الحوار المتمدن - موبايل


الأصول المؤسسة لسياسات العثمانيين الجدد

جاك جوزيف أوسي

2015 / 4 / 29
مواضيع وابحاث سياسية


إن القارئ للتاريخ الصيني يلاحظ إنه مليء بقصص أشخاص تم تركهم أحياء من قبل أعدائهم وعادوا لينتقموا منهم في نهاية الأمر بعد خوضهم مغامرات شيّقة وامتحانات عجيبة، قابلوا خلالها أشخاص وكائنات غريبي الأطوار والأفكار، أكسبتهم قوة ومعرفة من جهة، ومن جهة أخرى صقلت مهاراتهم في طريقهم إلى الانتقام. ولذلك عندما كتب سان تزو كتابه " فن الحرب " في القرن الرابع قبل الميلاد وضع كل هذه القصص والروايات نصب عينيه وخرج بإستراتيجيته البسيطة والعنيفة التي تنص بوضوح على المبدأ التالي " اسحق أعداءك ".
المغزى من وراء ذلك بسيط جداً، وواضح للعيان، أعداءك يتمنون لك الشر دائماً، وليس هناك شيء أحب إلي قلبهم سوى التخلص منك. وإنك إن حاربتهم ثم توقفت قبل أن تنجز المهمة بسبب الرحمة أو الرغبة بالتصالح معهم تكون قد شددت من عزيمتهم وأعطيتهم دافعاً لقتالك بسبب شعور المرارة أولاً، وبسبب الهزيمة والإهانة ثانياً، لسلبهم شرف الموت في ساحة المعركة أو بحد السيف حسب تقاليدهم القتالية ومعتقداتهم الدينية، فيعودون للانتقام منك في يوم من الأيام. قد تراهم يعاملونك بود، ولكن ذلك بسبب هزيمتك لهم، حتى تحين لحظة تصفية الحساب. الحل بسيط جداً هو أن لا تأخذك رحمة أو شفقة بأعدائك، اسحقهم ولا تبق من قوتهم شيئاً لأنهم سيقومون بمثل ذلك عندما تحين ساعة الصفر. ففي النهاية حتى تنعم براحة البال يجب عليك أن تقضي على أعدائك. وهكذا كان الأمر دائماً، إبادة كاملة للمهزوم.
والقصة التي اقترحها أسطورة التكوين الأولى للشعوب التركية تنص على نجاة طفل من مذبحة تعرّض لها قومه على يد إحدى الجيوش الصينية حيث قامت هذه القوات بقطع الأطراف الأربعة للصبي ورميه على قارعة الطريق ليكون درس وعبرة بليغة لجميع سكان المنطقة كي لا تحدى أحد إرادة الملك، لكن الأقدار شاءت أن تمر من قرب الطفل ذئبة رمادية تقوم بإنقاذه ونقله إلى مكان سري في الجبال. لعقت جروحه وأرضعته واعتنت به حتى اشتد عوده وكبر.
هذا المكان عرف في الأساطير التركية باسم " أرغينكون ". يكبر هذا الطفل ويتزوج الذئبة التي تنجب له عشرة أبناء يكونون نواة الشعوب التركية، والذين سيعرفون باسم الذئاب الرمادية. الأبناء العشرة سيقومون بمسيرة شاقة للخروج من الوادي الأسطوري، ومن ثم مهاجمة المملكة الصينية وتدميرها انتقاماً لذكرى أجدادهم. هذه الأسطورة قد تفسر الكثير من طبيعة النفسية للعثمانيين الجدد لما تحمله من علاقة محرّمة بين الابن والأم، والبعد الحيواني لطفل عاش بين الذئاب, هذا من الناحية الاجتماعية والأسطورية. ناهيك عن ذكاء الذئاب الذي يقارب ذكاء الإنسان وما يمتاز به من شجاعة ودهاء.
