الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المكان في السرد مابين الثقافي والأسطوري في رواية مستعمرة المياه للروائي جاسم عاصي

حيدر جمعة العابدي

2015 / 4 / 7
الادب والفن


المكان في السرد مابين الثقافي والأسطوري في رواية ( مستعمرة المياه) للروائي جاسم عاصي.
مَكرُ المجاز
مجازاً أقول: انتصرتُ
مجازاً أقول: خسرتُ...
ويمتدُّ وادٍ سحيقٌ أمامي
وأَمتدُّ في ما تبقى من السنديانْ . (محمود درويش)
قد يكون من المعلوم والبديهي ان يكون للمكان في الرواية حضوره الدائم مهما حاولنا تغيبه او إخفاءه كما للزمن وللغة والاحدث حضورها، فكل هذه الأركان لها دورها في تشكيل المكان كحضور بوصفها نسيجا متشابكا شديد الاتساق بالنص الروائي لكن يتباين هذا الحضور للمكان بين كاتب وآخر حسب رؤية الكاتب النفسية والثقافية والأيديولوجية ، واذا حاولنا التوغل في مفهوم المكان روائيا وفنيا سنجد انه الفضاء الذي تجري فيه الاحداث التي يقوم عليها البناء السردي فلولا المكان لما تمكنا من بناء سرد لذلك ظل المكان الركن الأساسي للتفاعل مابين باقي العناصر الاساسية مثل الزمن و،الاحداث، وللغة ،والشخوص، وعليه يعتبر المكان احد أهم الأبواب للدخول الى عالم الرواية . ان تعدد أشكال وأنواع المكان جعل من المتعذر علينا تناوله بكل أنواعه فهناك المكان المجازي والمكان الهندسي والمكان النفسي... الخ ،لذلك وكي لا نسقط في التعميم في دراستنا للمكان في السرد الروائي اخترنا تناول المكان بوصفة ملاذا ( ثقافيا وأسطوريا ) ونقصد بذلك (( المكان الأليف الذي عاش فيه الكاتب وشكل وعيه المعرفي والنفسي ومن ثمة انتقل منه ليعيش معه بخياله وأساطيره بعد ان فارقه جسديا ارتبط معه ثقافيا وروحيا)) ، لذلك مزجنا في دراستنا هذه عن المكان بين الثقافة بوصفها هوية وانتماء و الأسطورة بوصفها متخيل وإبداع. تمثل رواية(مستعمرة المياه ) للروائي جاسم عاصي الصادرة عن دار الشؤن الثقافية العامة - بغداد 2004 ،واحدة من الروايات التي تعتمد في بنائها على المكان باعتباره فضاءا ثقافيا و أسطوريا حيث يتحدث جاسم عاصي عن اسطورة(كوت حفيظ) بوصفها ملاذا نفسيا وثقافيايقول في افتتاحيته( الى مستقرات كوت حفيظ اسطورة الجنوب القصي ، وهي حكاياتهم رواها وخاض غمارها القوم ..تجارب الاجداد والاباء والاحفاد )فمن قرية الشويعرية النائمة بين احضان الهور يستعيد الكاتب عالما غني بالقدم والحكايات والوصايا والاحداث المشبعة بالخيال والتي تعود بِنَا بقوة الى الماضي البعيد ( أتعود يا ابي ؟)الاب (لاتقل أي شيء اوصيك فنحن نحترم الوصايا.اوصلها لك ولمن يكون بعدك )، ان إعادة الكاتب لمثل هذه الحكايات المبنية على نصوص قديمة من خلال السرد الروائي هدفه الأساس تتبع المسارات الدلالية من جذورها الأولى اي بداية تشكلها ثقافيا ومعرفيا للبحث عن طبيعة هذا التشكل ومدى تأثيره الثقافي والأسطوري على الذات و على المكان ، وهو بمثابت الموقف الرئيسي للسرد وللنص لذلك ارتبط المكان عند جاسم عاصي بالحنين والشغف والاشتياق والاسرار يتضح ذلك في اختيار المؤلف سارد وراوي عليم ظاهر له اسم وصوت هو مردان سليل السادة المكاصيص والبطل المنتظر العائد من صخب المدينة الى القرية ( وما سعيي الا ان تكون لي وللسادة ذرية تحفظ الوصايا وتصونها فإن استطعت يا سامح فاتخذ لك مسلكا ) لكن هذا الصوت يتغير من مكان لآخر ففي المدينة نجده صوت قلق مترددغير فاعل اما في القرية نجده صوت انفعالي حماسي ( فقد اطمأنت نفسي وهدأت ثورتي وخمدت شكوكي وأسكتت سؤالي المرير .. الام أبقى هكذا ضائعا في المدن الموحشة ) لذلك ارتبط هذا الحنين و الرغبة بالعودة بسؤال إلانا عن النحن والذي تكون الإجابة عليه مشروطة دائما بتطبيق وصايا الآباء لذلك هي عودة تخفي خلفها عجز ازلي لدى ابن القرية والمدنية عجز مرتبط بغموض عوالمه المتوارثة عن الأجدادوبالتالي هو عجز معرفي اكثر منه اجتماعي نفسي لذلك تحول سر كوت احفيظ مع تجارب الموت المتلاحقة الى (عقبة معرفية) لدى أهل القرية جعلهم ذلك منقادين لا شعوريا تجاه هذه الأساطير ،اي وجودهم مرتبط بوجودها ليتحول المكان الى بنيه ثقافية أسطورية مقدسة فكلما اتسم المكان بالأسرار ازداد هيبه وتقديس