الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


نجيب محفوظ بين السيرة الذاتية والتخييل السردي .. أصداء السيرة الذاتية نموذجا.

هويدا صالح

2015 / 4 / 1
الادب والفن



إن التداخل بين السيرة الذاتية والرواية تداخلٌ معروف منذ عقود، حتى أن بعض النقاد يرون أن معظم النصوص هي سير مقنعة بأقنعة التخييل سواء صرح بذلك أصحابها أم تكتموا، فإن المرجع الأوحد هو الواقع وما نلمس من جوانبه.فحتما حين يقول كاتب أنه:" لم أكتب سطراً واحداً لا يستند إلي واقع:السطرُ الأول في (مئة عام من العزلة) مُستمد من حادثة شخصية: عندما كنت صغيراً أخبرت جدي أنني لم أرَ الثلج قط، فاصطحبني إلى معسكر شركة الموز الأمريكية وأمر بفتح صندوق من الفاكهة المثلجة، وجعلني أضع يدي فيه... وهكذا بدأت مئة عام من العزلة بتلك الحادثة القديمة: عندما كان الكولونيل أوريليانو يقف أمام فريق الإعدام تذكر عصر ذلك اليوم، قبل سنين طويلة، حين اصطحبه والدُه لاكتشاف الثلج" ( ).
فهل كانت كتابات محمد شكري في "الخبز الحافي" تخلو من البعد السيري رغم مساحات التخييل التي كتبت في الرواية، إلا أن الإشكالية الأعمق في نظري، ليست إشكالية التجنيس أو التداخل بين الجنسين، لأني أعتبر أن كل رواية هي سيرةٌ ذاتية مُقنعة بأقنعة الخيال والرؤية، وكلُ سيرة ذاتية هي رواية بما فيها من انتقاء وخيال، رغم الإيهام المُعلن بالواقعية. إن الذات المبدعة تحاول عبر فكرة " التقنع " أن تمارس الكشف وتسريب الخطابات ، بل وتسريب طرفا من حياتها في السرد، وليصبح السرد خطاب إدانة للواقع، أو خطاب انتصار للذات، والتغلب على هزائهمها، أو حتى امتلاك القدرة على التحرر والانعتاق من معاني قد تخص الذات وحدها، لكنها تمارس ضغطا على الروح.
لا شك أن كل حكاية تنطلق من مبدإ التخييل، وكل خيال يُعيد إنشاء الواقع بقدرة ذاتية،ومن ثم فإن التلاحم الأكيد بين السرد والذات، يجعلنا نتصور أن السرد إن هو إلا محاولة لتسريد الذات ، ورغبة في تجليها في الكتابة.يصير النص السردي مساحة للحرية يبوح في فضائها الكاتب بما يتعوره من مواجد وما يسكت عنه في العقد السيري، فالكتابة بحسب رولان بارت تصدر عن ذوات ملأى، تتنازعها الأبعاد : الخفية والظاهرة، بل هي وسيلة لللتداوي والاستشفاء، فكل بناء سردي يتضمن في مستوى من مستوياته بعضا من الذات،حتما :"هناك أشياء كثيرة في روايتي كُتبت على عجل وتبدو غير مُوفقة...أنا لا أقف إلى جانب الرواية، لكني أقفُ في النهاية إلى جانب فكرتي"( )، والدلالة الاجتماعية لتسريد الذات في فضاء تخييلي يكون متضمنا لرؤية العالم لدى هذه الذات، وذلك:" لأن المتكلم في الرواية هو دائما وبدرجات مختلفة منتجُ إيديولوجيا لأن الكلمات هي عينة إيديولوجية واللغة الخاصة برواية ما تقدم وجهة نظر خاصة عن العالم تنزع إلى دلالة اجتماعية"( ) وحضور الذات، هو نقطة التقاطع المكثفة بين العام والخاص، ونعثر على ما هو شخصي من خلال وعينا بأن الذات الكاتبة، التي تتخفى وتتقنع بحيل شتى تلهينا عن ملامحها التي تقبع في البؤرة العميقة للخيار الفني وتسوق مُجمل وجهات النظر.ورغم أن البعض يرى أن الكتابة :" هي التاريخ الشخصي للأوطان، وتستوجب بحثا وتنقيبا في الحياة الإجتماعية برمتها"( ) إلا أن الأمر لا يخلو من البحث عن التاريخ الشخصي للذات، على ألا يصبح حضور الذات طاغيا ومباشرا وإلا تحولت إلى سيرة ذاتية لا يفلح فيها التقنع ، كما أن الكتابة هنا باعتبارها تاريخا للأوطان، لا يمنع أن يراهن القارئ من خلالها على المتعة ، فحتما :" نص المتعة هو الذي يضعك في حالة ضياع، ذلك الذي يُتعب، لأنه يجعل القاعدة التاريخية والثقافية والسيكولوجية- للقاريء- تترنحُ، ويُزعزع كذلك، ثبات أذواقه وقيمه وذكرياته، ويؤزمُ علاقته باللغة"( ).