لكل إنسان حلم وطموح كذلك حال الأمم والشعوب، وكما نرمز للأشياء المحببة على قلوبنا والأهداف التي نرنو إليها بأسماء مستعارة ورموز سرية حتى نحافظ على غموضها وسحرها الخلّاب، كذلك الأمر بالنسبة للشعوب التركية فحلمهم كان قطف التفاحة الحمراء دائماً. ولا أدري هل هي مجرد مصادفة أن يستعير الأتراك هذه القصة من الأثر الديني والتي تقترح إن سبب وصف الإنسان بالعجول إن الله سبحانه وتعالى عندما خلق الإنسان ابتدأ التكوين من الرأس حتى أخمص القدمين وفي هذه الأثناء كان أدم ينظر إلى التفاحة ويشتهيها حتى عندما تمّ تكوين اليدين تلقف التفاحة ومن هنا جاءت الآية الكريمة " وكان الإنسان عجولا " الإسراء :11. ففي محاولتهم لتأسيس الإمبراطورية كانت التفاحة الحمراء للأتراك هي القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية أحد جناحي العالم المسيحي آنذاك، والتي ستوصف بخاتم العروس للسلطان محمد الثاني الذي لقب بالفاتح وسمى المدينة إسطنبول. وشاءت الأقدار أن تكون هذه هي آخر تفاحة حمراء ينالها الأتراك حتى كانت هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى وفقدانهم للإمبراطورية ودفعهم لحدودهم الحالية، وهنا عاد حلم التفاحة الحمراء يداعب خيال كمال أتاتورك بطل الاستقلال وتحديث تركيا الذي رفعه الأتراك إلى مصاف الأبطال والقديسين والذي لا يتم شيء إلا بعد زيارة قبره لنيل الرضي والقبول. هذا الحلم كان الاندماج في أوروبا وإعادة السيطرة على المجال الحيوي لهم في أسيا العربية والوسطى والقفقاس، مستفيداً من الموقع الاستراتيجي لبلاده في الصراع بين الشرق والغرب إبان الحرب الباردة، وبين الشمال والجنوب كما يحدث الآن على الساحة الدولية.
الفالس التركي، وهي الخطوة الموزونة في النظام المنضّم للقوات الإنكشارية في جيش السلطان العثماني وتمثل إلى حد بعيد أسلوب تفكير وطريقة تخطيط القائد العسكري للاقتراب من الهدف المرسوم والمراد تحقيقه " استراتيجية الاقتراب غير المباشر "، خطوتان إلى الأمام وخطوة إلى الخلف، فإن نظرنا إلى هذا النظام مع ما لقصة تأليف الجيش الانكشاري من حكمة بالغة، حيث إن عديد هذه القوات كانت من أطفال سبوا من غزوات وغارات وتم تدريبهم على مختلف فنون القتال لاستخدامهم في قتال أبناء جلدتهم، وهكذا يضرب العثمانيين هدفين بحجر واحد يحافظوا على أنفسهم، ويتركوا أعداءهم يقاتلون بعضهم البعض.
هذه التداخل بين الأسطورة والحلم والتخطيط يرسم أسلوب عمل السياسة العامة للعثمانيين الجدد في المجال الداخلي والخارجي فهم في سبيل تحقيق حلمهم و طموحهم " التفاحة الحمراء " يجعلون أعداءهم يقاتلون بعضهم البعض " الفالس التركي " حتى يرهقوا بعضهم البعض، عندئذ تخرج الذئاب الرمادية من مخبأها السرّي في الجبال ويرتجف الجميع لأن موعد الصيد قد حان. ولأن الذئاب عندما تهاجم فريستها تختار دائماً الأفضل والأسهل منالاً الأمر الذي يجعل النصر حلفهم دائماً.