ولايمكن كشف هذه الاسرار الا عن طريق فئة تحمل نفس هذا النمط الأسطوري من البشر هم السادة اصحاب النسل المقدس ، ففي لحظة تلبية مردان لوصايا أبيه لكشف سر كوت احفيظ ينقل لنا مردان سردا صوريا يعكس هم قريته وأسراها ( ابتعدت حتى باتت مشاعلهم وفوانيسهم على الشاطئ مثل فتائل صغيرة ... استدرت بنظري الى الجانب الأخر فبهرني التوهج الأخاذ كان كوت يقترب مني بالوهج الساطع ) ان اعتماد الكاتب على إحداث ذات سياق أسطوري بدائي متوارث الهدف منها تكثيف النص واقناع المتلقي انه امام احداث ثيمية اكثر منها واقعية مرتبطة بمكان وزمان مابعد طبيعي تختفي وتعود من جيل الى اخر هو دليل على سطوة المكان الثقافي والأسطوري على المخيال الجمعي لشعوبنا مما يدفعنا ذلك لتقديس هذه الاسرار بعتبارها منتج الاهي او الاستعانة بها للإجابة عن أسرار الحياة والقلق من القادم حتى لو كانت هذه الأسرار هي محض أوهام او جهل معرفي بالشيء . اعتمد الكاتب على زمن دائري مغلق يعكس حالة الموت والانبعاث معتمدا في الوقت ذاته على قصة الخلق الاولى في النصوص الدينية المقدسة والأساطير وكي تكتمل صورة المكان في السرد اعتمد الكاتب على لغة شعرية وصفية لاضفاء هالة من الاسطرة على النص فحين استطاع مردان البطل من الدخول في قلب كوت احفيظ اذهله ذلك لكنه لم يجد غير مناظر الجحيم والموت وهو اصرار واضح من الكاتب على استدعاء صور ودلالات ثقافية وأسطورية قديمة مثل ملحمة هومروس في مشهد دخول الجحيم للبحث عن سر الخلود وهو استدعاء مزدوج للمكان الاول هو استدعاء ثقافي مدنس لما تشكله هذه الملحمة من رمزية على الشقاء الإنساني والثاني استدعاء أسطوري مقدس لما يمثله الجحيم من قصاص لكل من لم ينفذ وصايا الآباء والأجداد المذكورة في قصص الكتب المقدسة ، لذلك حين عاد مردان من جوف كوت حفيظ لم يتعرف عليه احد من أهل القرية حتى أمه( حكيمة القرية) كلهم تخلوا عنه لينتقل بعدها المشهد من القرية الى المدينة وهو انتقال رمزي يعكس حالت الانكسار الوجودي ، مردان يعترف الى زوجته زليخا ( دروبي تشعبت وتعددت مداخلها ) لذلك ظلت زليخا رمزا للعطاء والزوجة الحامية للوصايا والتي تحمل نسل مردان بعد موته سامح الابن المنتظر المنحدرمن نسل السادة المكاصيص سامح الفتى القادر على تطبيق وصايا الاب و اسرار كوت احفيظ (فُض وصاياه أمامنا ، بل افتح كتابه لنا ) . اعتمد جاسم عاصي على الواقعية السحرية في بناء الاحداث يتضح ذلك من أسماء الأماكن ( لاهوار و كوت احفيظ ) وأسماء الأشخاص ( مردان زليخا) كلها اسماء تحمل دلالات رمزية وتاريخية مختلفة ، كما جعل المكان محصور مابين القرية والمدينة وهي إشارة على انتقال رمزي مابين المكان الثقافي المدينة التي تتسع للتنوع المعرفي والمكان الأسطوري الأهوار التي تحتفظ بإسرارها في دلالة واضحة على الصراع الأزلي مابين الثقافي والأسطوري او بين البداوة والحضارة كما يسميه (علي الوردي) ، اعتمد الكاتب طريقة الوصف او اُسلوب الكامرة بما تملكهً من دقة وتساع عبر عدستها هذا من جانب لكن من جانب اخر اختزل الكاتب الرواية بأحداث قليلة ومكان محدود ضيق مما انعكس على المكان سلبا حيث تعامل مع المكان بوصفه أسطورة اكثر منه (فضاء عالم) ثقافي ونفسي واجتماعي وأيدولوجي رغم بعض المحاولات القليلة لفتح المكان على ابعاد اخرى ، في المقابل استطاع جاسم عاصي كشف سر الحنين الى كل ما يرتبط بالحكايات الاولى التي توارثناها أباً عن جد عبر ثقافة المجتمعات الأبوية التي تحكم وقعنا وعقولنا كما وسلطة هذه الدراسة الضوء على حجم الفشل المعرفي الذي شكل حياتنا وتاريخنا حتى حول ذاكرتنا الى قصص وأساطير متواترة اكثر مابستطاعتها عمله هو تعميق الفجوة مابين المعرفي والثقافي لذلك ظل المكان في السرد مكان مغلق على أسراره مكان أسطوري متخيل اكثر منه هوية وطنية وانتماء ثقافي .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أمسيات شعرية- الشاعر فتحي النصري


.. فيلم السرب يقترب من حصد 7 ملايين جنيه خلال 3 أيام عرض




.. تقنيات الرواية- العتبات


.. نون النضال | جنان شحادة ودانا الشاعر وسنين أبو زيد | 2024-05




.. علي بن تميم: لجنة جائزة -البوكر- مستقلة...وللذكاء الاصطناعي