إذن تسريد الذات ليس معناه كتابة سيرية خالصة، بل يحاول من خلالها المبدع أن يسرب طرفا من حياته أو كل حياته في فضائه السردي، ربما هروبا من فكرة السيرة الذاتية الصريحة التي تحتاج إلى المكاشفة والاعتراف، وربما انحيازا لفكرة التخييل السردي أكثر من واقعية السيرة الذاتية. وهكذا كتب لنا نجيب محفوظ " أصداء السيرة الذاتية" التي جاءت كلوحات سردية مكثفة ، وبلغة شعرية شديدة العمق، وتحتاج إلى كثير من التأمل، وكأنها تجليات فلسفية لمشروعه الروائي كله:" قال الشيخ عبد ربه التائه : الكمال حلم يعيش في الخيال، ولو تحقق في الوجود ما طابت الحياة لحي".
الشيخ عبد ربه التائه هنا هو فيلسوف نجيب محفوظ الذي يحمله نتاج فكره الفلسفي والتأملي. شخصية عبد ربه التائه كتبها قبلا نجيب محفوظ في مجموعة " رجال الله " ، وفي أصداء السيرة يعطيه مساحة كبيرة، ليكشف من خلاله عن خطابه الثقافي الذي يريد أن يوصله نجيب محفوظ، فشخصية عبد ربه تجمع بين الخير والنبل والصوفية والحكمة فضلا عن جمعها بين الجنون والعقلانية:" سألت الشيخ عبد ربه : متى ينصلح حال البلد؟ فأجاب : عندما يؤمن أهلها بأن عاقبة الجبن أوخم من عاقبة السلامة". كثيرا ما لام المثقفون نجيب محفوظ أنه ليس له دور حقيقي في المشهد السياسي ، كما أنه لا يريد أن يكتب مقالات رأي يحملها آراءه السياسية مثل يوسف إدريس مثلا، لكن من يقرأ كتاباته وسردياته يكتشف أنه له خطاب فكري وسياسي لا يقل أهمية عن كبار المفكرين والسياسيين، فثرثرة فوق النيل مثلا ألم يكن كاشفا وفاضحا للمشهد المصري قبيل 1967، وقد تنبأ بالهزيمة؟ ألم تختصر جملة عبد ربه التائه السابقة أنه يؤمن الشعب بأن عاقبة الجبن والسكوت عن الحق أكثر ضررا من الأمن أليس هذا خطاب تحريضي على التمرد والثورة؟. ورغم أن الحديث عن الثورة جاء بشكل تحريضي، فقد كتب أيضا سردية عن الثورة، لكنها جاءت مغلفة بوعي الطفولة، فقد كانت الثورة بالنسبة له، وربما يكون يقصد ثورة 1919، كانت الثورة بالنسبة له بمثابة إنقاذ طفل من يوم دراسي طويل وكئيب:" دعوت للثورة وأنا دون السابعة.. ذهبت ذات صباح إلى مدرستي الأولية محروساً بالخادمة، سرت كمن يساق إلى سجن، بيدي كراسة وفي عيني كآبة وفي قلبي حنين للفوضى، والهواء البارد يلسع ساقيّ شبه العاريتين تحت بنطلوني القصير.. وجدنا المدرسة مغلقة والفرّاش يقول بصوت جهير :بسبب المظاهرات لا دراسة اليوم أيضا.