القوة الناعمة للعثمانيين الجدد
عرّف الجنرال الأميركي جوزيف س.ناي القوة الناعمة كما يلي، هي القدرة على الحصول على ما نريد عن طريق الجاذبية بدلاً من الإرغام أو دفع الأموال. وهي تنشأ من الجاذبية الثقافية لبلد ما، ومثله ومبادئه السياسية. وبهذه الطريقة يكون الحائز على مصادر القوة أمام خيارين إما استخدام سياسة العصى والجزرة وما يمكن أن تجر عليه من خسائر مادية أو معنوية، أو أن يلجأ إلى استثارة مشاعر المخاطب عبر الإعلان والترويج لقيم وشعارات أياً كانت طبيعتها ( دينية، أخلاقية، سياسية، اجتماعية... ).
هذا ما قرره العثمانيون الجدد في تركيا عندما استحضروا تجربة الحكومة الهندية في أفغانستان، فبعد سقوط حكومة طالبان عام 2001، طار وزير خارجية الهند إلى كابول كي يرحب بالحكومة المؤقتة الجديدة، على متن طائرة لم تكن محملة بالأسلحة أو الأغذية، بل كانت محشوة بأشرطة سينمائية وموسيقية من بوليود ( عاصمة السينما الهندية )، ليتم توزيعها في العاصمة الأفغانية كأحد الطرق العملية لتغلل القوة الناعمة لدولة في دولة أخرى.
فعبر سلسلة من المسلسلات المدبلجة للغة العربية باللهجة الدمشقية التي تصور الواقع الاجتماعي والسياسي في المجتمع التركي عموماً ومجتمع مدينة اسطنبول خصوصاً، أصبح المشاهد العربي على دراية كافية بمجمل نشاط وعادات وتقاليد المجتمع التركي، أفراحه وأحزانه، ما يحب وما يكره، وباختصار أصبح المشاهد على معرفة وافية بسلوكهم بدءاً من مطبخ الطعام وطرق إعداده ووصفاته المحببة واللذيذة، إلى المطبخ السياسي وطرق إعداد المؤامرات ورسم السياسات عبر استحضار حوارات مكتوبة بعناية ومختارة بذكاء ودراية، بوصفها سياسة ناعمة تعمل على توجيّه الرأي العام العربي إلى أهداف العثمانيين الجدد لعمل على تبنيها بطريقة غير مباشر.
هنا يكون من حقنا التساؤل، هل هذه المسلسلات هي نوع من الغزو الثقافي يهدف إلى تشكيكنا بتراثنا، وزعزعة شخصيتنا، ومن ثم العمل على تدمير هويتنا الوطنية والقومية. وذلك بإعلاء الثقافة التركية، مستغلين الرابطة الدينية لإرساء مفاهيم مشوهة في عقول الأجيال الصاعدة، ومن ثم العمل على سحق ثقافتنا وعاداتنا وتقاليدنا. وذلك من خلال اعتماد بعض الدول أو المجموعات العرقية و الإثنية ممثلةً ببعض شخصيات المسلسل وذلك بإلصاق كل نقيصة ورذيلة بهم. كل هذا قد يعمل على المدى الطويل إلى تضليل رجالات الفكر والسياسة في منطقتنا وخلق وقيعة بينهم وبين باقي المواطنين، وذلك من خلال العمل على خلق حالة تشويش متعمّدة في الأفكار والمعتقدات وزعزعة إيماننا بأنفسنا، لتأسيس حالة من الانكسار والانهزام النفسي، ليسهل سقوطنا غنيمة سهلة في شباكهم.
