الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


التنقيب عن الرجل في أدب المرأة!!

نهلة الجمزاوي

2015 / 4 / 27
الادب والفن


ربما من المباغت قولي: إن كل ما يتناول النص الأدبي من زاوية جندرية، هو تمييز ضدّ النصّ أولاً، ثم ضدّ كاتبه رجلاً كان أم امرأة.....وقد يتفاجأ البعض بصلافة هذا الموقف قبل النظر إلى حيثياته ..إذ أنتصر هنا للنص بوصفه مخلوقاً مستقلاً ونتاجاً ذهنياً لا علاقة له بالتصنيف البيلوجي لصانعه ومبدعه..وللمزيد من التوضيح أجد أن الكاتب هو خالق لعالم جمالي متكامل عبر منتج فني مكون من لغة لها دلالات ومعان ورموز تتشكل عبرها شخصيات العمل الفني، ومهمة العقل المنتج المبدع، أن يخلق شخصيات تنتمي إلى هذا العالم المصنوع بذكوره وإناثه شيوخاً وشباباً وأطفالاً، وكذلك بيئة وزماناً ومكاناً..والمبدع الحقيقي هو الذي يستطيع أن يتقمص الشخصية التي يريد أن يعبّر عنها، فينطقها بما تقتضيه بنية النص وعوالم الشخصية التي خلقها فلا يحمّلها بالضرورة مخرجاته الفكرية والنفسية الخاصة...وأنا هنا لا أستنكر رؤية الكاتب الفكرية وفلسفتة الخاصة من البروز في النصّ الإبداعي ولكن على أن يخلق لها مسوّغاتها فلا يقوّلها ما لا تحتمل قوله...ولعل أبرز الإشكالات التي يعانيها الكاتب لا سيما الأنثى، أن المتلقي سرعان ما يزج بها – أي الكاتبة- داخل النص فيجعل منها بطلته ويجعل موقفها داخل النص موقفاً شخصيا لها....
ربما كان للتجربة الدرامية أثر في موقفي حيث أدركت أن علي أن أتحدث بلسان الشخصية،لا بلسان حالي فلا أقوّل الشخصية ما تمليه علي رؤيتي الفلسفية في الحياة ففي حين أستنطق الرجل البطل الصامد المناضل أو الفارس الشهم الشجاع أو العاشق الرقيق المتيم ..أستنطق أيضا الرجل المتخاذل الضعيف المهزوم وكذلك العميل المتساقط ..وفي ذات الوقت أستنطق الرجل البسيط الذي ينتمي إلى الدهماء من البشر، والذي لا يطلب من الحياة إلا كفافها..وإذ أستنطق المثقف المفكر وأظهر عيوبه وهناته دون إدانة مطلقة أو تبجيل ودفاع فاقعين، وكذلك المحبط المأزوم، وغيره المتمسك بمبادئه المخدوع الذي يعيش مرحلة إرهاصات سياسية وفكرية واجتماعية فيشعر بالضياع. ... إذن ما أعنيه أن مهمة الكاتب تصبح نقلاً لبعض ما تكتنفه الحياة من نماذج لامرأة أو رجل، بصورة ليست فتوغرافية وإنما مجازية ذات دلالات واقعية، فتقوم بتعرية الشخصيات وطرحها بتلقائية دون تجميل أو تزييف. ... إذن أي صورة للرجل في أدب المرأة يمكن الامساك بها إذا كانت تعكس كل تلك النماذج للرجل بمهارة دون أن تنزلق في الذاتية المفرطة، فالكاتب الحقيقي هو الذي يجعلك تتفاعل مع نصّه وشخصيات نصه دون أن تتذكر لوهلة أن صانع النص هو رجل أم أنثى ..
إلا أنّ نصوص الأنثى في أغلب الأحيان يتم تلقيها بعينين كرقّاص الساعة ..فلا يتسنى لأحدهم أن يقرأ النص دون أن يزج بكاتبته داخله فيجعلها البطلة ويجعل من بطل نصّها خصماً أرادت أن تقارعه بالكلمات وتنتقم منه عبر اللغة، أو ربما أرادت أن تحقق بخيالها ما حرمه منه الواقع، فتصنع العاشق المتيم، أو قد تصنع الرجل الظالم المضطهد للمرأة....وتلك صور موجودة ومن المشروع للنص أن يتناولها وينقدها بأدواته الفنية، ولكن ما أستنكره هو العين التي ترقب قلم المرأة لتنصب من نفسها قاضياً ومفتياً ومؤوّلاً لشخصياتها الأدبية والمستمدة من قعر المجتمع، ثم تبني على ذلك تقييما لصورة الرجل في نظرها، فإن تحدثت عن رجل ظالم متحكم متغطرس يصبح ذاك هو الرجل في نظرها، وتلك ملامحه التي تنتقدها وتمقتها وتطالب بتغييرها والنضال ضدها إزاء المخلوق الضعيف الوهن المسمى بالمرأة..وإن تحدث نصّها عن رجل رقيق ودود صار ذلك هو الرجل في نظرها، وإن تجاوزت كل تلك المضامين لتحمّل نصهاً ما يعكس همّاً عاماً وتجاوزت قضية المرأة والرجل، صارت ذات أدب مسترجل ..وإن انحازت للمرأة صارت صاحبة نظرية نسوية مناهضة للرجل وظلمه، وإن طرحت نماذج لرجل مظلوم إزاء امرأة شرسة ظالمة صارت ذات أفكار شاذة وغريبة.