غمرتني موجة من الفرح طارت بي إلى شاطئ السعادة ومن صميم قلبي دعوت الله أن تدوم الثورة إلى الأبد. هذه السرديات تعتبر صدى لحكايات حدثت له في صباه ، هذه الأصداء ليست لحكايات حدثت له فعلا، بل أيضا لشخوص رواياته، فحين يصف حجرة جدته يذكرنا أنه تمت في هذه الحجرة تكوين الذاكرة المعرفية لنجيب محفوظ :" الحجرة التي حكت لي أجمل الحكايات ". حتى مرضه وهو صغير، وكيف أنه نال العطف والحنان من الأسرة كلها ، وكيف أنه حاول الاجتهاد حتى ينال حبهم وحنانهم، كل ذلك كتبه محفوظ في بداية " أصداء السيرة" وكأنه يريد أن يرسم خلفية سيرية في البداية حتى يسرب لوعي القارئ أن هذه الأصداء فعلا من السيرة وليست كلها تخييل محض:" في صباي مرضت مرضا لازمني بضعة أشهر. تغير الجو من حولي بصورة مذهلة وتغيرت المعاملة. ولت دنيا الارهاب، وتلقفتني أحضان الرعاية والحنان. أمي لا تفارقني وأبي يمر عليّ في الذهاب والإياب. وأخوتي يقبلون بالهدايا لا زجر ولا تعيير بالسقوط في الامتحانات. ولما تماثلت للشفاء خفت أشد الخوف الرجوع إلى الجحيم. عند ذاك خلق بين جوانحي شخص جديد، صممت على الاحتفاظ بجو الحنان والكرامة، إذا كان الاجتهاد مفتاح السعادة، فلأجتهد مهما كلفني ذلك من عناء، وجعلت أثب من نجاح إلى نجاح، وأصبح الجميع أصدقائي وأحبائي. هيهات أن يفوز مرض بجميل الذذكر مثل مرضي".
السرد في النص يتناوبه ساردان، السارد الأول بضمير الأنا وهو يشير للمؤلف، الذي يحكي عن جديته ومرضه ، وحكاياته، ويشير ضمير الأنا أكثر إلى البعد السيري في النص، واتسمت سردياته بالحكي عن حدث وزمن ومكان، أما الصوت الثاني، فهو صوت عبد ربه التائه، لكنه لا يتسلم دفة السرد بشكل مباشر، بل لا بد من وسيط يستنطقه، وهذا الوسيط هو الذات الساردة بضمير الأنا. فدوما سنجد صيغة متكررة من قبيل " سألت الشيخ عبد ربه التائه : ما علاقة كذا ؟ ـو متى يحدث كذا" واتسمت سردياته بالفلسفة والحكمة.
الأماكن التي تدور فيها أحداث هذه السرديات تتنوع ما بين الحارة وحلقات الذكر والسبيل والكهف، ،وكلها أجواء مصر القديمة، أجواء الحارة المصرية، وهي ذات الطبوغرافيا التي دارت فيها أحداث رواياته كلها ، وقليلا ما نجد الإسكندرية مكانا للسرد في النص، واتخاذ إسكندرية مكانا للسرد قام به قبلا في روايات مثل ميرامار ، و السمان والخريف. كنا أبناء شارع واحد، تترواح أعمارنا بين الثامنة والعاشرة. وكان يتميز بقوة بدنية تفوق سنه، ويواظب على تقوية عضلاته برفع الأثقا، وكان فظا غليظا شرسا مستعدا للعراك لأتفه الأسباب. لا يفوت يوم بسلام ودون معركة، ولم يسلم من ضرباته أحد منا حتى بات شبح الكرب والعناء في حياتنا. فلا تسأل عن فرحتنا الكبرى حين علمنا بأن أسرته قررت مغادرة الحي كله، شعرنا حقيقة بأننا نبدأ حياة جديدة من المودة والصفاء والسلام. ولم تغب عنا أخباره تماما، فقد احترف الرياضة وتفوق فيها، وأحرز بطولات عديدة حتى اضطر إلى الاعتزال لمرض قلبه، فكدنا ننساه في غمار الشيخوخة والبعد.وكنت جالسا بمقهى الحسين،عندما فوجئت به مقبلا يحمل عمره الطويل وعجزه البادي، ورآني، فعرفني فابتسم، وجلس دون دعوة. وبدا عليه التأثر فراح يحسب السنين العديدة التي فرقت بيننا. ومضى يسأل عمن تذكر من الأهل والأصحاب. ثم تنهد وسأل في حنان:
ـ هل تذكر أيامنا الحلوة ؟.
هنا السرد بضمير الأنا يشير إلى سيرية النص، أولا لأن ضمير الأنا هو الأقرب لذات المؤلف في وعي المتلقي، ثانيا الحديث عن الحارة ومقهى الحسين إشارة أخرى دالة على البعد السيري، وذلك لأن القارئ يعرف أن الكاتب هو ابن لهذه الخريطة الطبوغرافية.