انتهى ميكافيللي في كتابه الأمير إلى أنه من الأفضل للحاكم أن يكون مهاب الجانب من قبل رعيته على أن ينال حبها واحترامها، وأن يعمل على أن يخافه الناس إن لم يتمكن من الفوز بحبهم لأنه بذلك يتقي بغضهم، لأن الخوف وعدم البغض يمكن أن يجتمعوا سوياً إذا لم يتدخّل الحاكم بملك رعيته أو شؤونهم الخاصة ومعيشتهم اليومية. لأن الإنسان قد يسامح من قتل أباه و لكنه لن ينسى أبداً من سلبه ماله. أما الآن وبفضل هذا الغزو الثقافي فقد يصبح من الممكن للعثمانيين الجدد إن يسلبونا مالنا ومتاعنا وغزو أسواقنا وتعطيل إنتاجنا الصناعي والتجاري وتعطيل مصانعنا ومصالحنا، وهم مطمئنون مرتاحون، فهذا هو الهدف الذي يريد ون الوصول إليه عبر غزونا واحتلالنا بواسطة قوتهم الناعمة.
حلم العودة إلى الدولة العلية
كل ما خطط له العثمانيون الجدد كان ممتازاً على الورق، استخدام قوتهم الناعمة للتغلغل في المجتمعات العربية وذلك عن طريق المسلسلات التركية المدبّلجة إلى اللغة العربية، ومن ثم العمل على نشر الثقافة ونمط الحياة التركية في مجتمعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لينتقلوا بعدها إلى الخطوة التالية والتي تجعل من البلدان العربية المكان المناسب لتصريف منتجاتهم، والأرضية المثلى لاستثماراتهم التجارية والصناعية، في نفس الوقت تقوم الحكومة التركية بامتصاص فائض رأس المال العربي في تطوير وتحديث بناها التحتية. ولتكون نتيجة سياستهم غير المباشرة هذه، استخدام العرب كورقة ضغط في مفاوضات الانضمام للإتحاد الأوروبي، فالغرب الذي لم يقبل بانضمام دولة علمانية بهوية إسلامية كما تعرّف تركيا نفسها، سيقبلها مرغماً بعد أن تكون قد رسّخت أقدامها في الشرق كقوة إقليمية ذات عمق إسلامي.
ولكن إلى أي مدى يمكن للغرب أن يقبل تركيا في صفوفه؟ وما هو الدور المرسوم لتركيا في مراكز صنع القرار الغربية؟ تركيا عضو في حلف الشمال الأطلسي NATO من العام 1952 م، والقاعدة المتقدمة للولايات المتحدة في صراعها ضد الإتحاد السوفييتي سابقاً، ونقطة الوثوب إلى أسيا الوسطى والشرق الأوسط لاحقاً " بفضل قاعدة أنجرليك الجوية "، ومن ثم تحولت إلى رأس الحربة في حرب الغرب والولايات المتحدة الأميركية على الدول المعارضة للسياسات الأمبريالية التي ينتهجونها في منطقة الشرق الأوسط وأسيا الوسطى والقوقاز، وفي مقدمتها روسيا والصين. وإذا علمنا إن كل الحروب التي خاضها حلف الناتو بعد انتهاء الحرب الباردة كانت ضد بلدان إسلامية باستثناء حرب البلقان، وإذا علمنا إن تركيا هي الدولة المسلمة الوحيدة في هذا الحلف، نستطيع أن نطرح التساؤل التالي ما هو دور المنوط بتركيا أن تلعبه في المنطقة؟ هل هو دور المرشد والدليل في العالم الإسلامي حتى يتفادى الناتو إثارة النعرات الطائفية والحزازات الدينية وللعمل على تجاوز الفروقات الثقافية، أم أن دورها يقتصر فقط على تقديم الغطاء لتلك التجاوزات ووضع التبريرات لها؟
هذا الدور أصاب العثمانيون الجدد بالضياع، فهم يملكون الكثافة السكّانية، الآلة العسكرية، الموقع الاستراتيجي، الثروة المادية والمعنوية، والتي يحاولون استغلالها للتأثير على قرارات الدول المجاورة لهم، وللعمل على خلخلة أمنهم واستقرارهم عبر تأليب مكوناتها السكانية العرقية والدينية ضد بعضها البعض، لجعلها تدور في فلك السياسة التي يرسمها العثمانيين الجدد في تركيا. وظنّوا إن باستطاعتهم تصدير نموذجهم إلى دول الجوار عبر اللعب على المتناقضات واستغلال الاختلافات بين المكّونات الاجتماعية والعرقية والدينية في تلك الدول، ولكن هذه السياسة انعكست سلباً على العثمانيين الجدد حيث أصبحت خياراتهم صعبة وهامش مناورتهم ضيق للغاية، لدرجة إن طموحاتهم بأن تصبح تركيا لتكون قوة إقليمية أصبحت موضع شك.