إنه لمن دواعي السخرية أن يحاكم الكاتب الخالق للأفكار والشخصيات بوصفه صاحب موقف من الشخصيات. وأنها تعكس صورة ثابتة في ذهنه، الا إذا كان ثمة كاتب يتوقف أدبه على صورة نمطية ثابتة مكررة للمرأة أو للرجل وهذا قد يحدث عند كاتب أو كاتبة على حدّ السواء وأحسبه أمر قد يقلل من شأن منتجه الإبداعي.....
وإذ استدرجنا مثلا من التاريخ ..فحاكمنا نصوص الخنساء فكان الرجل الذي بكته أباً وأخاً فارساً مقداماً فتلك صورة الرجل في عينيها فهل يعكس هذا صورة الرجل الحبيب أو هو ذاته الزوج الوفي الفارس أيضاً ..أليس من الممكن أن ثمة صور أخرى للرجل لدى الخنساء لم تسلط عليه الأضواء ربما كان ضعيفاً أو نذلاً متخاذلاً أم قاسياً متجبراً ..لماذا لا يكون أبطال الخنساء من الرجال هم صنيعة القصيدة "النص" ومطلبه في لحظة معينة أي زمان ومكان معين، وهل في شخصية " توبة " عند ليلى الأخيلية تكتمل صورة الرجل في عين شاعرة جريئة ذات قريحة فطرية لم تحكم صياغها اعتبارات قيمية عرفية بل انطلقت كغزال شارد في برية مفتوحة على اللاحدود... ألم تكن ثمّة، صور للرجل في ذهن ليلى مختلفة متعددة منذ الحبيب الفارس البطل الشجاع .. ثم زوجها الأول المقيت الغيور.. فالثاني التقدمي غريب الطباع في ظل بيداء الحجاز في العصر الأموي. والذي وافق أن يحملها إلى قبر حبيبها الأول حبّا لها، لا تساقطاً وقلّة رجولة ...فأي صورة يبحث عنها الدارس لأدب المرأة ثابتة وواقعية...ولماذا لا يبحث عن صورة المرأة في أدب الرجل، لأنها كثيرة ومتشعبة تشعب الحياة ذاتها ولا يمكن ضبطها لأنها المجتمع برمته..فلماذا نبحث في بنية مسبقة وننقب عن صورة الرجل في أدب المرأة لنصطاد ما هوغير دقيق أليس من حق المرأة أن تنقل الرجل بصوره المتعددة حيث توجه عدسة النص نظرها أي حيث تصطاده بموقعه الدرامي ودوره فيه، سلبياً كان أم إيجابياً.
هل يريد الباحث القول أن المرأة الكاتبة تستنطقها عقدة الإشكالية الجندرية والتمييز ضدّها ...ما أراه أن الحديث عن إرهاصات المجتمع برمته مشروعة للرجل والمرأة ومن حق الكاتب معالجة أيّ مشهد من مشاهد الحياة بالشكل الذي يمليه عليه فكره وإبداعه دون أن يطاله وصم الانحياز إلى شخصية من شخصياته التي خلقها بملء قلمه وفق رؤيته التاريخية لتلك الشخصية بزمانها ومكانها، فيدين أو يشيد كما يشاء، فالنص هو مملكة تدور فيها الشخصيات بما تقتضيه بنية العمل ودوره الدرامي فيها. لذا ستكون صورة الرجل في أدب الكاتبة المبدعة متعدد الأوجه حسب موقعه في النص ولن تكون صورة نمطية ثابتة إذ أن من الإبداع ألا يزج الكاتب أو الكاتبة بقلمها في جندرية منحازة ولا يتنصل من قضايا مجتمعه بل له أن يتناولها وفق منظومة مجتمعية متكاملة بجميع إرهاصاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية ...التي تطال الرجل والمرأة معا..








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لحظة إغماء بنت ونيس فى عزاء والدتها.. الفنانة ريم أحمد تسقط


.. بالدموع .. بنت ونيس الفنانة ريم أحمد تستقبل عزاء والدتها وأش




.. انهيار ريم أحمد بالدموع في عزاء والدتها بحضور عدد من الفنان


.. فيلم -شهر زي العسل- متهم بالإساءة للعادات والتقاليد في الكوي




.. فرحة للأطفال.. مبادرة شاب فلسطيني لعمل سينما في رفح