في السرديات الحوارية التي تأتي على لسان السارد والشيخ عبد ربه التائه كتب نجيب محفوظ خلاصة حكمته في الحياة، فلسفته في الوجود، رؤيته للعالم التي هي " مجموعة من الأفكار والمعتقدات والتطلعات والمشاعر التي تربط أعضاء جماعة إنسانية (جماعة تتضمن، في معظم الحالات, وجود طبقة اجتماعية) وتضعهم في موقع التعارض في مجموعــات إنسانية أخرى . ويعني هذا أن الرؤية للعالم هي تلك الأحلام والتطلعات الممكنة والمستقبلية والأفكار المثالية التي يحلم بتحقيقها مجموعة أفراد مجموعة اجتماعية معينة"( ).فنجده يتحدث عن الحنين، والحلم والخلود والنسيان والتاريخ والصدق والكذب والعقل، وتتسم هذه السرديات باللغة المكثفة والدالة.
" النسيان
رأيت شخصاً هائلاً ذا بطن تسع المحيط، وفم يبلع الفيل، فسألته في ذهول
من أنت يا سيدي؟، فأجاب باستغراب:
أنا النسيان فكيف نسيتني؟ ".
الخلود "
قال الشيخ عبد ربه التائه
وقفت أمام المقام الشريف أسأل الله الصحة وطول العمر، دنا مني متسول عجوز مهلهل الثوب وسألني: “هل تتمنى طول العمر حقا، فقلت بإيجاز من لا يود الحديث معه:
ـ ومن ذا الذي لا يتمنى ذلك؟.
فقدم لي حُقاً صغيراً مغلقاً وقال، إليك طعم الخلود، لن يكابد الموت من يذوقه!
فابتسمت باستهانة، فقال :
ـ لقد تناولته منذ آلاف السنين، وما زلت أنوء بحمل أعباء الحياة جيلا بعد جيل، فغمغمت هازلا :
ـ يا لك من رجل سعيد!، فقال بوجوم :
ـ هذا قول من لم يعان كر العصور وتعاقب الأحوال ونمو المعارف ورحيل الأحبة ودفن الأحفاد، فتساءلت مجاريا خياله الغريب، ترى من تكون في رجال الدهر، فأجابني بأسى:
ـ كنت سيد الوجود، ألم تر تمثالي العظيم؟ ومع شروق كل شمس أبكي أيامي الضائعة، وبلداني الذاهبة، وآلهتي الغائبة!.
استطاع محفوظ في هذه النصوص أن يثير تساؤلات القارئ، فالحدث فيها ليس هو المهم، إنما المهم هو الأسئلة والمعاني التي وراء هذا الحدث، وكأنه يطبق مقولة الإمام النفري " كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة"، فرؤية الكاتب الذي قدم لنا عشرات من الأعمال الإبداعية السردية ما بين القصة والرواية وبعد كل هذه العقود من الإبداع، وهذه الحقول التي اجترحها بإبداعه ما بين الرواية التاريخية والواقعية والفلسفية والصوفية يقدم لنا صاحب هذه الرؤية المتسعة نصوصا مثل العسل المقطر لا نجد فيه إلا خلاصة الخلاصات كما يقولون. حاول في نصوصه أن يستشرف مناطق عميقة في الذات، سواء الذات المفردة التي تمثله أو الذات الجمعية التي تمثل المخزون الثقافي والفكري والفلسفي لمجتمعه، فمن يكتب عن الخلود والعقل والصدق والعطف وغير ذلك إنما يستشرف الذات الجمعية بمخزونها الثقافي والمعرفي. في هذه النصوص ما يفتح الباب أمام التأويلات، لأن الكاتب لم يغلق المعنى بلغة ذات مستوى واحد، إنما المعنى يظل مفتوحا على الاحتمالات المتعددة، وهذا ما يعطيها ميزة الخلود التي سعى إليها شيخه عبد ربه التائه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فيلم السرب يقترب من حصد 7 ملايين جنيه خلال 3 أيام عرض


.. تقنيات الرواية- العتبات




.. نون النضال | جنان شحادة ودانا الشاعر وسنين أبو زيد | 2024-05


.. علي بن تميم: لجنة جائزة -البوكر- مستقلة...وللذكاء الاصطناعي




.. تسجيل سابق للأمير الشاعر بدر بن عبد المحسن يلقي فيه أبيات من