النظريات السياسية للعثمانيين الجدد
طرح منظّروا الحزب ثلاث نظريات تحكم التّوجه الجديد للسياسة التركية وتؤسس للهوية التركية الجديدة. وكانت النظرية الأولى هي نظرية التحوّل الحضاري التي أعادت صياغة رؤية أوزال للفضاء التركي وتحويله إلى فضاء إسلامي ممتد من حدود الصين حتى المغرب. أما النظرية الثانية فكانت نظرية العمق الاستراتيجي التي وضعها أحمد داود أوغلو بناءً على موقع تركيا الاستراتيجي، حيث يعتبر أن قيمة الدولة في العلاقات الدولية تتحدد بشكل رئيسي في موقعها الجيوستراتيجي، ومن عمقها التاريخي. وعليه فإن تركيا ذات هوية مركبة من شرق أوسطية وبلقانية وآسيوية، عليها أن تنتهج سياسة خارجية تهدف إلى إرساء دعائم السلام في هذه الأقاليم الثلاث، لأن بواسطة هذا السلام يتحقق الأمن القومي التركي. وقد تفرّع من هذه النظرية مبدئيين صاغا السياسة الخارجية التركية، وهما مبدأ القوس المشدود والسهم المندفع ومبدأ صفر مشكلات(1). أما النظرية الثالث فهي نظرية العثمانيين الجدد. فما هي هذه النظرية وما هي أهدافها ؟
نظرية العثمانيون الجدد
تحدد هذه النظرية سبب تراجع النفوذ التركي على مسرح السياسة الدولية يعود إلى سياسة " القطيعة " التي عملت على فصل ماضي تركيا العثماني وعمقها الاستراتيجي عن حاضر الجمهورية العلمانية التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك ومحيطها الإقليمي. هذه القطيعة عمّقت سوء الفهم بين تطبيق العلمانية وممارسة شعائر الإسلام، فهذه السياسة غلّبت الأمن على الحرية، وأحدثت أزمة هوية في أوساط النخب التركية، وخاصة بعد أن تبين فشل العسكر في فرض هوية جديدة بالقوة على المجتمع من أعلى هرم السلطة التي أمسكوا بها " حسب وجهة نظر حزب العدالة والتنمية ".
والعثمانية الجديدة، من وجهة نظرهم، لا تعني إعادة إحياء السياسات التوسعية للدولة العثمانية، إنما تهدف إلى تحقيق ثلاث متطلبات ضرورية للتتمكن تركيا من التفاعل مع محيطها الإقليمي بتناغم، ولتمضي بقوة في ميادين السياسة الدولية. هذه المتطلبات هي: أولاً، يجب على تركيا أن تتصالح مع ذاتها الحضارية وتعتز بماضيها " العثماني " متعدد الثقافات والأعراق. وأن تعمل على توسيع الحريات في الداخل، وتسعى لحفظ الأمن في الخارج. ثانياً، استعادة حس العظمة والكبرياء العثماني والثقة بالنفس لتوظيفها في السياسة الخارجية. ثالثاً، العمل الدائم على الانفتاح على الغرب، مع إقامة علاقات مع الشرق وخصوصاً البلدان الإسلامية. وباختصار، تعتمد هذه السياسة على القوة الناعمة في السياسة الخارجية ... علمانية صحيحة في الداخل ودبلوماسية نشيطة في الخارج، وخاصة في المجال الحيوي التركي.
