته يوما ، ونقلها بكل اخلاص وامانة وانتماء حقيقي ، لانها من شكّلت معرفياته الاولى وساهمت ببناء ذاكرته ومخزوناته ، وهي المنهل الاول لاغتراف مشاهده البصرية ، بما تحمله من جمال والتصاق حقيقي بالذاكرة الفردية للفنان والذاكرة الجمعية للمتلقين ..،
ارى ان المعرض التشكيلي للفنان احمد مزعل ،اضافة نوعية للمشهد التشكيلي العراقي المعاصر ، الذي اتحفنا برموز فنيّة تركت بصماتها بعمق وستبقى دروس مهمة وفاعلة للاجيال المتعاقبة من الفنانين ، واحمد مزعل من ضمنهم طبعا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عام على جائحة كورونا..فرقة الورشة المسرحية باتت مهددة بالاخت


.. قصة نجاح لمشروع نسائي بدأ بدولار منذ نحو 60 عاما.. وأصبح إله


.. المنتج والمخرج الأردني إياد الخزوز يكشف عن ماذا ينقص المسلسل




.. الممثلة المغربية جيهان خماس.. عفوية معهودة وتلقائية في التفا


.. حوا بطواش - حوار عن الأدب والكتابة وأجمل إبتسامة محفورة في ا