بغض النظر عما كان يريده أتاتورك، فمن المؤكد أنه كان يحمل مشروعاً واضحاً أراد من خلاله إخراج الأتراك خصوصاً والمسلمين عموماً من تخلفهم، هذه السياسية ربما كانت صائبة أو خاطئة ولكنها بوقتها كانت حركة ثورية وإصلاحية. أما العثمانيون الجدد فكانت منطلقاتهم النظرية غامضة ضبابية تخفي أجندات سرية من وجهة نظر خصومهم القوميين الأتاتوركيين ويستشهدون بذلك بنجم الدين أربكان الذي وصف الاتحاد الأوروبي بخرقة بالية يجب تمزيقها والعودة إلى خيار الدول الإسلامية الذي بشّر به أوزال وأسّس له العثمانيون الجدد.
مبدأ " القوس المشدود والسهم المندفع "
حدّد وزير خارجية تركيا السيد أحمد داوود أوغلو في كتابه " العمق الاستراتيجي ... موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية " معالم نظريته التي ترسم الاستراتيجية السياسية للجمهورية التركية على الشكل التالي: كلما اشتد القوس إلى الوراء، كلما اندفع السهم في الاتجاه المعاكس الذي يرتد إليه وتر القوس. حيث تهدف هذه الاستراتيجية إلى تحقيق هدفين، الأول يمثل الدور الريادي الذي بدأت تركيا تلعبه على امتداد العالم الإسلامي والنموذج الذي يقدم الوجه الحضاري للإسلام المعتدل في مقابل نماذج أخرى للإسلام في المنطقة في مقابل التشدد الوهابي و الطالباني. أما الثاني فهو السهم الذي سيندفع بقوة نحو الغرب ومن موقع القوة. فالغرب الذي لم يقبل بانضمام دولة علمانية بهوية إسلامية كما تعّرف تركيا نفسها، سيقبلها مرغماً بعد أن تكون قد رسّخت أقدامها في الشرق كقوة إقليمية.
مبدأ " صفر مشكلات "
في 20 أيار 2010 كتب السيد أحمد داوود أوغلو مقاله الأشهر " سياسة صفر مشكلات " محدداً السياسة الخارجية لبلاده على النحو التالي، يجب أن تتمتع أنقرة بعلاقات جيدة مع جميع الدول المحيطة بها ولا سيما في دوائرها الإقليمية الأربع الأساسية، الشرق الأوسط والبلقان والقوقاز وجنوب أوروبا. وبظهور تركيا بمظهر الحريص على القضايا العربية ووقوفها بوجه الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة ودفاعها عن القضية الفلسطينية وخصوصاً انسحاب رئيس وزراء تركيا السيد رجب طيب أردوغان من مؤتمر دافوس غاضباً بعد مشادة حادة مع الرئيس الإسرائيلي بيريز، قد أكسبها شعبية هائلة في الشارع العربي والإسلامي. وفي الوقت نفسه حافظ الأتراك على التعاون العسكري والاقتصادي والأمني مع الجانب الإسرائيلي، فكانت أنقرة العاصمة الوحيدة التي تمتعت بعلاقات مميزة مع جميع الأطراف المتناقضة في المطقة.
أن "حزب العدالة والتنمية" يعمل كي تصبح أنقرة "قوة إسلامية" خالصة في الشرق الأوسط، لكنها ستكون معزولة عن الغرب، تشبه في أحسن الأحوال "اليمن السعيد"، بمعنى أنها ستكون بدولة إسلامية مزدهرة وضخمة لكن دون أن يكون لها أي دور في الأمن الإقليمي. ويدرك قادة "حزب العدالة والتنمية" أن قيمته الحقيقية في الشرق الأوسط تتمثل في أنه قوة إسلامية تحظى بروابط قوية مع الولايات المتحدة وتمتلك تقنيات حلف شمال الأطلسي وعضلاته.
الخاتمة
إن طلب العون والمساعدة من قبور الأموات صفعةٌ على جبين المجتمع الإنساني المتحضّر..يجب أن تعلموا أيها السادة أنتم وأفراد أسركم أن الجمهورية التركية العلمانية لا يمكن أن تكون بعد اليوم ساحة للمشايخ والدراويش وأتباعهم .. إن كان هنالك من طريقة حقيقية فهي طريقة الحضارة المبنية على العلم !.. وعلى مشايخ الطرق الصوفية أن يفهموا هذا الكلام بوضوح .. وبالتالي يتعين عليهم إغلاقُ زواياهم بالحسنى قبل أن أدمرها فوق رؤوسهم!!
كان ذلك جزءاً من خطاب شهير ألقاه مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك إلى الشعب التركي في الأيام الأولى للجمهورية التركية .. لم يقف الزعيم التركي عند حدود القول، بل أخذ البلاد والعباد فعلاً إلى هوية علمانية غطت شتى مناحي الحياة .. مياه كثيرة جرت في أنهار تركيا .. تراجع دور العسكر في مؤسسة الحكم وجاء إلى السلطة حزب العدالة والتنمية بقادته الموصوفين بالإسلاميين الجدد .. ومع ذلك لا تزال قضية الهوية مطروحة بقوة في المشهد السياسي التركي ..
قالوا أن ناسكاً كان يُجلب إليه من بيت رجلٍ تاجرٍ في كل يوم حصةً من السمن والعسل. وكان يأكل منها قوته ويرفع الباقي ويجعله في جره. وكانت الجرة معلقةً بحبلٍ نازل من السقف. وذات يومٍ، كان الناسك مستلقٍ على ظهره والعكاز في يده والجرة معلقة فوق رأسه، وأخذ يفكر في غلاء السمن والعسل. فقال: سأبيع ما في هذه الجرة بدينار وأشتري به عشر أغنام، فيحبلن ويلدن في كل خمسة أشهر مرة، ولا تلبث إلا قليلاً حتى تصبح قطيعاً عظيماً.
واستمر في الحلم قائلاً: فأبيع قطيع الأغنام وأشتري بثمنه ثوراً وبقراً وأرضاً، فأزرع الأرض على الثيران، وانتفع بألبان وأجبان الأبقار، وماهي إلاً خمس سنوات وأكون غنياً صاحب مالٍ كثير. حينها سأبني بيتاً فاخراً وأشتري عبيداً وأتزوج امرأة صالحة جميلة فتحمل وتلد لي غلاماً فأختار له أحسن الأسماء فإذا كبر أدّبته أحسن تأديب وأشدّد عليه، أمّا إذا لم يقبل ضربته بهذا العكاز. ثم لوّح عكازه في الهواء فأصاب جره العسل والسمن فكسرها وسال ما فيها على وجهه.
وما أشد الشبه بين حلم الناسك وحلم العثمانيين الجدد بإعادة السيطرة على الشرق واستعادة مجد الامبراطورية العثمانية التليد. هذا الحلم بدأ يؤثر سلباً على نفسية الطبقة الحاكمة في أنقرة، التي بدأت تعيش قلقاً وتردداً من أحلامٍ كبيرة غير قابلة للتحقيق على أرض الواقع. فالعصا التي يرفعها العثمانيين الجدد " لتأديب أعداء أنقرة الداخليين والخارجيين" قد تحطّم " جرة السمن والعسل " التركية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الرئيس الأمريكي يستضيف قمة للمناخ في اليوم العالمي للأرض لمك


.. -في أثر عنايات الزيات- للكاتبة ايمان مرسال.. كتاب مذهل يكشف


.. تونس: تحقيق قضائي بعد اتهام برلماني لسعيد بتلقي تمويل خارجي




.. فرق السوبرليغ تنسحب من المشروع باستثناء الريال وبرشلونة


.. الولايات المتحدة: البنتاغون: تحديات أمنية معقدة بالشرق الأوس